البرهان يطلب من السودانيين الصبر على أزماتٍ هو أحد صُنّاعها

بقلم: السفير عادل إبراهيم مصطفى 

 

بقوة عين معهودة، خرج قائد الجيش ورئيس سلطة بورتسودان الانقلابية، عبد الفتاح البرهان، مخاطباً الشعب السوداني، مطالباً إياه بالصبر على ما يواجهه من انقطاع للكهرباء، وشُحّ في الوقود، وارتفاعٍ في الأسعار، وانهيار في الخدمات. والمفارقة أن الرجل نفسه يُعد أحد أكبر المتسببين في هذه الأزمات والمحن، حين نفّذ انقلابه المشؤوم على حكومة الثورة المدنية، بهدف وأد أحلام الشعب السوداني في بناء دولة الحرية والسلام والعدالة، وإعادة النظام البائد الذي خرجت الملايين رافضة له.

لقد قاد ذلك الانقلاب إلى سلسلة من الأزمات المتلاحقة، وأدخل البلاد في حالة من الانسداد السياسي الكامل، وكانت النتيجة المباشرة لذلك اندلاع هذه الحرب المدمرة التي ما زال البرهان يصر على استمرارها، رغم ما جرّته على السودان من قتل ودمار وتشريد، وما أحدثته من انهيار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق.

يطالب البرهان السودانيين بتحمل المعاناة والصبر على ضيق العيش، بينما يتنقل هو بين السيارات والطائرات التي لم تعرف أزمة وقود يوماً، وتعيش أسرته في قصره الفاخر بالعاصمة التركية أنقرة، بعيداً عن واقع السودانيين الذين يواجهون يومياً انقطاع الخدمات الأساسية، وغلاء المعيشة، وتدهور الأوضاع الأمنية، وانعدام أبسط مقومات الحياة الكريمة.

أما المفارقة الأكبر، فقد تمثلت في حديثه عن المصائب والمؤامرات التي قال إنها تُحاك ضد الشعب السوداني، بهدف إرهابه، وتهديد أمنه المعيشي، والنيل من وحدته الوطنية. قال قائد الجيش ذلك بكل ثقة، وكأنه لم يكن هو نفسه أحد أبرز من استخدموا صناعة الأزمات خلال الفترة الانتقالية أداةً لحسم الصراع السياسي، عبر خلق السيولة الأمنية، وإحداث الندرة في السلع الأساسية، وعلى رأسها الدقيق والوقود، فضلاً عن إغلاق الميناء، في مساعٍ متواصلة لإضعاف حكومة الثورة المدنية وتقويض تجربتها.

غير أن أخطر ما ورد في حديث قائد الجيش كان إصراره المتجدد على مواصلة الحرب، تنفيذاً للرؤية التي يمكن تلخيصها في شعار: «يا سودان بفهمنا أو لا سودان» التي قالها نائبه.

كنت أتمنى لو سمّى البرهان الجهة التي قال إنها تقف خلف الأزمات والمصاعب التي يواجهها الشعب السوداني، لكنه لم يفعل. وأغلب الظن أنه لا يقصد تنظيم الإخوان المسلمين، لأنه ليس مجرد حليف لهذا التنظيم، بل جزء عضوي من بنيته ومشروعه السياسي والعقائدي. والأرجح أنه يقصد القوى المدنية التي تدعو إلى وقف الحرب، لكنه تجنب تسميتها لأنه يعلم أن اتهامها بالتسبب في هذه الأزمات لن يجد قبولًا لدى أي مراقب موضوعي. لذلك أطلق حديثه على عواهنه، كعادته، وهو أمر لم يعد يثير الدهشة لدى من تابعوا مسيرته السياسية خلال السنوات الماضية.

فالبرهان هو من وقف في مواجهة تطلعات الشعب السوداني وآماله في التحول الديمقراطي، وهو من قدّم أكبر دعم لقوات الدعم السريع خلال سنوات الشراكة بينهما، وهو من وقعت في عهده، وتحت سمعه وبصره، مجزرة فض الاعتصام بكل بشاعتها، الأمر الذي يجعله يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن تلك الجريمة.

إن إصرار البرهان على مواصلة الحرب، رغم أنها السبب الرئيسي في تفاقم الأزمات التي يطلب من الشعب الصبر عليها، يؤكد أنه لم يستوعب دروس السنوات الماضية ولم يتعلم منها شيئًا. ولو كان يمكن له أن يستوعب أو يتعلم، لكان قد استفاد من الفرصة التاريخية النادرة التي منحه إياها الشعب السوداني عندما وضعه على رأس مجلس سيادة ثورته المجيدة، ولسجل اسمه في التاريخ عبر الالتزام بالانتقال الديمقراطي وتسليم السلطة للمدنيين. لكنه اختار طريقًا آخر؛ طريق الولاء للنظام البائد ومصالحه، فضاعت الفرصة، وضاع معها الوطن في أتون الحرب والانقسام.

وخلاصة القول، البرهان ليس مجرد جزء من الأزمة السودانية، بل هو أحد تجلياتها الرئيسية. فبقاؤه في المشهد يعني استمرار التحالف العضوي بين المؤسسة العسكرية والمؤتمر الوطني. ولذلك فإن أي حديث عن إصلاح الجيش، في ظل استمرار البرهان على رأس المؤسسة العسكرية، يظل حديثًا يفتقر إلى الواقعية، ويقترب من الوهم أكثر مما يقترب من الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *