لـ(ديسمبر كلمة) :حين يخرج المولود من رحم العدم!

لـ(ديسمبر كلمة)

حين يخرج المولود من رحم العدم!

محمد لطيف

 

طلبت مني أسرة تحرير صحيفة (ديسمبر) الموقرة أن أكتب افتتاحية هذا العدد، بحسبانه العدد المكمِّل لعامها الأول، فكان أول ما فكرت فيه أن أعتذر عن هذه المهمة العصية.. فهناك من هم أجدر مني وأقدر مني على القيام بهذا الدور.. ثم راجعت نفسي.. هذه عصبة من الشباب قضت عاماً كاملاً متبرعة بوقتها وجهدها وفكرها ومالها لتظل (ديسمبر) منارة سامقة.. فلا أقل من تكون مساهمتي كلمات تقدر جهد العام هذا.. ثم قلت إن المشاريع العظيمة دايما ما تكون لها بدايات عظيمة.. ولكن النجاح دوماً ما يشغلنا عن العودة إلى تلك البدايات.. فرأيت أن بداية (ديسمبر) تستحق العودة إليها والوقوف عندها.. فجعلت ذلك عنوان هذا المقال.!

والحق يقال إن صحيفة (ديسمبر) التى نحتفي بإكمالها العام قد خرجت من رحم العدم.. ففي صبيحة 15 أبريل 2023 توقفت كل الصحافة الورقية في السودان، فقد أحرقتها الحرب (العبثية) كما أحرقت كل شيء ذي قيمة.. وحتى الصحافة الإلكترونية انهارت لتبقى فقط صحافة (الذباب الإلكتروني) والبوم الناعق بمزيد من الخراب على السودان وأهله.. فكان لا بد من ردٍّ يوازي هذا الفعل المقيت.. فجاءت (ديسمبر) مولوداً خارجاً من رحم العدم.. كيف ذلك؟

قضت الحرب على الأخضر واليابس.. والناس في شتات.. والزمان مسغبة.. ولكن شباباً آمنوا بوطنهم وبشعبهم وبقضيتهم أدركوا أن غذاء الروح لا يقل أهمية عن غذاء الجسد.. فبدأوا.. وما أصعب البدايات حين تكون من الصفر.. إن لم تكن ما دونه.. غير أن المفاجأة أن هذا المولود القادم من العدم لم يكن ضعيفاً هزيلاً مهيض الجناح.. كلا.. بل خرج كطائر الفينيق المنبعث من الرماد كما في الأسطورة الإغريقية.. قوياً عنيفاً شرساً يرعب الأعداء.. ويهدي من شاء سواء السبيل.. فهكذا ومن تحت رماد الحرب خرجت (ديسمبر).. قوية.. فتية.. عصية على الانكسار.

ولئن سألتني عن هذه الصدفة العجيبة.. أن يتزامن احتفاؤنا بمرور عام على انطلاقة صحيفة (ديسمبر) مع احتفال العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة.. لقلت لك إن بعض الصدف تعطي رسائل أصدق بكثير من تلك التى يعكف على صناعتها الآلاف من البشر…! وإلا فقل لي ما مغزى اليوم العالمي لحرية الصحافة؟ أليس دعم حرية الصحافة؟ ودعم حق المواطن في أن يعلم كل ما من شأنه التأثير على حياته ومصيره؟ ثم تكريس دور الصحافة الحرة في إزالة تغبيش الوعي وفضح الفساد ومناهضة خطاب الكراهية ومناهضة العنف والدعوة إلى السلام؟ ثم دفع الشعوب للتمسك بحقها في الحياة الحرة الكريمة؟.. 

إذن لقد فعلت (ديسمبر) ذلك وأكثر.. موظِّفة كل القوالب الصحفية بمهنية واحترافية ومصداقية عالية.. ولا نقول بحيادية، لأن الصحافة الحرة لا تعرف الحياد بل تنحاز للحق ولشعبها دوماً.. وهذا أيضاً ما تفعله (ديسمبر).. فكل عام وشعبنا و(ديسمبر) وأنتم بخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *