امتحانات الشهادة السودانية: مستقبل السودان على حافة الهاوية
تقرير استقصائي – (ديسمبر)

في تطور يمس مستقبل تعايش السودانيين، برز امتحان الشهادة السودانية كأحد العناصر بالغة الأهمية، لجهة أنه ظل امتحاناً “قومياً” تشرف عليه الحكومة المركزية، وينعقد في كل مدن السودان، في زمن واحد وبلغة واحدة وبشروط مشتركة. كذلك ظلت نتائج هذا الامتحان المؤشر والشرط الرئيسي للالتحاق بالجامعات السودانية. وعلى الرغم من أن السودان عاش في السابق حروباً عديدة إلا أن حرمان مئات الآلاف من الطلاب من أداء امتحان الشهادة السودانية لم يحدث كما هو في حرب 15 أبريل 2023. غير أن التطور الذي يعد ناقوس خطر يتمثل في إعلان حكومة “تأسيس” المكونة في مناطق الدعم السريع تنظيم امتحان منفصل عن امتحان وزارة التربية والتعليم في الخرطوم. وما يزيد الأمر تعقيداً تأثير الحرب على بنية التعليم أصلاً، وانعكاساتها المباشرة على بيئة التعليم والوصول الآمن له، وبالذات في مناطق النزاع. كما أن الحرب إلى جانب تدمير بعض المدارس تدميراً كلياً وجزئياً كانت سبباً رئيسياً في تشريد المعلمين؛ إما بسبب الهروب من العنف الذي أدى إلى مقتل عدد منهم وتعرض بعضهم للاحتجاز التعسفي، أو بسبب عدم حصولهم على رواتبهم.
في هذا التقرير الاستقصائي نستعرض آثار الحرب على بيئة التعليم عامة وخاصة في مناطق النزاع، ونركز الضوء على ما يجري في دارفور بخصوص التعليم عموماً وامتحانات الشهادة السودانية على وجه التخصيص.
تأسيس: سنجري امتحانات في دارفور
أصدر وزير التربية والتعليم بحكومة تأسيس، كوكو محمد جقدول، قراراً بتشكيل لجنة فنية إشرافية عليا لامتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرتها للعام الدراسي 2025-2026. القرار على الرغم من أنه كان متوقَّعاً إلا أنه أحدث صدمة لدى كثيرين، وعده البعض ردة فعل عن إعلان الحكومة في الخرطوم الامتحانات في شهر أبريل المقبل. والمفارقة أن الاتحاد الأوروبي أضاء إشارة الخطر قبل الآخرين حين قال في بيان إن “إجراء امتحانات موازية في مناطق الدعم السريع يعزز فرص الانفصال”. وعلى الرغم من أن قضية وحدة السودان وانفصاله تظهر بقوة في القضية التي نحن بصددها، غير أن مستقبل الطلاب في حد ذاته مسألة بالغة الأهمية. وإذ لم تُجِب “تأسيس” على الأسئلة المتداولة ولم تهتم لذلك، وفي مقدمتها من يعترف بالشهادة الصادرة عن هذه الامتحانات؟ هل يتوقع أن يدرس بها الطلاب في الجامعات المرتبطة بالمركز؟ هل سيُعترف بهذه الشهادة خارج السودان؟ وقبل ذلك هل البيئة مهيَّأة وآمنة للجلوس للامتحانات؟ وغيرها من الأسئلة التي تطالب الأسر حكومة تأسيس بالإجابة عليها.
دارفور.. دار الكارثة
من الواضح حال تأجيل النقاش حول شبح التقسيم الذي يعززه امتحان شهادة تديره وزارة التربية والتعليم في الخرطوم وآخر موازٍ تديره وزارة التربية والتعليم في نيالا، حال أجلنا النقاش ووقفنا على آثار الحرب على بنية التعليم وقدرة الطلاب في الوصول إليه، سنجد أنها تسببت في آثار عميقة ومؤثرة على بيئة التعليم. فقد كشف معلمون من دارفور لـ(ديسمبر) عن واقع بالغ السوء بالنسبة للتعليم في دارفور وفي مناطق كردفان. كذلك كشفت لجنة المعلمين عن تعرض المعلمين للقتل والاعتقال والفصل التعسفي، وتردٍّ في الأجور وعدم وصولها أحياناً.
كان عدد المدارس في إقليم دارفور قرابة 4000 مدرسة بجميع المراحل، وفق تقرير أعدته لجنة مكلفة من حكومة تأسيس وعدد من المعلمين الذين تحدثوا لـ(ديسمبر) أصبحت نحو 98% من المدارس في بعض محليات دارفور خارج الخدمة، إما بفعل القصف المباشر، أو نتيجة تحويلها إلى مراكز إيواء أو ثكنات عسكرية، أو أنها تقع في مناطق شديدة الخطورة بسبب الاشتباكات العسكرية.
هذا الانهيار المادي لم يقتصر أثره على المباني فقط، بل انعكس مباشرة على حياة ملايين الأطفال. حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من خمسة ملايين طفل في دارفور مهددون بفقدان حقهم في التعليم، بحسب تقارير صحفية بينما حُرم أكثر من نحو 70 ألف طالب وطالبة في جنوب دارفور من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية (دفعتا 2023 و2024) كما أشارت لجنة المعلمين.
ولم تنجُ الكوادر التعليمية من هذا الانهيار، فمنذ اندلاع الحرب، قُتل نحو (9) معلمين في دارفور وفق لجنة المعلمين السودانيين، وتوقف عن الدراسة آلاف آخرون بسبب النزوح واللجوء وإغلاق المدارس، بينما بقي عدد قليل منهم يعملون كمتطوعين ضمن المبادرات المجتمعية المتفرقة التي أعادت فتح عدد محدود من المدارس.
ويعكس تقرير UNICEF (منظمة الأمم المتحدة للطفولة حول الوضع الإنساني في السودان (مارس 2025) أن أكثر من 16.5 مليون طفل باتوا خارج المدارس، في واحدة من أكبر أزمات التعليم عالميًا. ورغم بعض محاولات إعادة فتح المدارس في ولايات محدودة، لا تزال مناطق النزاع، وعلى رأسها دارفور، بعيدة عن أي تعافٍ فعلي. ويقرّ التقرير بوجود فجوة تمويلية تبلغ 38% من الاحتياجات المطلوبة لقطاع التعليم، ما يعني أن الاستجابة الحالية أقل بكثير من حجم الأزمة، وفي ظل الظروف التي أشرنا إليها ودون معالجتها بشكل جدي جاء قرار تأسيس بإجراء امتحانات الشهادة، إضافة إلى هشاشة أمنية تنتظم كثيراً من مناطق إقليم دارفور.
لجنة المعلمين: مئات الآلاف لم يجلسوا للامتحان
رسمت لجنة المعلمين، ممثلة في الناطق الرسمي سامي الباقر، صورة شديدة القتامة لامتحانات الشهادة السودانية في عموم السودان، وقال لـ(ديسمبر) إن “تراكم الدُفعات منذ اندلاع الحرب حرم آلاف الطلاب من امتحان الشهادة، ولايزال هؤلاء مصيرهم غامضاً”. وأشار الباقر إلى أن الإحصائية التي يتم القياس عليها هي امتحانات (2023-2022) وهي آخر تسجيل رسمي ومعتمد للطلاب المسجلين للامتحان، وكان عددهم (570) ألف طالب وطالبة، وعدد الذين جلسوا من هذا العدد لم يتجاوز (200) ألف طالب وطالبة، بمعنى أن هناك (370) ألف طالب لم يجلسوا للامتحان، وظل يترحل من يرغب في مواصلة الدراسة إلى أعوام 2024 و2025 والعام الحالي. وفي دفع (2023) جلس من إقليم دارفور عدد محدود، بعد أن انتقلوا من دارفور إلى الولايات التي أقيم فيها الامتحان، لجهة أن إقليم دارفور وجزء من إقليم كردفان لم تُجرَ فيها امتحانات أصلاً.
وقال معلم من جنوب دارفور لـ(ديسمبر) إنه “لثلاثة أعوام متتالية لم تجرَ امتحانات شهادة سودانية في دارفور، وهذا أحد الأسباب التي دفعت “تأسيس” لإجراء امتحانات بعد ضغط كبير من أسر الطلاب والمجتمع، خاصة أن تجربة نقل الطلاب للامتحان في ولايات يسيطر عليها الجيش لم تكن جيدة”.
وتشير تقارير إلى اعتقال طلاب من دارفور جاءوا للامتحان في الولاية الشمالية وتحديداً في مدينة الدبة، وكذلك منع الدعم السريع الطلاب من السفر إلى مناطق سيطرة الجيش للجلوس للامتحانات، وعدَّها اعترافاً بالسلطة التي يترأسها قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورغب أكثر من (13) ألف طالب الجلوس للامتحان في 2023 كانوا في معسكرات لجوء في دولة تشاد إلا أن السلطات التشادية منعتهم. وعلى الرغم من أن السلطات في الخرطوم أجرت امتحانات تكميلية في مارس 2024 لتخفيف تراكم الدفع إلا أن أعداداً محدودة جلست للامتحان.
أرقام الجلوس واقع صعب
من خلال استطلاع قامت به “ديسمبر” أشار معلمون من دارفور وكردفان إلى صعوبات حقيقية تواجه الطلاب الراغبين في الجلوس لامتحان الشهادة السودانية من مناطق النزاع ومناطق سيطرة قوات الدعم السريع. أول هذه الصعوبات أن الطلاب من تلك المناطق لم يتم تسجيلهم، ولم تستخرج لهم أرقام جلوس الامتحان، وهذا الإجراء يسبق الامتحانات بفترة تتجاوز الشهرين على أقل تقدير. الأمر الآخر الخوف من تجربة الاعتقال بالاشتباه أو ما يعرف بقانون “الوجوه الغريبة”. والأكثر من ذلك إثارة للخوف هو منعهم من السفر من قبل قوات الدعم السريع وتعرضهم للمخاطر.
طلاب مناطق النزاع: لم يدرسوا
لا خلاف أن المعلم هو العنصر الأهم في العملية التعليمية، وما جرى بعد حرب 15 أبريل 2023 كان وقعه شديداً على المعلمين، وبالذات في مناطق النزاع في دارفور وكردفان. وبحسب مصادر كان توزيع المعلمين قبل توقف التعليم في دارفور على النحو التالي: 45% في المرحلة الابتدائية، 15% في المرحلة المتوسطة، و40% في المرحلة الثانوية، غير أن (80%) من المعلمين تركوا مهنة التعليم إلى مهن أخرى، بعد توقف المرتبات وعدم اهتمام الإدارات المدنية في حكومة تأسيس بتوفيرها.
وقال معلمون إن المرتبات على قلتها يتم توفيرها من الحكومة المركزية في الخرطوم، ولا تتعدى 60% من المرتبات المطلوبة، وهي لا تكفي المعلم لمدة يومين في ظل التضخم العالي الذي شهدته الأسواق بعد اندلاع الحرب. وقالت لجنة المعلمين في بيان بشأن الأجور إن جميع المعلمين يعيشون بعد الحرب تحت خط الفقر المدقع، وجاء في البيان تحت فقرة “نماذج من المرتبات:
نماذج من المرتبات
الدرجة الأولى (قرابة 30 عامًا خدمة): لا يزيد المرتب عن 220 ألف جنيه سوداني، وهو مبلغ لا يفي بأبسط متطلبات أسرة صغيرة في ظل الغلاء الفاحش.
الدرجة التاسعة (مدخل الخدمة): لا يزيد الراتب عن 80 ألف جنيه سوداني.
العامل: لا يتجاوز إجمالي ما يتقاضاه 25 ألف جنيه سوداني”.
إن هذه المرتبات لا تغطّي حتى كلفة المواصلات، وتضع المعلّم والعامل أمام واقع قاسٍ من العجز والعوز، وأصبحت – مهما اختلفت درجاتها – جميعها تحت خط الفقر المدقع.
وأشار الناطق الرسمي للجنة المعلمين سامي الباقر إلى أن هذه الأوضاع لها انعكاس على الشهادة السودانية بشكل عام، وفي مناطق النزاع بشكل خاص، ودفعت المعلمين إلى هجر المهنة. وفي استطلاع مع عدد من المعلمين من دارفور أجرته (ديسمبر) قال الأستاذ محمد حسن حامد أحمد، من مدرسة دار السلام الثانوية بنين في شمال دارفور: “كانت مفاجأة وصدمة كبيرة… الجهل والتشرد يزداد”. فيما يعبّر الأستاذ محمد موسى داوود عبدالله، من قريضة الثانوية بنات في جنوب دارفور، عن إحباطه قائلاً: “أصبح الطلاب وقودًا للحرب”.
وكشفت لجنة المعلمين عن استهداف المعلمين بالقتل والاعتقال والفصل التعسفي جراء الحرب. وبحسب رصد لجنة المعلمين هناك (16) قتيلاً، إضافة إلى رصد معلمين من دارفور مقتل (7) معلمين، وأشار البعض إلى أن القتلى وسط المعلمين أكثر من ذلك، ولا توجد مراصد محايدة أو إحصاءات دقيقة، والقتل كان من طرفي الحرب الجيش والدعم السريع أو خلال الاشتباكات. كذلك تعرض أكثر من (26) معلماً للاعتقال أيضاً في مناطق طرفي الحرب، وتم فصل معلمين بتهمة التخابر مع الجيش أو التعاون مع الدعم السريع.
واتفق عدد من خبراء التعليم على أن ظروف المعلمين السيئة تنعكس بشكل مباشر على جودة التعليم وجودة الشهادة السودانية والاعتراف بها في المحيط الإقليمي والدولي.
مستقبل خطير
عند الحديث عن مستقبل الطلاب الذين حرموا من الجلوس وخاصة البنين كانت الصورة مقلقة وخطيرة. وفعلياً أبدى المعلمون قلقًا كبيرًا؛ ومن استطلعناهم من المعلمين يرى 43.3% منهم أن مستقبل الطلاب شديد الخطورة، بينما يعتقد 35% أنه يمكن إنقاذهم عبر برامج تعليم بديل، وأشار 13.3% إلى أن مستقبلهم يعتمد على وقف الحرب واستقرار الأوضاع الأمنية.
هذا الانقسام في الرؤى يعكس إدراك المعلمين العميق أن التعليم يمثل خط الدفاع الأول ضد تفكك المجتمع وانتشار الفقر والجهل، وأن الانقطاع عن التعليم يترك آثارًا متراكمة تتجاوز حياة الطلاب لتطال المجتمع ككل. وأخطر ما أشار إليه المعلمون هو انخراط الطلاب الذكور في مسار الحرب بعد انقطاعهم عن التعليم بعد انسداد أفق امتحان الشهادة أو امتلاكهم للسلاح مع حداثة سنهم سوف يدفعهم للجريمة والمخاطر الأخرى. والمفارقة أن إغلاق المدارس دفع عدداً من المعلمين للانخراط في الحرب وخاصة في مناطق الدعم السريع.
فشل المبادرات.. من يتحمل الذنب؟
انطلق عدد من المبادرات للتقليل من مخاطر إقامة أكثر من امتحان للشهادة السودانية، إلا أن جميعها لم يكتب له النجاح وفشل بشكل كامل. تعللت الحكومة في الخرطوم بالأوضاع الأمنية في مناطق الدعم السريع وعدم الثقة في نقل الامتحانات بأمان وعدم كشفها. من جهتها رفضت حكومة الدعم السريع “تأسيس” السماح للطلاب بالسفر إلى مناطق الجيش لأداء الامتحان وعدت ذلك ضرباً من الاعتراف بسلطة البرهان وخوفاً من الكشف عن عجزها في تسيير شؤون المواطنين في مناطقها.
لكن من ينظرون إلى الأمر بمسؤولية وحيادية ينظرون إلى مستقبل مظلم للطلاب وللمجتمع ومستقبل بلد ينتظر من شبابه الكثير، في ظل استقطاب عسكري وانتشار السلاح.