تقرير خاص: (ديسمبر)
في الدول التي تخوض الحروب، حيث تتعقد عملية اتخاذ القرار الاقتصادي وتتشابك الأولويات، يبدو السودان نموذجاً لافتاً لظاهرة أصبحت البيانات الرسمية فيها أكثر وفرة من القرارات ذات الأثر الملموس. وهو ما تجسّد هذا الأسبوع حين عقد مجلس السيادة، برئاسة قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، اجتماعاً شاملاً ناقش فيه الاقتصاد وسعر الصرف والخدمات والعمليات العسكرية والحوار السياسي في جلسة واحدة، لينتهي إلى بيان مألوف استعرض فيه المجلس الأوضاع وأكد ضرورة المعالجة، واطمأن على سير العمليات، وجدد دعمه للحوار، ودعا المواطنين إلى عدم الانسياق وراء الشائعات، في قائمة أفعال طويلة ظلت القرارات القابلة للقياس أقل حضوراً فيها، ليس كملاحظة لغوية فحسب، بل كوصف لنمط إدارة أزمة أصبحت فيه الدولة تنتج بيانات التطمين بوتيرة أسرع من إنتاج سياسات اقتصادية قادرة على تغيير مسار الاقتصاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
اقتصاد الحرب
وإذا كان البيان قد ركز على استقرار سعر صرف العملات الأجنبية والحد من انعكاساته على معيشة المواطنين، فإن الأزمة لم تعد تتعلق بسعر الصرف وحده، بل بالاقتصاد الذي ينتجه في ظل حرب أعادت تشكيل قواعد النشاط الاقتصادي نفسه، بحيث لم يعد يعمل في ظروف ركود أو تضخم تقليدية يمكن للبنك المركزي التعامل معها بأدوات السياسة النقدية المعتادة.
وفي هذا الإطار المزدوج، يضع الاقتصادي وأحد أصحاب العمل أسامة سيد أحمد الأزمة حين يقول لـ(ديسمبر): «الأزمة الاقتصادية في السودان مركّبة؛ جزء منها مرتبط بالحرب وتداعياتها المباشرة على الإنتاج والاستثمار والتجارة، والجزء الآخر مرتبط بالسياسات الحكومية وإدارة الاقتصاد»، مشيراً إلى أن استمرار الحرب يمثل عائقاً رئيسياً أمام أي إصلاح اقتصادي، «لكنه لا يلغي مسؤولية السياسات الحكومية عن معالجة ما يمكن معالجته والحد من تفاقم الأزمة».
وترى الخبيرة الاقتصادية الدكتورة ماجدة مصطفى في حديثها لـ(ديسمبر)، أن الأزمة أصبحت، إلى حدٍّ كبير، أزمة حرب أكثر منها أزمة إدارة اقتصادية، إذ أدى استمرار القتال إلى تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي وتعطل النقل والتجارة وانخفاض الصادرات والإيرادات العامة واتساع الاقتصاد غير الرسمي مع النزوح، في بيئة تقلص فعالية السياسات النقدية والمالية التقليدية، لأن الضغوط على الأسعار وسعر الصرف ترتبط بانهيار الإنتاج وسلاسل الإمداد أكثر من ارتباطها بعوامل السوق المعتادة، مما يجعل أي استقرار في سعر الصرف خلال الحرب هشاً ومؤقتاً ويعتمد على إجراءات إدارية أكثر من اعتماده على تحسن حقيقي في الاقتصاد.
ويذهب المحلل الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي في حديثه لـ(ديسمبر) إلى أن الحرب لم تصنع الأزمة من الصفر، بل عمّقت اختلالات تراكمت لعقود، فاستنزفت موارد الدولة وفاقمت تراجع العملة وارتفاع التضخم والدين العام ووسعت دائرة الفقر وأضعفت الخدمات الأساسية، في سياق لا يبدو فيه تراجع قيمة العملة سبب الأزمة بقدر ما هو أحد نتائجها، ولذلك فإن استقرار سعر الصرف، على أهميته، لا يستطيع وحده أن يعكس مسار اقتصادٍ ما تزال الحرب تحدد إيقاعه اليومي.
حكومة البيانات
لكن اللافت في البيان ليس فقط ما قاله، بل الطريقة التي صِيغ بها، حيث تكاد اللغة الرسمية تتكرر في كل اجتماع: “استعرض.. أكد.. شدد.. اطمأن.. دعا”، في لغة توحي بحركة مستمرة بينما يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً بلا إجابة: ماذا تغيّر على الأرض؟.
فلم يعلن المجلس عن برنامج اقتصادي جديد، ولا عن آليات واضحة لضبط سعر الصرف، أو حماية القوة الشرائية أو تمويل العجز أو دعم الإنتاج، وهكذا تصبح البيانات نفسها جزءاً من إدارة الأزمة، لا مجرد وسيلة لشرحها، وهو ما يوضحه أسامة سيد أحمد حين يؤكد أن المستثمر لا يقيس جدية الوعود الاقتصادية من خلال الخطاب السياسي، وإنما عبر مؤشرات عملية، مبيّناً أن «سعر الصرف يظل المؤشر الأهم للحكم على الوضع الاقتصادي، لأنه يعكس الفجوة بين الصادرات والواردات، كما يعطي مؤشراً واضحاً لمعدلات التضخم ومستوى تدهور القوة الشرائية للمواطنين».
ويضيف سيد أحمد، في تحليل مفصل لأسباب تدهور العملة: «ومن وجهة نظري، فإن السبب الرئيسي لتدهور سعر الصرف في السودان هو أن العائدات المتحصلة من صادرات الذهب لا تتناسب مع الكميات المنتجة. فعلى سبيل المثال، بلغ إنتاج الذهب خلال عام 2025 نحو 70 طناً، وفقاً لما أعلنته الجهات الحكومية، بما في ذلك وزارة المعادن وبنك السودان والشركة السودانية للموارد المعدنية. وتبلغ القيمة السوقية لهذه الكمية نحو 10 مليارات دولار، وهو مبلغ يكفي ـ نظرياً ـ لتغطية فاتورة الواردات إذا تم استقطاب الجزء الأكبر من حصائل الصادرات عبر القنوات الرسمية، بما يقلل الاعتماد على السوق الموازية، ويحقق توازناً بين العرض والطلب على النقد الأجنبي، ويسهم في استقرار سعر الصرف».
غير أنه يشير في الوقت نفسه، وبصراحة تحليلية، إلى أن «الواقع يشير إلى أن الكميات التي يتم تصديرها رسمياً تتراوح بين 14 و20 طناً فقط، وهو ما يعكس، في تقديري، قصوراً في السياسات الحكومية الخاصة بتنظيم قطاع الذهب وتعظيم عائدات الصادرات»، مضيفاً أن «الوقائع تشير إلى أن جزءاً مهماً من إنتاج وتجارة الذهب يتم خارج القنوات الرسمية، وتشارك فيه جهات نظامية وغير نظامية، وهو ما يحد من قدرة الدولة على استقطاب حصائل الصادر. ولا يقتصر الأمر على الذهب، فالصادرات الأخرى، وعلى رأسها المنتجات الزراعية، تعاني من سياسات حكومية غير جاذبة، مما أدى إلى محدودية عائدات الصادرات مقارنة بحجم الإنتاج الفعلي».
ويخلص سيد أحمد إلى أن «تمويل العجز في الموازنة عبر الاستدانة من الجهاز المصرفي بمعدلات مرتفعة أدى إلى زيادة الكتلة النقدية وارتفاع معدلات التضخم بصورة كبيرة. لذلك، فإن المستثمر أو رجل الأعمال لا يقيم الوعود الاقتصادية من خلال الخطاب السياسي، وإنما من خلال مؤشرات عملية، في مقدمتها استقرار سعر الصرف، وتدفق حصائل الصادرات عبر القنوات الرسمية، وانخفاض التضخم، واستقرار السياسات المالية والنقدية، وتحسن بيئة الاستثمار».
ويرى الدكتور هيثم فتحي أن آثار الحرب تجاوزت المؤشرات المالية والنقدية إلى الاقتصاد الكلي بأكمله، بعدما تراجع الاستهلاك والاستثمار والإنفاق الحكومي والنشاط التجاري وانكمش الاقتصاد بصورة قلصت فرص التعافي، في تقاطع مع ما يطرحه الدكتور عمر العجيمي، المتخصص في قضايا الموارد والتنمية، في حديثه لـ(ديسمبر)، الذي يرى أن الدولة فقدت جزءاً مهماً من قدرتها على إدارة مواردها مع اتساع اقتصاد الحرب وصعود مصالح الفاعلين المرتبطين به، إلى جانب تنامي تهريب الذهب والمنتجات الزراعية والحيوانية، وهو ما حرم الاقتصاد من جانب معتبر من عائداته، بحيث لم تعد المشكلة، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، في تشخيص الأزمة، بل في تحويل التشخيص إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
أولويات متزاحمة
ويكشف جدول أعمال الاجتماع جانباً آخر من طبيعة المرحلة، حيث نوقشت الاقتصاد والحرب والخدمات والترتيبات الأمنية والحوار السياسي جميعها في جلسة واحدة، في مشهد قد يبدو دليلاً على شمولية الاهتمام، لكنه يعكس أيضاً واقعاً مختلفاً: حين تصبح كل الملفات أولوية في الوقت نفسه، يصبح من الصعب أن تتحول أي منها إلى أولوية تنفيذية، فالواقع لم يعد منفصلاً عن الحرب، والحرب تعيد تشكيل السياسة، والسياسة تؤجل الإصلاح الاقتصادي، بينما تصبح الخدمات العامة النتيجة المباشرة لهذه الحلقة المغلقة، بحيث لا تواجه الدولة أزمات متوازية، بل أزمة واحدة تتداخل فيها كل الملفات حتى يصعب فصل أحدها عن الآخر.
وربط مجلس السيادة الملف الاقتصادي بالحوار السوداني ـ السوداني باعتباره مدخلاً للاستقرار، وهي فكرة يصعب الاعتراض عليها من حيث المبدأ، لكن التجربة السودانية تشير إلى أن الاقتصاد ظل دائماً أول ضحايا تعثر السياسة.
وتُرجّح الدكتورة ماجدة مصطفى أن الدولة لا تزال تمتلك بعض الأدوات، مثل ترشيد الإنفاق وتحسين الإيرادات وتنظيم سوق النقد الأجنبي وتشجيع التحويلات عبر القنوات الرسمية ودعم القطاعات الإنتاجية التي ما تزال تعمل، لكنها تؤكد أن أثر هذه السياسات سيظل محدوداً ما دامت الحرب مستمرة، لأن الاقتصاد في زمن النزاعات يتحول من اقتصاد نمو إلى اقتصاد إدارة خسائر.
ويذهب الدكتور العجيمي إلى أن استقرار سعر الصرف وتحسين الأوضاع المعيشية يرتبطان في الأساس بزيادة الإنتاج وتعزيز الإيرادات العامة، غير أن استمرار الحرب يجعل الأولوية للإنفاق العسكري ويحد من قدرة الدولة على تنفيذ سياسات اقتصادية فاعلة، كما يرى أن التضخم تفاقم بفعل التوسع في طباعة النقود لتمويل الإنفاق، في وقت يفتقر فيه الاقتصاد إلى خطط واضحة ويعاني فيه البنك المركزي من ضعف الاستقلالية.
وتؤكد ماجدة مصطفى أن التعافي الحقيقي يبدأ بوقف الحرب، ثم استئناف الإنتاج الزراعي والصناعي وإعادة فتح طرق النقل والأسواق وإصلاح المالية العامة واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي وإطلاق برنامج لإعادة الإعمار، في اتفاق مع الدكتور هيثم فتحي الذي يعتبر أن الاستقرار الأمني يمثل نقطة البداية لأي تعافٍ اقتصادي، يليه إصلاح البنية التحتية وتحسين الخدمات وتعزيز الشفافية وجذب الاستثمارات وإعادة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية، بما يسمح بعودة النازحين واستعادة النشاط الاقتصادي.
ويضيف العجيمي أن الاقتصاد السوداني تحول تدريجياً إلى اقتصاد حرب تتحكم فيه شبكات ومصالح محلية وخارجية تستفيد من استمرار النزاع، وهو ما يجعل معالجة الأزمة الاقتصادية بمعزل عن إنهاء الحرب أمراً بالغ الصعوبة. ويرى أن وقف القتال لا يفتح الباب أمام إعادة الإعمار فحسب، بل يسمح أيضاً باستعادة التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، محذّراً من أن استمرار الصراع سيقود إلى مزيد من تراجع قيمة الجنيه وارتفاع التضخم وتدهور مستويات المعيشة.
وراء البيان
وليس مستغرباً أن يناقش مجلس السيادة الاقتصاد في بلد يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، لكن الاقتصاد السوداني لم يعد يعاني من نقص في التشخيص، بل من فجوة متزايدة بين ما تعرفه الدولة وما تستطيع فعله.
ويخلص أسامة سيد أحمد إلى تحذير صريح بشأن استمرار الحرب: «إذا استمرت الحرب لعام آخر، فأعتقد أننا ـ حتى في أفضل السيناريوهات ـ سنشهد مزيداً من الانهيارات في القطاعات الإنتاجية والخدمية، مع احتمال استمرار التراجع الحاد في قيمة الجنيه السوداني، الذي فقد نحو 90% من قيمته مقارنة بما كان عليه قبل الحرب»، مضيفاً: «كما أخشى من تراجع قدرة مؤسسات الدولة الرقابية على أداء دورها، واتساع نطاق الجبايات والضرائب بصورة غير مسبوقة في محاولة لتعويض تراجع الإيرادات العامة. وفي ظل هذه الظروف، سيصبح تنفيذ أي برنامج إصلاح اقتصادي أمراً بالغ الصعوبة، بينما ستتسارع هجرة رؤوس الأموال السودانية إلى دول الجوار والأسواق الأكثر استقراراً، وهو ما سيزيد من تعقيد فرص التعافي الاقتصادي حتى بعد انتهاء الحرب».
ويختتم سيد أحمد إفادته بتأكيد جوهري: «في تقديري، فإن أي حديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي يظل مرتبطاً أولاً بوقف الحرب، واستعادة الدولة السودانية لسلطتها وشرعيتها على كامل أراضي السودان، في إطار نظام شرعي يحظى بتوافق وطني. فبدون دولة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، وسيادة كاملة على الموارد والمعابر، لن يكون من الممكن استعادة ثقة المستثمرين، أو جذب رؤوس الأموال، أو تنفيذ برنامج إصلاح ذي جدوى».
ويخلص العجيمي إلى أن الدولة، في ظل الظروف الراهنة، تفتقر إلى المؤسسات والإمكانات والعلاقات الخارجية اللازمة لإنعاش الاقتصاد، الأمر الذي يجعل تحقيق التعافي مرهوناً، قبل أي شيء، بإنهاء الحرب واستعادة الاستقرار، فالبيانات الرسمية تصف الأزمة بدقة متزايدة، بينما تظل السياسات المطلوبة رهينة حرب تعيد تشكيل كل المؤشرات الاقتصادية قبل أن تصل إلى دفاتر وزارة المالية أو البنك المركزي.
ولهذا، لا ينتظر السودانيون بياناً جديداً يؤكد أهمية استقرار سعر الصرف أو يحذر من الشائعات، بقدر ما ينتظرون تغيّراً في البيئة التي تجعل كل هذه البيانات تتشابه، فطالما بقيت الحرب هي الإطار الذي يعمل داخله الاقتصاد، ستظل السياسة الاقتصادية أقرب إلى إدارة الخسائر منها إلى صناعة التعافي، وستبقى البيانات أكثر انتظاماً من التحولات التي تعد بها.