بيوت الأشباح.. بيوت سيئة السمعة

المهندس عادل سيد أحمد يروي تفاصيل اعتقاله وتعذيبه في سجون النظام الإسلامي

شيماء تاج السر، المحامية

 

 

المولد والنشأة جنوب الخرطوم

 

أنا عادل محمد سيد أحمد الحسن، والاسم المتداول ككاتب عادل سيد أحمد، من مواليد جنوب الخرطوم، من الديم ثم انتقلت إلى الكلاكلة. في بواكير حياتي لم أفارق جنوب الخرطوم، وبعد الزواج سكنت بحري. أنا مهندس بالمعاش، تفرغت للكتابة وإدارة دار أرام للنشر. أنا أب لثلاثة أبناء: ولدين وبنت. خلفيتي يسارية منذ النشأة؛ كان والدي عضوًا في الحزب الشيوعي حتى عام 1970، وتشربت بالثقافة والأدبيات اليسارية. انتميت لليسار رسميًا في 1986 للجبهة الديمقراطية للطلاب بجامعة الخرطوم، ثم انتميت للحزب الشيوعي في جامعة الخرطوم واستمررت فيه حتى وقت قريب.

 

مطحنة الملح.. البداية التي قادت إلى الاعتقال

 

اعتقلت عام 1994، وكان عمري 28 عامًا. كنت مهندسًا بلا عمل، وبلا عمل هنا مجازًا لأني كنت أدير مطحنة ملح مع والدي في الكلاكلة. تم اعتقالي بصورة مرتبطة بمظاهرة كان قد دعا إليها التجمع الديمقراطي في 25 مايو 1994. كنت مسئولًا عن ترتيبات المظاهرة في منطقة الكلاكلة القبة. وقبل يوم، مشيت واستلمت المنشورات التي خُطِّط لتوزيعها في المظاهرة، وجئت بها إلى الطاحونة. فوجئت بعد ذلك بوقت قصير بوالدي يخبرني أن أفراد الأمن داهموا الطاحونة وصادروا المنشورات وضربوا العامل ابن الجنوب، جميس، ضربًا مبرحًا وهدَّدوا والدي وقالوا له: “تعالَ إلينا غدًا”. لقد بحثت عن جيمس كثيراً بعد إطلاق سراحي وكتبت له إهداءً في كتابي (في الضواحي وطرف المداين).

 

تسليم النفس بدلاً من الاعتقال: مشهد مع الوالد

 

في صباح اليوم التالي، ذهب والدي للأمن حسب الاستدعاء، وذهبت إلى الطاحونة وقمت بأخذ بعض الملح لتوصيله لتاجر بمنطقة الشجرة ثم واصلت للخرطوم إلى مكتب زميلنا محمد عثمان عمر المحامي. نصحني الزملاء بالتعامل مع الاعتقال بحذر. بعد أن رجعت للمنزل قلت لجدتي التي كانت قلقة على والدي: “الناس ديل دايرني أنا وأبوي حيرجع بالليل لو ما رجع أنا الصباح بمشي أسلم نفسي عشان أبوي يرجع”. جاء والدي بالليل وقال: “الناس ديل دايرنك، بكرة نمشي ليهم”. في الصباح مشينا أنا ووالدي، وبعد قليل في الاستقبال أدخلوني إلى الداخل ولم أرَ والدي منذ تلك اللحظة حتى خروجي من المعتقل.

 

شمال القسم الشمالي: أولى محطات التعذيب

 

بدأ التحقيق لعدة أيام، ثم النقل والاعتقال في بيت الأشباح. هناك وجدت أربعة من الزملاء من الكلاكلة: عماد بني، الفاضل بندي، ناظم من أولاد الشجرة، ورابع نسيت اسمه. في مبنى شمال القسم الشمالي، تعرضت لتحقيق متواصل تخلله تعذيب بأشكال مختلفة، مكثت فيه ثلاثة أيام. في اليوم الرابع عصرًا، تم نقلي لرئاسة جهاز الأمن في مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة بواسطة عبدالغفار الشريف الذي كان دفعتي في الجامعة وعلى علم بنشاطي النضالي، ولذلك تمكن من أن يربط لهم الحدث بتاريخي السياسي في الجامعة. هناك استمر التحقيق لخمس ساعات.

 

بيت الأشباح: الاستقبال بالضرب والخراطيش

 

جاءت عربة بيت الأشباح وساقوني معصوب العينين. كان الاستقبال بالحفلة ضرب مبرح بخراطيش المياه السوداء وإهانات وألفاظ نابية. طلبوا منا عمل رياضة قاسية مثل “أرنب نط” والحَبْو، وكانوا يهددوننا بإدخال أرجلنا في شوال مليء بالعقارب، في الواقع كامو يجبروننا على إدخال أرجلنا في جوال مليء بورق شجر النيم، لم نكن نعرف وقتها أنه “صفق نيم أم عقارب”. اعتقالنا كان في 1994 بعد مقتل الدكتور علي فضل في 1990، مما قلل من وقع التعذيب على المعتقلين، إذ صاروا يحسبون حساباً ألا يموت أحد في أيديهم. إحدى الحيل التي مارستها عليهم أني قلت إن “بطني تاعباني، والكضبة البيضاء خففت عني التعذيب”.

 

العصافير في الزنازين

 

وصلت إلى بيت الأشباح وبدأ التعذيب من الثامنة صباحًا إلى الثامنة مساءً. طيلة الوقت وأنا أتعرض للضرب المتواصل، ثم وضعت في زنزانة رقم 12 أو 13، جوار زنزانة الشاعر محجوب شريف. أول ما دخلت الزنزانة نمت طويلاً لأني شعرت أني انتهيت من فترة التحقيق، وهي أصعب فترة. الزنزانة بلا فراش، تنام على البلاط، لا تهوية فيها؛ الشبابيك عالية وصغيرة، وكان الوقت صيفًا شديد الحرارة لدرجة أننا أصبنا جميعاً “بحمو النيل” (مرض جلدي مرتبط بالارتفاع الشديد في درجات الحرارة). كانت 18 زنزانة بشكل حدوة حصان. في قسم آخر صالتان، إحداهما اسمها “مجلس الوزراء”، كانت تأتينا منها ثلاث وجبات. الرغيف كان يُجلب كله في الصباح في كيس يُربط في الزنزانة. وكانوا يسموننا “العصافير”. مرة في عيد الأضحى أتوا بأربعة خرفان، ربطوها بالليل فباتت ثلاثة، وفي الصباح صارت اثنين، وعرفنا أن العساكر هم الذين صادروا الخرفان.

صباح العيد توقعنا أن يكون الفطور فطور عيد،المفاجأة جاءتنا الوجبة الساعة 2 ظهر عبارة عن فتة ومن فوقها عظم لكل شخص داخل الزنزانة، وفي الانفرادي صحن فتة صغير وعظمة واحدة.

 

الجلادون بين التكفير والوحشية

 

لو أهلك أتوا لك بأكل، ما كانوا يدخلونه لك بل يصادرونه. بعد أن خرجت من بيت الأشباح عرفت الأشياء التي جلبها لي أهلي من لحم ولبن مجفف وغيره. “المويه” كانت موجودة لكن ليست باردة، والشاي متوفر لكن لا قهوة. الزنازين متفاوتة المساحات؛ زنزانة تسع فرداً واحداً للحبس الانفرادي، وأخرى تتسع لأعداد كبيرة. الزنزانة 18 كانت مختصة بالأمن الاقتصادي. مسئول البيت كان ضابط صف اسمه جدو، والباقون عساكر بأسماء حركية. في كل زنزانتين أو ثلاث يوجد فرد واحد يتعامل معك بشكل جيد، والباقون خشنون جدًا. عندنا كان اسمه موسى، كان يفتح لنا باب الحمام في غير وقت الحمام ويرسل لنا رسائل. من أسماء الجلادين: عبدالرحيم، هاشم، حسن، وأبوبكر والاسم الغريب الوحيد كُبُك – وهي أسماء حركية.

 

شهاداتٌ من الجحيم

 

شهدنا في بيوت الأشباح كل أنواع التعذيب الجسدي والنفسي ومنها الضرب بالخرطوش، ومرة وضعوا المسدس في رأسي وقالوا لي “تشهَّد”، ومرة هددوني بأني لن أرى أبي مجددًا. بعد شهر ذهبوا بي إلى موقف شندي للتحقيق.. وكل تحقيق معه تعذيب. في بيت الأشباح تستمر الإهانات والاستفزازات، كانوا يضربون بالخرطوش الأسود باب الحمام على من فيه وخاصة كبار السن، وكانوا يسيئون إليهم أمامنا ولا نستطيع فعل شيء، وهذا من أقسى الأشياء. شاهدنا التعذيب على آخرين، كالطريفي الطاهر الذي كانت أرجلُه مسلوخة وملفوفة بشاش مليء بالدم. سألت سليمان خضر -رجل متقدم في السن من كوادر الحزب الشيوعي- بعد أن جاء من التحقيق: “إن شاء الله الناس دبل ما آذوك؟” ردَّ بلهجة شايقيَّة: “جروا لي خصيتي اليمنى لحدي ركبتي بالزردية”.

 

وجوه في الزنازين رفقاء العذاب

 

في اليوم الأول احتجزوني في زنزانة 12 جوار زنزانة الشاعر محجوب شريف، ثم حولوني للزنزانة 2، حيث وجدت الملازم معاش الصادق محمد علي، من ضباط جيش الأمة، وشيخ كامل من أنصار السنة، وشيخ شمس الدين، وعادل مكي من الشباب الشيوعيين. ثم نقلوني للزنزانة 5، حيث وجدت صلاح سمعريت، وعبدالفتاح الرفاعي، وياسر النعمة من شباب حزب الأمة، وعاطف الريح عضو سكرتارية الجبهة الديمقراطية. من الزنزانة 5 أطلق سراحي بعد أربعة أشهر.

 

 

كيف يكسر التعذيب الخوف؟

 

الجلادون كانوا يعتبروننا كفارًا، وتعذيبنا يدخلهم الجنة، أدمغتهم مغسولة، ويبدو كلهم عساكر ما عدا جدو. كانوا وحوشًا يتلذذون بالتعذيب. واحد اسمه حسن كان يستمتع بالإساءة ليلاً، يأتي ويطوبِر معتقلًا بعينه ويقول كلامًا فارغًا، وأنت مضطر تسمعه وترد عليه إن لم ترد سيتم إخراجك للخارج وممارسة كل أنواع التعذيب من جديد. انكسر إبهام يدي اليسرى وجُبر هناك دون علاج. إذا بلَّغت بمرضك، يذهبون بك للطبيب بعد يومين أو حسب الترتيب – هو بكون مساعد طبي أو مثل ذلك. كانوا يأتون بأكل خاص للمرضى.. صلاح سمعريت كان عنده سكري وكان يطالب بالأكل الخاص، ويهديه لكبار السن.

في حالة الاعتقالات الجماعية كانوا يعذبون الناس جماعياً؛ وممكن يأمرون أي واحد منا: “أدي التاني كف”، أو “اركب في ظهر دا”. وأتذكر في مرة أن سليمان خضر غضب غضبًا شديدًا عندما طلبوا منه ركوب ظهر زميله.

بعد ما طلعنا، قال فاضل بنده إنه في القسم الشمالي كنت أوصيه وأنا مقبل على الحيطة أن يصمد وأن وصيتي هذه منحته القوة. هناك الخوف يقل ويأتي نوع من الصمود والجسارة، وتكتشف أنهم هم الضعفاء.

 

العدالة الغائبة.. حين يصطدم الحق بالسلطة الظلامية

 

تقدمت بمعاونة الجبهة الديمقراطية ولجنة العون القانوني لمساندة ضحايا التعذيب للقضاء السوداني، وحققوا معي وسردت الوقائع وحددت المتهمين وجهزت شهودي، لكن القضية لم تمضِ لأن الإخوان مسيطرون على الأجهزة العدلية. لن تتحقق العدالة دون تنزيل كامل شعارات ثورة ديسمبر على أرض الواقع، وتحرير النيابة العامة والهيئة القضائية، لأنهم سيلجأون لأجهزة تماطل في تنفيذ العدالة. العدالة الانتقالية ممكنة، لكن القضايا تكاثرت: قضايا بيوت الأشباح، فض الاعتصام، قتل المتظاهرين، جرائم الحرب. طالما هم موجودون، فلا حل لسلسلة جرائمهم.

 

رسالة إلى العالم: وقفة ضد وهم الجنة بالتعذيب

 

تجربة بيوت الأشباح في السودان – على مرارتها وخصوصيتها وكونها دخيلة على أخلاق وعرف الشعب السوداني والتجربة السياسية – لا تنفصل عن المشروع الظلامي للجبهة الإسلامية القومية. أدعو كل شرفاء العالم من مناضلين ومناضلات أن يقفوا سدًّا منيعًا أمام الفكر الظلامي والإرهاب الديني، سواء كان حركات الإخوان المسلمين أو غيرها، ضد هذا الوهم المقدس بأن إيذاء الآخرين يدخلهم الجنة. هذه قضية إنسانية يجب أن تعلو على كل المنابر، وأن يكون اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب يومًا كبيرًا يساهم فيه الجميع.

 

لا حل دون هزيمة المشروع الظلامي

 

الجيل الجديد واعٍ ومدرك، استطاع إسقاط هذه الجبهة الإسلامية القومية وبرنامجها، لكنه نبت من جديد وتآمر على الثورة. إن ما تم في السودان 2018 هو رد على هذه التجربة الظلامية، وسيستمر لأن الإخوان أنفسهم مستمرون. بانقلاب 25 أكتوبر 2021، عاد الإخوان للخلية الأمنية وجهاز المخابرات، وعاد اعتقال المناضلين وتعذيبهم وتصفيتهم واعتبارهم كفارًا. الإخوان جسم مريض يجب استئصاله، ويجب مواصلة النضال ضدهم وضد أي نظام مماثل. الحل هو في هزيمة مشروعهم السياسي والاجتماعي والأخلاقي والديني، ولابد من إبعادهم من دوائر النفوذ في أي مكان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *