بقلم: عاطف عبد الله
عندما أتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، تَفتنني تلك المساحات العفوية التي يحررها أناس عاديون بعيداً عن صخب الإعلام الرسمي. في مجموعات “واتساب” وصفحات “فيسبوك”، ومنتديات الأندية الرياضية، لكن أكثر ما يلفت النظر الحضور الكثيف للأدعية، والمواعظ، واللوحات المزخرفة بالورود والقلوب الداعية بالفرج والرزق والستر.
لا شك أن في ذلك جانباً طيباً ومحبباً، فأن تتمنى لأخيك الخير وراحة البال هو أصلٌ أصيل، ولا إشكال في هذه المظاهر في حد ذاتها.
المفارقة تبدأ عندما نغلق شاشات هواتفنا ونخرج إلى الواقع.
هناك، في معاملات الحياة اليومية، نصطدم بقسوةٍ، وأنانيةٍ، وجشع، واستهانة بالمال العام، وتراجعٍ حاد في قيم الأمانة والإيثار. تجد من يُمطرك صباحاً برسائل تدعو للرحمة والرزق الحلال، ثم لا يتردد بعد ساعات في أكل حق غيره أو استغلال حاجته.
وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف اتسعت الفجوة إلى هذا الحد بين الخطاب الديني والسلوك اليومي؟.
لا أعمم هنا، فما يزال في مجتمعنا أناس متمسكون بفضائل الشهامة والنزاهة والتكافل بصمت، كما أن ظروف الحرب القاسية دفعت بالبعض نحو خيارات حرِجة. لكن المشكلة أعمق وأقدم من الحرب الراهنة؛ جذورها تمتد لعقود مضت حين أصاب منظومة القيم السودانية تحولٌ عميق، وتحديداً خلال سنوات حكم “الإنقاذ”. أقصد بذلك أن المجتمع السوداني عرف زمناً كانت فيه مظاهر التدين أقل حضوراً في المجال العام، بينما كانت قيم الأمانة والصدق والحياء والتكافل أكثر رسوخاً في السلوك اليومي. أما اليوم، فقد ازداد حضور المظاهر الدينية، في الوقت الذي يشعر فيه كثيرون بتراجع تلك القيم في الحياة العامة.
حين يتحول الدين من منظومة قيم إلى مجرد مظهر
لم تكن أخطر تَرِكة خلّفتها الإنقاذ هي الدمار السياسي والاقتصادي فحسب، بل ذلك التشوه العميق في الجوهر الأخلاقي.
فعندما يسيطر تيار ذو آيديولوجية دينية على السلطة والإعلام والتعليم لثلاثة عقود، فإنه يعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية: اللغة، والملبس، والمظهر، وطريقة تعريف الناس للفضيلة. شيئاً فشيئاً، طغى شكليُّ التدين على جوهره؛ طغت الرموز والشعارات الخارجية على معنى التدين، بينما تراجعت القيم الإيمانية الكبرى كالصدق، والعدل، والأمانة، وإغاثة الملهوف، والتواضع.
تحول الدين من قوة أخلاقية تهذب الضمير إلى مجموعة مظاهر وطقوس منفصلة عن الممارسة. المشكلة ليست في الشعائر ذاتها – كالصلوات والأذكار فهي أركان التجربة الإيمانية – بل في انفصال الشعيرة عن أثرها الأخلاقي، فيصبح المرء حريصاً على صورته أمام الناس، ومتهاوناً في مراعاة حقوقهم.
ولم يقتصر هذا النمط على الحياة الرقمية أو الشارع، بل امتد إلى الخطاب العام؛ فكثير من صنّاع المحتوى أو ضيوف البرامج يطيلون الاستهلال بالدعاء والحث على الصلاة على النبي قبل الدخول في موضوعات لا صلة مباشرة لها بالوعظ، حتى لو كانت عن الرياضة أو الفن أو الترفيه. وهو ما يجسد كيف تحول التعبير الديني إلى نمطٍ شكلي يُستحضر تلقائياً في كل محفل دون مراعاة لسياقه أو أثره الفعلي.
إرث الإنقاذ الأخلاقي
قدمت الإنقاذ نفسها كمشروع لإعادة صياغة المجتمع، لكنها عملياً ساهمت في تفريغ القيم من مضمونها. ففي ظل شعاراتها، تمدد التمكين، والمحسوبية، والفساد، وأُقيم الولاء مقام الكفاءة. وُضع المواطن أمام تناقض صارخ: خطابٌ يستدعي السماء، وممارسة يومية تُمعن في الأرض فساداً.
ومع طول الأمد، تسربت هذه الثقافة السلطوية إلى النسيج الاجتماعي، فنشأت حالة غير مسبوقة من كثافة التعبير الديني الشكلي، الموازية لتراجع حاد في المعايير الأخلاقية الحاكمة للسلوك.
ولا يكفي أن نملأ هواتفنا بالآيات والأدعية، إذا لم تجد تلك الكلمات طريقها من الشاشة إلى الضمير، ومن الضمير إلى السلوك.
إن إحدى أثقل تركات الإنقاذ أنها ساهمت في صناعة هذا الانفصال بين التدين باعتباره مظهراً، والدين باعتباره منظومة أخلاقية.
والتحرر من إرثها لن يكتمل بمجرد إسقاط مشروعها السياسي أو إبعاد رموزه عن السلطة، بل يتطلب أيضاً تفكيك ما تركه ذلك المشروع داخل المجتمع وداخلنا نحن أنفسنا.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الإنقاذ لم تبتكر هذه الظاهرة، لكنها عمّقتها، ومنحتها شرعية سياسية واجتماعية، ورسّخت الفصل بين الخطاب الديني والممارسة الأخلاقية من خلال تجربة الحكم نفسها.
الحرب كشفت ما تراكم
لم تخلق الحرب هذه التشوهات، لكنها كشفتها وعمّقت آثارها. رأينا أروع صور التكافل: شباباً يخاطرون بحياتهم، وتكايا تطعم الجائعين، وأسراً تقتسم اللقمة مع النازحين. ورأينا في المقابل الوجه الكالح: أفراداً، وجماعات، ومؤسسات توظِّف مأساة الناس للتكسب، وتضاعف الأسعار، وتستولي على الممتلكات.
إن معركتنا المقبلة ليست مجرد إعمار لما دمرته الحرب من بناء وبنية تحتية، بل هي بالأساس معركة لإعادة بناء الإنسان والضمير.
استعادة الذات الأخلاقية
حين ندعو لاستعادة القيم السودانية الأصيلة، لا ندعي ماضياً أسطورياً خلوياً من الأخطاء، لكننا نتذكر منظومة كانت حاضرة بقوة: “الفزع”، “النفير”، إكرام الضيف، نجدة الغريب، وعيب أكل الحرام. كان التدين الشعبي بسيطاً، متسامحاً، قريباً من القلوب؛ يتحدث عنه السلوك لا المظهر.
نحن بحاجة اليوم إلى إعادة المضمون الأخلاقي للدين، ليكون الصدق أبلغ من المظهر، والأمانة أصدق من ألف موعظة.
فلا قيمة لدعاء نتمنى فيه الرزق للآخرين إن كنا نأكل حقوقهم، ولا معنى لرسائل الرحمة إن كنا نقسو على الضعفاء. فالتحرر من تركة الإنقاذ لا يكتمل بإسقاط مشروعها السياسي فحسب، بل بتفكيك ما تركه داخل نفوسنا وسلوكنا.
فالبلد الذي نريد بناءه بعد الحرب يحتاج إلى مؤسسات جديدة، نعم، لكنه يحتاج قبل ذلك ومعه إلى قيم جديدة، أو، ربما الأدق، إلى استعادة أفضل ما كان في قيمنا: الصدق، والأمانة، والتسامح، والتكافل، واحترام الآخر، ونكران الذات.
عندها فقط يستعيد الدين رسالته الأخلاقية، وتستعيد الكلمات معناها، ويغدو الدعاء الذي نرسله للآخرين صباحاً امتداداً لما نصنعه معهم بقية النهار، لا بديلاً عنه.