برلين: (ديسمبر)
في العشرين من مايو الماضي دافع وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن سياسة بلاده تجاه الأزمة في السودان، وعلى وجه الخصوص حول “مبادئ برلين” التي تم التوصل إليها، مؤكداً أن التعامل مع هذه الحرب لا يحتمل الشعارات العاجلة ولا الأحكام المسبقة، بل يتطلب صبراً سياسياً وعملاً إنسانياً متواصلاً ودبلوماسية قادرة على التحرك في الملفات الشائكة.
جاء ذلك في خطاب ألقاه الوزير أمام البوندستاغ (البرلمان الألماني) أوضح فيه أن مؤتمر السودان الذي استضافته برلين لم يكن مجرد خطوة رمزية بل محطة فاعلة ضمن مسار دولي انطلق من لندن ثم باريس لتواصل ألمانيا مسيرته بجمع 55 دولة حول طاولة واحدة.
وأشار الوزير إلى أن المؤتمر نجح في حشد مليار ونصف المليار يورو كمساعدات إنسانية ساهمت ألمانيا منها بـ232 مليون يورو من أموال دافعي الضرائب. وشدد على أن هذه الأموال تتجه مباشرة إلى الناس وليس إلى العناوين السياسية، إذ الهدف الأساسي هو إسناد المدنيين الذين يعيشون وطأة الحرب والجوع والنزوح والخوف.
وأكد فاديفول أن ألمانيا تتحمل مسؤولية إنسانية كونها دولة قادرة، ولأن معاناة السودانيين لا يمكن أن تظل بمنأى عن ضمير السياسة الدولية. كما ربط الوزير بين المساعدات الإنسانية والمصلحة الألمانية، مشيراً إلى أن دعم السكان في السودان والمنطقة يساعدهم على الصمود ويحد من مخاطر النزوح القسري والهجرة غير النظامية.
وحمل الخطاب رداً سياسياً واضحاً على منتقدي الحكومة، ولا سيما حزب “البديل من أجل ألمانيا”، حيث أكد الوزير أن من يطالب بالحد من الهجرة ينبغي أن يدعم المساعدات التي تمنع الناس من أن يصبحوا لاجئين من الأساس.
وعلى الصعيد السياسي أشار فاديفول إلى أن ممثلين مدنيين سودانيين توصلوا إلى تفاهم حول مبادئ التعايش السلمي واحترام التنوع العرقي والديني والمجتمعي في السودان، مضيفاً أن برلين نجحت بدعم من الأمم المتحدة في توفير مساحة حوار بين هذه الأطراف. ورأى أن ذلك لا يحسم الحرب فوراً لكنه يفتح باباً ضرورياً لأي سلام مستقبلي، مؤكداً أن “مبادئ برلين” ستشكل معياراً للحكم على سلوك الأطراف السودانية المسلحة وكذلك الدول المرتبطة بها سياسياً أو إقليمياً.
وكشف الوزير أن الملف السوداني كان محور نقاش مع وزيري خارجية تركيا والإمارات خلال زيارتيهما الأخيرتين إلى برلين، وأنه سيتم طرحه أيضاً مع نظيريه السعودي والمصري. وأضاف أن الحكومة الألمانية ستواصل هذه المشاورات بهدوء ومسؤولية بعيداً عن عدسات الكاميرات، لأن الدبلوماسية الفاعلة تحتاج أحياناً إلى أبواب مغلقة لا تصريحات صاخبة.
وفيما يتعلق بملف العقوبات شدد الوزير على ضرورة التطبيق الكامل للعقوبات الأوروبية القائمة، وأعلن أن ألمانيا ستعمل داخل الاتحاد الأوروبي على توسيع نطاقها لتشمل المتورطين في تجارة الذهب، واصفاً إياها بـ”الملف بالغ الأهمية في المنطقة”.
واختتم فاديفول رسالته بالتأكيد أن برلين لن تتراجع عن هذا المسار، وأن مؤتمر السودان في العاصمة الألمانية كان محطة جوهرية يجب البناء عليها، قائلاً: “مواصلة العمل من أجل السودان ليست خياراً سياسياً عابراً بل التزام تجاه المدنيين الذين يدفعون ثمن حرب طويلة وقاسية”.