بروفايل: (خاص ديسمبر)
في الحروب الحديثة، لا يحتاج القادة دائماً إلى انتصار كامل كي يبقوا في السلطة، يكفي أحياناً ألا يخسروا بشكل حاسم. لكن في حالة قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يبدو أن المعادلة تطورت إلى مرحلة إضافية، إذ يمكن للقائد أن يبقى في السلطة طالما نجح في جعل النصر مستحيلاً على الجميع.
منذ سقوط الرئيس المخلوع عمر البشير في أبريل 2019، يقود الرجل السودان، أو ما تبقى من فكرة قيادته، دون أن يقوده إلى نهاية. لا سلام يمكن تسويقه، ولا نصر يمكن الادعاء به دون قدر من “الخيال السياسي”. وبعد أكثر من عامين على حرب أبريل 2023، لم تعد المشكلة أنه لم يحسم الحرب، بل أنه حوّل عدم الحسم إلى حالة مستقرة نسبياً. وما يبدو كفشل، يعمل بكفاءة كسياسة.
توازن هش
حين صعد البرهان إلى السلطة عقب سقوط البشير، لم يكن الشخصية الأقوى داخل المشهد السوداني، لكنه كان الأكثر قدرة على الحركة بين مراكز القوة المختلفة. كان ببساطة الأقل إثارة للمخاوف الفورية، وهي ميزة مؤقتة في بلد دائم القلق. لم يمتلك قاعدة سياسية واسعة، ولا مشروعاً أيديولوجياً واضحاً، كما لم يكن يقود مؤسسة عسكرية موحدة بالكامل خلفه. جاءت قوته أساساً من موقعه كضابط مقبول من أطراف متناقضة، وقادر على إبقاء التوازن بينها. وجاءت قوته من هذا الفراغ تحديداً.
وهنا تظهر أولى مفارقات شخصيته: لم يكن صعوده نتيجة قوة زائدة، بل نتيجة نقصٍ محسوب، غياب مشروع، وغياب تهديد مباشر، وغياب تعريف واضح. هذا «الفراغ المنظم» لم يكن نقطة ضعف، لكن ما سمح له بأن يصبح مقبولاً من الجميع، ومحدَّداً من لا أحد.
تحرك بين المدنيين، والعسكر، وقوات الدعم السريع، لا ليحل التناقضات، لكن ليؤجلها. لم يكن هدفه بناء نظام مستقر، بل منع انهياره السريع، ولو على حساب تأجيل الانفجار. لم يحل التناقضات، لأنه لم يكن قادراً على ذلك، فاكتفى بإدارتها حتى تجاوزت قدرتها على الإدارة.
وهذا ما حدث بدقة يمكن وصفها بأنها متوقعة. لكن التوازن الذي لا يُحسم يتضخم حتى ينفجر. وفي أبريل 2023، فعل ذلك دون مفاجأة تذكر.

حرب مفتوحة
من السهل اختزال الحرب في السودان إلى مواجهة بين الجيش والدعم السريع، لكن المشكلة أن هذا التفسير مريح لدرجة أنه خاطئ.
هذه ليست حرباً بين قوتين فحسب، بل نتيجة نظام صُمم لتأجيل الصدام، حتى أصبح الصدام هو النتيجة الوحيدة الممكنة. حين اندلعت المواجهات، لم يدخل البرهان الحرب بخطة، بل دخلها لأنه استنفد كل الوسائل الأخرى لتجنبها.
ومنذ ذلك الحين، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، يتقدم هنا، ويتعثر هناك، ولم يحول أي مكسب إلى حسم، ليس لأنه لا يريد الانتصار، بل لأنه لا يملك الشروط التي تجعل الانتصار ممكناً.
فالجيش والقوات الموالية له التي يقودها تضم مراكز نفوذ واتجاهات متباينة، من قيادات عسكرية تقليدية، إلى شبكات مرتبطة بالنظام السابق، إضافة إلى تيارات إسلامية استعادت حضورها تدريجياً مع تصاعد الحرب.
وفي المقابل، لا يواجه البرهان خصماً قابلاً للانهيار السريع، بل قوة مرنة تمتلك مصادر تمويل متعددة، وشبكات إمداد إقليمية، وقدرة على التكيف مع حرب طويلة. لهذا تبدو الحرب أقرب إلى صراع استنزاف مفتوح، لا معركة تتجه نحو نهاية واضحة.
دور متبدل
قبل الحرب، لعب البرهان دوراً أقرب إلى الوسيط بين القوى المتنافسة. كان موقعه يقوم على منع أي طرف من الانفراد الكامل بالسلطة، وهو ما منحه هامشاً واسعاً للمناورة.
لكن الحرب غيّرت هذا الموقع جذرياً. لم يعد حكماً، بل طرفاً.
ومع ذلك، لم يتحول إلى قائد قادر على فرض نهاية حاسمة، بل إلى لاعب رئيسي داخل معادلة مفتوحة، يعتمد بقاؤه فيها على منع خصومه من تحقيق انتصار كامل.
وهنا يتضح أن التناقض في سلوكه ليس طارئاً، بل امتداد لطريقة تفكير تقوم على إبقاء كل الخيارات مفتوحة، حتى لو أدى ذلك إلى إبقاء الحرب نفسها مفتوحة.
ثمة ما يشبه “عقيدة غير معلنة” تحكم هذا النمط: عدم الحسم ليس فشلاً، بل وسيلة سيطرة.
هذا التحول يفسر كثيراً من سلوكه: يسعى إلى مكاسب ميدانية، لكنه يتحفظ على تسويات قد تفتح أسئلة أكبر، أهمها: ماذا بعد الحرب؟
منذ اندلاع الحرب، أعاد البرهان بناء شبكة تحالفاته الداخلية والخارجية، مستفيداً من دعم أطراف متباينة: عناصر من النظام السابق، فاعلين إقليميين، وقوى دولية ترى فيه شريكاً ممكناً في ظل غياب بدائل مستقرة.
لكن هذه ليست تحالفات بقدر ما هي اتفاقيات ضمنية على تجنُّب الكارثة الأكبر.
كل طرف يرى من زاويته، فبعض القوى الإقليمية تنظر إلى السودان من زاوية الأمن والبحر الأحمر، بينما تنشغل أطراف أخرى بمسألة النفوذ الاقتصادي أو احتواء الفوضى ومنع تدفقات الهجرة، وأخرى بالذهب وبقية الموارد. ولا أحد منهم، بما فيهم البرهان، يمتلك تصوراً متماسكاً للدولة نفسها. والنتيجة شبكة تحميه وتمنعه في ذات الوقت. كلما توسعت مع استمرار الحرب، أصبح اتخاذ قرار حاسم أقرب إلى تفكيكها بالكامل.

حرب الصورة
بالتوازي مع المعارك العسكرية، تُخاض حرب أخرى لا تقل أهمية: حرب على الصورة والشرعية. خلال الأيام الماضية، انتشر مقطع فيديو على نطاق واسع يُظهر البرهان وهو يقود سيارة (بوكس) تقل عدداً من الطلاب، بعد أن توقف لإيصالهم في الطريق. التفَّ الطلاب حول المركبة يلوحون له بحماس، فيما تعامل مؤيدوه مع المشهد كدليل جاهز على “تواضع القائد” وقربه من الناس.
لكن الفيديو لم يُستهلك كما أُنتج.
سرعان ما تحوّل من لحظة عاطفية إلى مادة تشكيك، زوايا تصوير متعددة، وسيارة مرافقة توثق المشهد، وتوقيت نشر متزامن مع موجة انتقادات، وسط تساؤلات عن عفوية لقطة تبدو مصقولة أكثر مما ينبغي.
غير أن أهمية المشهد لا تكمن في كونه عفوياً أو مُعدًّا، بل في ما يكشفه عن نمط حكم.
فالبرهان لا يكتفي بإدارة الحرب ميدانياً، بل يدير حضوره داخلها، فيظهر تارة كجنرال، وتارة كرجل عادي يقود مركبة، أو يشرب القهوة في الشارع. ليس لتقديم صورة متكاملة، بل لتجنُّب أي صورة ثابتة يمكن مساءلته عليها. وهنا تصبح الصورة بديلاً عن الحسم.
وحين تغيب النتائج، تُستدعى الرمزية.
لكن المشكلة أن السودانيين لا يعيشون أزمة في “تواضع القائد”، بل في غياب الدولة نفسها. لا يحتاجون إلى من يوصِل الطلاب إلى مدارسهم، بل إلى نظام لا يحوّل المدارس إلى ساحات حرب.
عند هذه النقطة، تنقلب المعادلة. فكلما زاد الاستثمار في الصورة، ازداد وضوح ما تخفيه، وهو فراغ سياسي لا يمكن ملؤه بالكاميرا.
والأهم أن هذه الازدواجية، جنرال في الحرب ورجل شارع أمام العدسة، لا تعكس مرونة سياسية، بل غياب مركز ثابت. قائد يمكن أن يكون كل شيء، لأنه لا يلتزم بشيء محدد بما يكفي.

قيود متعددة
السؤال الأهم لم يعد لماذا لم يحسم البرهان الحرب، بل ما إذا كان قادراً أصلاً على ذلك.
هناك ثلاثة قيود رئيسية تحكم هذا المشهد.
أولاً، القيد العسكري: الجيش لا يمتلك تفوقاً كاسحاً يسمح بحسم سريع، كما أن خصمه لا يبدو قريباً من الانهيار.
ثانياً، القيد السياسي: لا يمتلك البرهان قاعدة مدنية واسعة تمنحه شرعية مستقرة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب.
ثالثاً، القيد الإقليمي والدولي: الحرب السودانية لم تعد شأناً داخلياً بالكامل، بل أصبحت متشابكة مع حسابات تتعلق بالبحر الأحمر، وشبكات الذهب، والتنافس الإقليمي، وتوازنات النفوذ بين قوى متعددة.
وفي ظل هذه التعقيدات، لا يبدو أن هناك إرادة دولية حاسمة لفرض نهاية سريعة للحرب، بقدر ما توجد رغبة في منع انهيار شامل يمكن أن يهدد الاستقرار الإقليمي.
ليظل البرهان في منتصف مشهد لا يستقر بما يكفي لإزاحته. وقد يبدو سلوكه متناقضاً أحياناً: يتقدم عسكرياً في جبهة، يتراجع سياسياً في أخرى، يقترب من تسوية ثم يبتعد عنها.
لكن هذا النمط قد يعكس محاولة مستمرة للتكيف مع موازين قوى متحركة، أكثر مما يعكس استراتيجية متماسكة ذات أهداف واضحة.
فبدلاً من السعي إلى انتصار شامل قد لا يكون ممكناً، تبدو الأولوية هي منع الخصوم من تحقيق انتصار كامل ضده، والحفاظ على الحد الأدنى من التوازن داخل معسكره نفسه، ليحكم بلداً أصبح أضعف من أن يحكم. فكلما طال أمد الحرب، تآكلت مؤسسات الدولة أكثر، وتدهور الاقتصاد، وازداد تفكك النسيج الاجتماعي.
وهو منطق قريب مما يمكن وصفه بـ”الخداع الإستراتيجي”: تشتيت الخصوم، إبقاء النوايا غامضة، وتجنب أي مسار يمكن توقعه.
سلام هش
لا تنتهي كل الحروب بانتصار واضح. وفي السودان، يبدو السيناريو الأقرب ليس حسم المعركة لصالح طرف واحد، بل الوصول إلى تسوية تفرضها حالة الإنهاك المتبادل.
لكن مثل هذه التسويات تبقى هشة بطبيعتها، خصوصاً عندما تأتي بعد حرب طويلة من دون إعادة بناء حقيقية لمؤسسات الدولة أو اتفاق واسع حول شكل النظام السياسي المقبل.
في النهاية، لا يُقاس القادة فقط بقدرتهم على البقاء، بل بقدرتهم على جعل البقاء ذا معنى.
حتى الآن، يقدم البرهان نموذجاً مختلفاً، لم يخسر بما يكفي ليسقط، ولم ينتصر بما يكفي ليحكم، ولم يُنهِ الحرب بما يكفي ليُبرر استمراره.
لم يكتفِ بتحويل الغموض إلى أداة، والتناقض إلى إستراتيجية، وعدم الحسم إلى أسلوب حكم.
بل ذهب أبعد من ذلك: جعل الحرب شرطاً لبقائه، وبقاءه شرطاً لاستمرارها.
ولهذا، قد لا يكون توصيفه الأدق “جنرالاً بلا نصر”، بل قائداً أعاد تعريف اللعبة نفسها، حيث يصبح أقصى إنجاز ممكن هو أن لا ينتصر أحد.
