تفكيك الصناعات الدفاعية… تحسباً للقادم
خاص- (ديسمبر)

علمت (ديسمبر) من مصادرها أن التخطيط لتفكيك منظومة الصناعات الدفاعية بدأ منذ الإطاحة بنظام المؤتمر الوطني في 2019، باعتبار أن المنظومة مؤسسة ذات أهمية بالغة لتنظيم الحركة الإسلامية، بسبب من دورها الرائد في تمويل حكم الإسلاميين من جماعة الحزب الحاكم وتثبيت أركان النظام. وعلى الرغم من أن المنظومة بدأت داخل الجيش بوحدة “الدعم الفني”، غير أن الفكرة نبعت من مهندسين مدنيين من الإسلاميين الذين تمكنوا من السلطة من خلال انقلاب عسكري في 1989.
وسرعان ما توسعت “وحدة الدعم الفني” إلى مشروع استراتيجي عرف باسم “التصنيع الحربي” في 1993، والذي وجد رعاية واهتماماً من تنظيم الحاكم والحركة الإسلامية، وتبناه الرئيس المخلوع عمر البشير شخصياً. وأبرز المهندسين الإسلاميين جمال محمد حسنين زمقان وعماد الدين حسين ومحمد الحسن أحمد وعبد الباسط حمزة. ومن المؤكد أنهم أصحاب الفكرة ومن أشرفوا على تنفيذها لاحقاً، ويعدون جميعا من أبناء التنظيم المقربين من القيادة، ولهم أدوار مفصلية في توطيد حكم الإخوان المسلمين، وخدم عدد منهم في جهاز الأمن الشعبي والذي كان يستخدم تقنيات التنصت والتتبع لكشف المعارضين للنظام.
وقال مصدر مطلع إن “التصنيع الحربي أو منظومة الصناعات الدفاعية حظيت بصرف بذخي كبير، ومنحتها الحركة الإسلامية حرية التصرف في علاقتها الخارجية، خاصة مع إيران وروسيا والدول الأخرى في الاتحاد السوفيتي”. ومضى قائلاً “إن الأموال الضخمة المخصصة للتصنيع الحربي من الميزانية العامة ومن ميزانية الجيش وصرف من الأموال المجنَّبة للبترول والذهب لاحقاً شجعها للاستثمار في مجالات عديدة ولم تكتفِ فقط بالتصنيع الحربي، لذلك كانت إمبراطورية مالية ضخمة تقدر بمليارات الدولارات”.

بعد السقوط: التقليل من المخاوف
بعد سقوط نظام المخلوع عمر البشير، أخفت الأجهزة الأمنية الشركات الخاصة بها عن الحكومة المدنية، وبالذات منظومة الصناعات الدفاعية وشركاتها، وانتهجت مسلكين بحسب المصادر؛ أولهما “تذويب شركات في القطاع الخاص والتنازل عنها لأفراد” والثاني “تقليل نشاطها في السوق”.
ولما كانت معظم شركات منظومة الصناعات الدفاعية مكشوفة، فقد تقرر تقليل النشاط، وإظهاره على أنها نشاط خاسر اقتصادياً، وبالذات النشاط المدني الاستثماري. وكانت المنظومة تتاجر في الصادرات الزراعية عبر شركات “قرين زون” والتي تقوم بزراعة محاصيل نقدية مثل القطن والسمسم، وشركة “الاتجاهات المتعددة” التي تسيطر على نسبة كبير في سوق صادر اللحوم، إلى جانب استيراد سلع رئيسية من بينها السكر والدقيق ومدخلات الكهرباء والاحتياجات الحكومية والتقاوي والأسمدة. بينما ينشط “مجمع الزرقاء” في إنتاج تكنولوجيا عسكرية ومدنية، وكذلك صادرات عسكرية متمثلة في ذخائر مدفع الهاون والآر بي جي والدوشكا والكلاشينكوف.
وبعد تشكيل الحكومة المدنية طالبت وزارة المالية أن تكون هذه الشركات تحت ولايتها، وجرى تقييمها بـ(2) مليار دولار، وعملت الأجهزة الأمنية على إخفاء معلومات مهمة تتعلق بشركات التصنيع الحربي، ودار نقاش حول تفكيكها. لكن الفكرة لم تنفذ استناداً إلى سيطرة الجيش على مقاليد الأمور وحماية منشآت التصنيع الحربي الاقتصادية، وتم التقليل من مخاوف السيطرة عليها من قبل الحكومة المدنية، وظلت منظومة الصناعات الدفاعية منظومة غامضة يعرف عنها القليل.
البرهان وميرغني إدريس وأحمد عبد الله
في شهر يونيو من عام 2023 فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على منظومة الصناعات الدفاعية. وبعد أشهر قليلة وتحديداً في يناير 2024 انتهج الاتحاد الأوروبي ذات النهج، وجاء في بيان الاتحاد الأوروبي “إن إخضاع هذه الشركات للتقييد جاء على خلفية دعمِها أنشطةً تقوض الانتقال والاستقرار السياسي في السودان”. ويكشف ذلك بوضوح دور أجهزة الجيش الاقتصادية في تقويض الانتقال ودعمها لاستمرار الحرب. غير أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكتفِ بإدراج منظومة الصناعات الدفاعية في قائمة العقوبات وأدرجت مدير منظومة الصناعات الفريق أول ميرغني إدريس سليمان ضمن قائمة العقوبات. وأشارت المصادر إلى أن ميرغني إدريس عمل بطرق مختلفة للتحايل على العقوبات، واستخدم أموالاً تتبع للمنظومة بعد إدراجها في قائمة العقوبات في شراء أسلحة ومنظومات دفاعية.
ولم يُدرَج إدريس وحده في قائمة العقوبات فقد أدرج كذلك السوداني حامل الجواز الأوكراني أحمد عبدالله إلى جانب شركته “بوتريكس تريد ليمتد”، إذ ورد في حيثيات العقوبات أن عبدالله استخدم أموالاً محظورة تتبع لمنظومة الصناعات، واقترن اسم أحمد عبدالله مع البرهان في قائمة عقوبات واحدة. وذكرت مصادر متطابقة أن عبد الله ظل سمسارًا رئيسيًا في معظم صفقات الأسلحة من قبل سقوط نظام الإسلاميين، وفي أثناء الحرب الدائرة حاليًا، التي استطاع أن ينجز فيها صفقات بملايين الدولارات، اشتملت على ذخائر وطائرات ومسيرات وقطع مدرعة ومدفعية.
وكشف مصدر عن أنه كان منسقَ جسرِ إمدادٍ جوي بين بورتسودان وبلاروسيا في الأشهر الأخيرة، وكان الاتصال بينه والبرهان وقيادات في الجيش مباشرًا، على الرغم من أن بعض الصفقات تلقى أموالها من طرف ثالث أمسك المصدر عن ذكره. ومن بين الصفقات الكبيرة التي كان طرفها عبد الله صفقة بيع ذخائر الكلاشينكوف والدوشكا المصنعة في السودان لصالح الجيش الأوكراني مقابل أسلحة متطورة ومسيرات للجيش، وفي مرات تلقى أموالاً نقدية، وهي صفقات لم يكشف عن تفاصيلها بعد وتحاط بسرية كبيرة. وعلى إثر هذه العقوبات أصبح التفكير في تفكيك منظومة الصناعات الدفاعية ملحاً.

مخاوف من السلام
“قيادات منظومة الصناعات الدفاعية على اطلاع كامل بالضغوط الدولية التي يتعرض لها البرهان لأجل إتمام اتفاق سلام”. هكذا ذكر المصدر، مشيرا إلى أن قيادات المنظومة متخوفون بشكل جدي من مرحلة سلام، لذلك شرعوا فعلياً في تفكيك المنظومة أو إخفاء أموالها وأصولها من عين الرقابة الدولية، وكذلك من الرقابة الداخلية في حال عاد المسار الديمقراطي وأقرت مراجعة شركات واستثمارات الجيش.
هونغ كونغ وعواصم أخرى
قبل أن تصدر الخزينة الأمريكية قرار العقوبات على منظومة الصناعات وقادتها، كشفت مصادر أن أحمد عبدالله السوداني الأوكراني الجنسية أسس شركات في هونغ كونغ من بينها شركة “بوتريكس تريد ليمتد”، وتم اختيار هونغ كونغ كملاذ آمن لأموال منظومة الصناعات، إلى جانب عواصم آسيوية من بينها مينسك عاصمة بيلاروسيا وباكو عاصمة آذربيجان.
وترتبط منظومة الدفاعات بشراكة استراتيجية معلنة منذ 2020 مع شركات الجيش المصري، وسبق ذلك تعاون تجاري في مجال صادرات اللحوم السودانية عبر شركة “الاتجاهات المتعددة”. ومعلوم أن شركات المنظومة واستثماراتها لا تخضع للمراقب العام في حكومة السودان، ولا تملك وزارة المالية ولاية كافية عليها الأمر الذي يجعل الاستثمارات أمراً سرياً وغامضاً وقابلاً للنهب والفساد.
تحولات كبرى
كشفت مصادر لـ(ديسمبر) أن مشاورات تجري حالياً بين قيادات القوات المسلحة ومسؤولي منظومة الصناعات الدفاعية بشأن مستقبل هذه الأخيرة، مؤكدة أن تغييرات جذرية ستتم في طريقة عمل المنظومة وفي هياكل إدارتها، وكل ذلك تحسباً للعقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة عليها، إلى جانب مخاوف من تغييرات يمكن أن تطرأ على وضع القوات المسلحة ونفوذها في الاقتصاد والسياسية.
وتشير المصادر إلى أن دوائر دولية عديدة من بينها إسرائيل تنظر إلى أموال منظومة الدفاعات على أنها أموال تتبع للحركة الإسلامية السودانية، وأن الكوادر العاملة في الشركات والمصانع إسلاميون لديهم ارتباط بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين. وسبق أن قصفت إسرائيل مصنع “اليرموك” جنوب الخرطوم، متسببة في أضرار جسيمة له، بعد أن تحصلت على معلومات بأن الإسلاميين قاموا بتصنيع أسلحة لصالح إيران وحماس، على حد زعمها.
تغييرات قادمة
ورجحت المصادر أن يتم استبعاد الفريق ميرغني إدريس وعدد من معاونيه من مواقعهم نظراً لاستحالة استمرارهم في واجهة العمل في حال توقفت الحرب.
ويبدو واضحاً أن المنظومة قد بدأت في اتخاذ خطوات عملية ترقباً لنتائج هذه المشاورات، حيث عمدت شركاتها المختلفة إلى إغلاق حساباتها الخارجية، خصوصاً حساباتها في دولة الإمارات، ونقلها إلى عدد من الدول الآسيوية من بينها تايلاند ودول أخرى، تفادياً لوضع الحكومة المدنية يدها على هذه الحسابات مستقبلاً.
ومن المعروف أن منظمات التمويل الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ظلت تطالب منذ سنوات بالحد من الأنشطة التجارية والاقتصادية لمنظومة الصناعات الدفاعية والشركات المختلفة التي تتبع لجهاز الأمن والشرطة، بالنظر إلى أنها تمارس أنشطتها بعيداً عن سيطرة الحكومة، وهناك ضبابية شديدة تحيط بعائداتها المالية من العملات الأجنبية والمحلية.
ومن المنتظر أن تصدر هذه القرارات ضمن حزمة من القرارات تشمل تغييرات في قيادة الأجهزة العسكرية والأمنية والشرطية، في ظل ضغوط إقليمية ودولية كبيرة تُمارس على الفريق أول عبد الفتاح البرهان من أجل المضي قدماً في تطبيق خارطة الطريق التي أعدتها الرباعية وتم تقديمها مؤخراً باسم المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية.