تقارير- (ديسمبر)
محاولات الاستفادة من الحرب وجعلها “شماعة” يعلق عليها تدهور بنك النيلين للتنمية الصناعية فشلت، على الرغم من محاولة إدارة البنك ومجلس إدارته، على حد سواء، استغلال ظرف البلد وما جرى منذ 15 أبريل 2023 وتقديمه تفسيراً وحيداً للتدهور الذي يعيشه البنك. هذا ما أكدته تحقيقات استقصائية موثقة، نشرتها (ديسمبر) في أعداد سابقة. المدير الجديد للبنك اللواء بحري إسماعيل أبوشوك سيجد نفسه أمام ضغط كبير وخيارات محدودة بعد فشل شماعة الحرب، إذ تنحصر مهمته في تسمية المتسببين في التدهور والفساد، وإخضاعهم للمحاسبة لاسترداد سمعة البنك قبل أمواله المنهوبة، فهل يفلح البحار؟
“أبشوك” مكافأة أم استحقاق
يوم الأحد الماضي، تأكد تعيين اللواء بحري إسماعيل عثمان الحسين أبوشوك مديراً عاماً للبنك، وسبق ذلك تداول منشور في عدد من قروبات الواتساب الخاصة بالعاملين بالنيلين، يشير إلى تعيين أبوشوك منذ 8/12/2025، وهذا يعني بالضرورة إنهاء تكليف الفاتح حامد، نائب المدير العام، الذي كلف عقب مغادرة عثمان آدم، المدير السابق، غير أن موافقة بنك السودان المركزي على تعيين إسماعيل أبوشوك مديراً عاماً للبنك أثار لغطاً كثيفاً، وموجة من الأسئلة، في مقدمتها: من أين جاء أبوشوك؟.
أحقية هذا السؤال ومشروعيته مستمدة من منشور بنك السودان نفسه، والممهور بتوقيع ياسر عبدالرحمن الياس وفوزية حسن سعد الدين، من إدارة المؤسسات المالية بالبنك المركزي، والخطاب في الأصل موجه لمجلس إدارة النيلين، لإخطاره بالموافقة على تعيين أبوشوك. وهذا يعني أن ترشيح المدير الجديد جاء من مجلس الإدارة. “أبوشوك”، قطعاً، لم يسبق له أن تولى إدارة بنك، ولم يكن مصرفياً يوماً من الأيام، حتى يكون معروفاً لمجلس إدارة البنك، واختياره من ضمن قائمة أصحاب “خبرة” تؤهلهم للأخذ بيد النيلين من وهدته الحالية، وسيرة “أبوشوك” نفسها تؤكد ذلك. وعلى الرغم من تعمد إبراز حصول الرجل على درجة الدكتوراة في الاقتصاد والإدارة، إلا أنها تؤكد أنه أنفق سنوات طويلة في الخدمة العسكرية، فهو ضمن الدفعة (29) في الجيش والتي تخرجت في 1973.
ومن بين الجدل الذي صاحب تعيين اللواء بحري إسماعيل المنطق الذي يقول إن البنك في تردٍّ مريع يحتاج إلى قائد له خبرة مصرفية وتجربة تؤهله للمهمة، وليس ضابطاً عسكرياً له درجة أكاديمية وإن كانت دكتوراة في الاقتصاد أو الإدارة. وبالعودة إلى السؤال من أين جاء أبوشوك؟ أو بالأحرى كيف وصل اسمه إلى مجلس الإدارة، تؤكد الشواهد التي أوردتها ليس من بين الأجوبة على السؤال “الكفاءة في العمل المصرفي”، هل هي مكافأة من جهة “ما” لصالح البحار المتقاعد؟ هذا ما سنجيب عليه في الفقرة اللاحقة.
تفويض البرهان
من ينظرون إلى تعيين “بوشوك” على أنه مكافأة للرجل، وليس حرصاً على إنقاذ بنك النيلين، يسندون رأيهم بشواهد محددة. وفي هذا الصدد قال أحد العاملين في البنك، طلب حجب اسمه: “في ظرف البنك الحالي كنا نتوقع تعيين خبير مصرفي محنك له تجربة طويلة، ولكن لم يستطع أحد تبرير اختيار لواء معاش لهذه المهمة في هذا الظرف المعقد”. ومن بين الأسانيد ترشيح أبوشوك إلى مجلس إدارة البنك والذي بدوره تولى ترشيحه للبنك المركزي مع الأخذ في الاعتبار أن أبوشوك ليس مصرفياً مرموقاً ولا إدارياً لامعاً، فكيف ظهر اسمه في قائمة المرشحين؟. غير أن الحجة القوية التي ترجِّح أن د.إسماعيل حصل على مكافأة وتجاهل من كافأه أزمة بنك النيلين، ربط تعيينه بالمذكرة التي تم توقيعها في 25 سبتمبر 2023 من مجموعة من الضباط المعاشيين تفوض قائد عام الجيش عبد الفتاح البرهان للاستمرار في حكم البلاد بعد القضاء على المليشيا، على حد تعبير المذكرة. وعضد ذلك إفادة من ضابط برتبة لواء بالمعاش لـ(ديسمبر)، طلب حجب اسمه، أن أبوشوك أحد قادة المذكرة ولعب دوراً رئيسياً في توزيعها، وحمل الزملاء على التوقيع عليها. ولم يستبعد الضابط المعاشي أن يكون أبوشوك هو من صاغ المذكرة لجهة أنه عرف عنه إجادته للكتابة إضافة إلى اهتمامه بالشأن السياسي، خلافاً لزملائه الضباط من الدفع المتقدمة. وهذه الأسانيد وغيرها كافية بالنسبة لكثيرين لإنهاء الجدل المثار حول من أين جاء أبوشوك؟ فهو عندهم جاء من لدن المكون العسكري القريب من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، خاصة أن أبوشوك خدم في الأجهزة الأمنية الاستخباراتية التابعة للجيش.

الإمارات ومأزق أبوشوك
من تحرينا حول سيرة أبوشوك من الضباط المعاشيين زملائه في المهنة، أشاروا إلى اهتمام الرجل بالسياسة والقانون البحري إلى جانب القانون الدولي، وأشاروا إلى أنه مثل كثير من الضباط المعاشيين مساند الجيش في حرب 15 أبريل، إلا أنه عرف بعدائه السافر لدولة الإمارات العربية المتحدة، متماشياً مع الاتهام الموجه إليها بدعم قوات الدعم السريع في الحرب. وتؤكد مصادر أنه له منشورات عديدة في مجموعات الواتساب الخاصة بالدفعة يجاهر فيها بموقفه المعادي للإمارات. ولدى تتبع المقالات المنشورة في عدد من الصحف الإلكترونية والمواقع الإخبارية للمدير العام الجديد ستجد فيها عداءً سافراً وتحريضاً ضد دولة الإمارات، ومن بينها مقال منشور في موقع النيلين الإلكتروني تحت عنوان (لا يخشى السودان الغرق) منشور في 23 مايو 2025، وفي مقال بعنوان (حرب المسيرات.. الوقوع في فخ ضخ المعلومات، والتشكيك في الجيش والمسؤولين) طلب فيه من المواطنين التوقف عن تصوير المواقع المستهدفة من قبل مسيرات الدعم السريع، وختم المقال بقوله: “تحدثوا في القضاي المهمة الآن وهي: صور استهداف المدنيين وقتل الأبرياء، صور المتعاونين والداعمين للتمرد، شكوى السودان للإمارات، وتكثيف صور معاونة الإمارات ودول الجوار للتمرد”. وإن كان ذلك كذلك، سيجد أبوشوك نفسه في مأزق لا يحسد عليه، هل يتمسك الجنرال د.إسماعيل بموقفه المعادي للإمارات؟ أم ينحني لها لأجل مصلحة البنك؟. ومعلوم أن بنك النيلين يعتمد بشكل رئيسي على فرع البنك في أبوظبي، وفي الحقيقة ليس البنك وحده الذي يعتمد عليه بل الحكومة في بورتسودان.
فشل شماعة الحرب
الذي يؤكد أن الحرب بريئة من التردي الذي أصاب البنك، ولوغ قيادة البنك في الإدارة وفي مجلس الإدارة في التجاوزات والفساد. وكشفت تقارير استقصائية نشرتها (ديمسبر) عن حصول أعضاء مجلس الإدارة على رواتب شهرية، منذ اندلاع الحرب، وهي بدعة غير مألوفة في مجالس إدارات البنوك، وإلى جانب ذلك يحصل أعضاء مجلس الإدارة على حوافز وبدلات. وفي تقرير سابق وضح مستند حصول رئيسة مجلس الإدارة حميدة محمد صالح على أكثر من (20) مليون جنيه في حسابها ببنك النيلين عبارة عن بدلات وحوافز، وحصل أعضاء مجلس الإدارة على أموال مماثلة، إضافة إلى صرف بذخي وغير مبرر في اجتماعات المجلس ومن بينها الاجتماع الذي عقد في أبوظبي وتجاوزت التكلفة أكثر من (400) ألف درهم، والاجتماع الأخير في بورتسودان، وحصل مدير البنك السابق عثمان آدم على راتب مجلس الإدارة وحوافزه إضافة إلى راتبه من البنك الذي تضاعف خلال الحرب. كما اهتمت إدارة البنك ومجلس الإدارة بالحصول على فوائد شخصية، ومن بين ذلك الفتوى القانونية التي أدت إلى حصول المدير السابق عثمان آدم على أموال بغير وجه حق، والفتوى متعلقة بالاستحقاقات المعاشية للمدير السابق وتسببت في أزمة داخل البنك.
وليس عثمان آدم وحده الذي حصل على أكثر من راتب، فـ إيهاب العميري، وهو إلى جانب كونه مدير المكتب التنفيذي يشغل منصب سكرتير مجلس الإدارة، ويتَّهَم بتجاوزات في مشتريات سابقة تتعلق بلافتات تم رفع شكواها إلى البنك المركزي قبل الحرب. وفي موازاة ذلك أهملت قيادة البنك العمل المصرفي، ودخلت إدارات الإستثمار في فروع البنك المختلفة في عمليات استثمارية خاسرة وبضمانات غير حقيقية، بينها وثائق من شركات تأمين، وقالت مصادر أن معظم المخالفات كانت في فرع العمارات والسوق المحلي والرياض، وكثير من العمليات الاستثمارية الفاسدة تم تنفيذها بعد الحرب.

توصيات د.جبريل إبراهيم
مما يعضد أن الحرب كانت بمثابة “شماعة” لفشل إدارة البنك، مقاومة عدد من البنوك التجارية ظرف الحرب القاهر، من بينها بنوك تجارية مثل بنك الخرطوم. وما يؤكد الفشل الإداري المؤتمر توصيات وزير المالية جبريل إبراهيم، ومعلوم أن وزارة المالية وبنك السودان هم الملاك الفعليين للبنك. وفي المؤتمر الذي عقد في 25 نوفمبر 2024، أي بعد الحرب، بخصوص إصلاح البنك، قدمت عدد من التوصيات إلا أن تنفيذها أهمل بالكامل ولم يكن لها أثر، ومن بين التوصيات المهملة زيادة رفع رأس مال النيلين فرع أبوظبي، والملاحظة المهمة أن التوصيات التي صدرت بتوقيع جبريل إبراهيم كانت تعمل على تكريس إدارة البنك في يد عثمان آدم المدير العام السابق، ومن بينها إصدار قرار بتبعية بنك النيلين فرع أبوظبي للمدير العام، وتوصية أخرى تقضي بإعفاء مديرة البنك بأبو ظبي نازك مهاجر وتعيين مدير جديد، إلا أن البنك المركزي الإماراتي رفض. كما أوصى الاجتماع بحل مجلس الإدارة برئاسة خوجلي عبد الرحمن، وهو المجلس الذي كان يراقب أداء البنك واستبدل بمجلس إدارة حميدة محمد صالح الذي ارتكبت في عهده عدد من المخالفات من بينها مخالفات منسوبة لحميدة نفسها، وأوصى الاجتماع بضرورة الإصلاح المالي والإداري، إلا أن هذه التوصيات لم يتم تنفيذها.
في انتظار البحار
تجاوزات مالية وإدارية، أموال ضخمة مستحقة فشل البنك في استردادها من العملاء، عمليات استثمارية فاشلة ومن غير ضمانات كافية، مرابحات ومشاركات غير مستوفية الشروط، مخازن منهوبة، فساد قيادات عليا في البنك وحصولهم على أموال غير مستحقة، تجاوز الاحتياطي القانوني، تعثر البنك في المقاصة، توقف خدمات البنك الإلكترونية بسبب عدم تغطية حساب البنك، وأخيراً تعيين مدير لإدارة التقنية براتب ضخم دون اتباع قواعد التوظيف في البنك وفي الدولة، كل ذلك ينتظر اللواء المعاشي د.إسماعيل أبوشوك. فهل سينجو البحار من الغرق في النيلين؟.