بين أبريل 1985 وأبريل 2019
كيف تبدو التحولات في الوعي واللغة وأدوات الاحتجاج؟
تقرير: إيمان فضل السيد

“حرية، سلام، وعدالة”.. يهتف شاب في العشرينات وسط موكب مهيب، بينما يستعيد رجل خمسيني في ذاكرته هتافات إسقاط النظام في أبريل 1985.
بين الصوتين، تمتد مسافة زمنية تتجاوز ثلاثة عقود، لكنها تختصر تحولات عميقة في الوعي واللغة وأدوات الاحتجاج في السودان. في أبريل 1985، كانت النقابات المهنية والأحزاب السياسية تقود الشارع، بهياكل تنظيمية واضحة وخطاب سياسي تقليدي، حيث تشكّلت الشعارات بوصفها امتدادًا مباشرًا للبيانات السياسية.
أما في أبريل 2019، ومع انطلاق اعتصام القيادة العامة ضمن ثورة ديسمبر 2018، فقد برزت قوى جديدة مثل تجمع المهنيين السودانيين ولجان المقاومة، مدفوعة بجيل شاب أعاد تشكيل أدوات الاحتجاج ولغته، مستفيدًا من فضاء رقمي مفتوح وتجربة تاريخية أكثر تعقيدًا.
يقول أحد المشاركين في انتفاضة أبريل 1985: “كنا نخرج ونحن نعرف ماذا نريد بالضبط، إسقاط النظام وعودة الديمقراطية، لم تكن هناك تعقيدات كثيرة في الشعار”.
بينما تقول إحدى المشاركات في اعتصام 2019: “لم نكن نهتف فقط لإسقاط النظام، كنا نحاول أن نعبر عن أنفسنا وأحلامنا وطموحاتنا في بلد يسعنا جميعاً، بلد من دون عنصرية، من دون ظلم، ومن دون كبت للحريات”.
تعكس هذه الأصوات، بقدر ما تعكسه الشعارات، تحوّلًا عميقًا في طبيعة الخطاب الثوري نفسه.
من الشعار إلى الخطاب
في انتفاضة أبريل 1985، بدت الشعارات أقرب إلى بيانات سياسية مكثفة؛ مباشرة في لغتها، واضحة في مقصدها: “إسقاط النظام”، “لا لحكم الفرد”، و”نعم للديمقراطية”. صيغت هذه العبارات بلغة فصحى تقليدية، تعكس طبيعة لحظة تقودها النخب السياسية والنقابية، حيث كان الشعار أداة للحشد السريع، ووسيلة لتوحيد الجماهير حول مطلب محدد وواضح.
أما في ثورة ديسمبر 2018، وتحديدًا في أبريل 2019، فقد تغيّر شكل الشعار ووظيفته معًا. “حرية، سلام، وعدالة”، “تسقط بس”، “مدنية خيار الشعب”، و”الشعب أقوى والردة مستحيلة” لم تكن مجرد هتافات، بل صيغ لغوية مكثفة تختزن رؤية كاملة لشكل السلطة وطبيعتها.
وفي شعارات مثل “الدم قصاد الدم.. ما بنقبل الدية”، و”يا عنصري ومغرور.. كل البلد دارفور”، يبرز البعد العاطفي والاجتماعي، حيث يتحول الشعار إلى أداة مقاومة، وإلى خطاب يواجه قضايا الهوية والعدالة، جنبًا إلى جنب مع قضايا السلطة والحكم.
بين وضوح العبارة في أبريل 1985، وجرأة الاختزال وثراء الدلالة في أبريل 2019، انتقلت الشعارات من كونها أدوات مطلبية مباشرة، إلى نصوص قصيرة مشحونة بالرمز والإيقاع، تُنتج المعنى بقدر ما تعبّر عنه، وتعيد صياغة العلاقة بين الشارع وقضاياه، من جهة، وبين الشارع والسلطة من جهة أخرى.

الشعارات.. مرآة للوعي
بطبيعة الحال لا تعكس الشعارات ما يريده المحتجون فحسب، بل تكشف أيضًا كيف يفكرون في أنفسهم، وفي دولتهم، وفي شكل المستقبل الذي يتطلعون إليه. وبين انتفاضة أبريل 1985 وثورة ديسمبر 2018، يبدو هذا التحول في الوعي جليًا بقدر ما هو عميق.
في 1985، تمحورت الشعارات حول هدف واضح ومباشر: إنهاء الحكم القائم واستعادة المسار الديمقراطي. كان الشارع يتحدث بلغة سياسية تقليدية، ترى في الدولة إطارًا يمكن إصلاحه عبر تغيير السلطة، لذلك جاءت الشعارات مركّزة على “إسقاط النظام” و”الديمقراطية” كأهداف نهائية.
أما في 2019، فتجاوزت الشعارات مطلب التغيير السياسي إلى إعادة تعريف أوسع لمعاني الحرية والعدالة والانتماء. لم يعد الشعار يكتفي بمخاطبة السلطة، بل اتجه أيضًا إلى مساءلة المجتمع نفسه، كما في الهتافات المناهضة للعنصرية، أو تلك التي تؤكد على مركزية الهامش.
هنا، لم تعد الثورة مجرد فعل إسقاط، بقدر ما هي مشروع وعي متكامل، يسعى لإعادة بناء العلاقة بين مكونات المجتمع، وإعادة تشكيل السلطة في آن.
ويبرز في هذا السياق حضور لافت للمرأة، بكل الأعمار وخاصة الفتيات. هذا الحضور لم يكن يعبر عن دور فاعل في الميدان فحسب، بل كانت المرأة منتجة للخطاب ذاته، ما أضفى على الشعارات حساسية جديدة تجاه قضايا العدالة الاجتماعية، والتمثيل، والكرامة الإنسانية.
من الشارع إلى الفضاء الرقمي
اللافت أن تغيّر اللغة، صاحبه تغير كبير في سائطها. ففي 1985، كان الشعار يُتداول عبر المسيرات، ومنشورات النقابات، والبيانات السياسية المطبوعة، والقصاصات المختزلة وشعارات الحائط ضمن فضاء سياسي محدود نسبيًا.
أما في 2019، فقد انتقل الشعار إلى فضاءات أوسع؛ وسائل التواصل الاجتماعي، والجداريات، والأغاني، ومقاطع الفيديو، ما منحه سرعة انتشار غير مسبوقة، وقدرة على إعادة الإنتاج والتداول خارج حدود المكان.
هذا التحول أسهم في تشكيل وتصميم الشعار بطرق مبتكرة بالقدر الذي أسهم فيه في كيفية انتشار الشعار؛ حيث أصبحت اللغة أكثر اختزالًا، وأكثر قابلية للتكرار، وأكثر انفتاحًا على السخرية والإيقاع، بما يتناسب مع طبيعة التداول الرقمي.
السياق السياسي ودور العسكريين
لكن هذا التحول في اللغة والوعي لم يكن معزولًا عن السياق السياسي، خاصة دور المؤسسة العسكرية في كل من التجربتين. يقول الصحفي المخضرم عبد الله رزق، الذي عايش المرحلتين:
“تحرك أبريل ومصائره ظل محكومًا بشروط داخلية وخارجية، وذاتية وموضوعية. فثمة فارق في الوعي ناتج من خبرة وتجارب الشعب خلال حقبتين، وانعكاس ذلك في الشعارات المرفوعة والتكتيكات، لاسيما ما تعلق بدور العسكريين”.
ويضيف أن الفارق بين التجربتين لا يظهر فقط في طبيعة الشعارات، بل أيضًا في كيفية تفاعل الجيش مع الحراك الشعبي، وهو ما كان له تأثير مباشر على مسار كل منهما. ففي أبريل 1985، برز ما عُرف لاحقًا بانحياز الجيش للشعب، حين تدخلت المؤسسة العسكرية في لحظة حاسمة، لتضغط على السلطة القائمة وتفتح الطريق أمام انتقال سياسي. وقد انعكس ذلك على طبيعة الشعارات نفسها، التي لم تكن مشغولة كثيرًا بمخاطبة الجيش أو التحذير من (الردة)، بقدر تركيزها على إسقاط النظام واستعادة الديمقراطية.
أما في أبريل 2019، فقد جاء تدخل الجيش في سياق مختلف تمامًا. فبدلًا من انحياز واضح ومباشر لمطالب الشارع، ظهر تدخل اللجنة الأمنية للنظام بوصفه محاولة لاحتواء الحراك وإعادة إنتاج السلطة بصيغة جديدة، وهو ما دفع المحتجين إلى تطوير خطابهم وشعاراتهم لتشمل التحذير من الالتفاف على الثورة.
لذلك، لم تعد الشعارات في 2019 موجهة فقط ضد السلطة القائمة، بل اتسعت لتشمل كل ما يمكن أن يهدد مسار التغيير، كما في “الشعب أقوى والردة مستحيلة” و”مدنية خيار الشعب”، حيث تعكس هذه العبارات وعيًا متقدمًا بتعقيدات المرحلة، ورفضًا مبكرًا لأي تسويات لا تحقق جوهر مطالب الثورة. وبهذا، أصبحت الشعارات جزءًا من معركة أوسع؛ ليس فقط لإسقاط نظام، بل لحماية مسار كامل من التغيير، في مواجهة توازنات سياسية وعسكرية أكثر تشابكًا مما كانت عليه في 1985.

ما بعد الشعار.. حين تختبر الشعارات واقعها
غير أن أهمية الشعارات لا تتوقف عند لحظة إطلاقها في الشارع، بل تمتد إلى ما بعدها؛ إلى قدرتها على الصمود حين تغادر الهتاف وتدخل في اختبار الواقع. فبينما نجحت شعارات أبريل 1985 في تحقيق هدفها المباشر بإسقاط النظام وفتح الطريق أمام انتقال سياسي، فإنها لم تُختبر طويلًا في مواجهة أسئلة أعمق تتعلق ببنية الدولة نفسها، وهو ما جعل التجربة الديمقراطية لاحقًا عرضة للاهتزاز والانقطاع في وقت وجيز.
في المقابل، وجدت شعارات 2019 نفسها في مواجهة اختبار أكثر تعقيدًا وقسوة. فالهتافات التي حملت وعود “الحرية والسلام والعدالة” لم تعد مجرد مطالب، بل تحولت إلى معايير يُقاس بها الواقع، وإلى مرجعية أخلاقية وسياسية يُحاسَب على أساسها الفاعلون في المشهد. ومع تعثر الانتقال، وتصاعد الأزمات، ثم الانزلاق إلى صراع مفتوح، بدا أن الفجوة بين الشعار والواقع قد اتسعت، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن أمر آخر، أن ما تغيّر هو سقف التوقعات نفسه وليس الشعارات فقط.
فجيل 2019 لم يعد يقبل بتسويات جزئية أو حلول مؤقتة، بل بات أكثر ميلًا لربط أي تغيير بمعناه العميق، وليس تغييراً شكلياً فقط. بهذا المعنى، يمكن القول إن التحول الأكبر لا يكمن فقط في اللغة أو الأدوات، بل في طبيعة العلاقة بين الشارع والسلطة.
في 1985، كان الشارع يضغط من أجل التغيير، ثم يتراجع خطوة إلى الخلف، أما في 2019، فقد حاول الشارع أن يظل حاضرًا، مراقبًا، ومشاركًا، بل وحارسًا لشعاراته.
بين الأبريلين
بين أبريل 1985 وأبريل 2019، تتبدل الهتافات، وتتغير الكلمات، لكن ما يبقى هو ذلك السعي المستمر لتعريف معنى الحرية، وحدود السلطة، وشكل الدولة الممكنة.
ربما لا تكمن أهمية هذه المقارنة في المفاضلة بين تجربتين، بقدر ما تكمن في قراءة ما تكشفه كل منهما عن لحظتها التاريخية؛ عن شعبٍ تعلّم من تجاربه، وراكم أسئلته، وغيّر لغته لأنه ببساطة، لم يعد يرى نفسه كما كان.
في النهاية، تظل شعارات كلتا الحقبتين تعبر عن أشواق ودوافع جماهير الشعب السوداني ببلد لم يُكتب له التغيير بعد.