اتساع نطاق الحرب في السودان وتحولها إلى تهديد للأمن الإقليمي

حرب السودان المنسية تعيد تشكيل خرائط الأمن في القرن الأفريقي والساحل والبحر الأحمر

خاص: (ديسمبر)

لم تعد الحرب الدائرة في السودان منذ اندلاعها في أبريل 2023 مجرد صراع عسكري بين طرفين يتنازعان السلطة داخل دولة تعاني أصلاً من هشاشة بنيوية، بل تحولت تدريجياً إلى أزمة إقليمية مفتوحة تُعيد رسم خرائط الأمن في محيط السودان المباشر، وفي فضاءات أوسع تمتد إلى القرن الإفريقي والساحل والبحر الأحمر.

فمع استمرار القتال واتساع دائرة الاشتباكات وتشظي المليشيات والتحالفات التكتيكية وتراجع قدرة الدولة على ضبط الحدود وإدارة المجال العام، بات السودان مصدراً متنامياً لعدم الاستقرار يتجاوز أثره الداخل السوداني إلى دول الجوار التي وجدت نفسها أمام ضغوط إنسانية وأمنية واقتصادية متزامنة. وتُظهر التقارير الأممية أن الحرب أفضت إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، مع انتقال ملايين السودانيين إلى دول الجوار وتزايد العبء على البلدان المضيفة، في وقت تتراجع فيه الموارد وتتفاقم التحديات الأمنية على الحدود.

وفي ظل غياب تسوية سياسية جادة وتعدد مسارات الوساطة من دون اختراق حاسم، تتعزز القناعة بأن استمرار الحرب لم يعد شأناً سودانياً داخلياً، بل أصبح تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي برمته، بل وبؤرة اشتباك مفتوحة تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية، وتُعاد في محيطها صياغة موازين القوى في البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل.

 

الجوار المباشر

وفي مقدمة دول الجوار التي دفعت الثمن الأثقل، تبرز تشاد بوصفها الساحة الأكثر مباشرة لتداعيات الحرب السودانية بحكم الحدود الطويلة والتداخل القبلي والإنساني مع إقليم دارفور. فقد استقبلت تشاد أعداداً كبيرة من السودانيين الفارين من القتال، ولا سيما إلى شرق تشاد، حيث تتكدس المخيمات وتتعاظم الاحتياجات الأساسية في منطقة تعاني أصلاً من ضعف البنية التحتية وشح الموارد.

ولا يقتصر التحدي على البعد الإنساني، إذ تثير التحركات المسلحة عبر الحدود ومخاوف تسلل السلاح والجماعات المسلحة هواجس أمنية حقيقية لدى أنجمينا، التي تخشى أن تتحول حدودها الشرقية إلى ساحة خلفية لصراع لم تنجح الحرب في حبسه داخل السودان. ومع استمرار القتال في دارفور واتساع دائرة النزوح، يتزايد الضغط على الدولة التشادية في بلد يواجه أصلاً اختبارات سياسية واقتصادية وأمنية داخلية.

أما جنوب السودان، فيواجه واحدة من أكثر الحالات تعقيداً بفعل اعتماده الحيوي على السودان بوصفه ممراً رئيسياً لتصدير النفط، وهو ما يجعل أي اضطراب في الشمال السوداني ذا أثر مباشر على اقتصاده الهش. وقد انعكس النزاع على سلاسل الإمداد وحركة النقل والتصدير، بما ضاعف الضغوط على الإيرادات الحكومية وأثَّر في قدرة جوبا على تلبية احتياجاتها الداخلية.

وإلى جانب ذلك، تسببت الحرب في تدفقات بشرية عكسية شملت عودة لاجئين جنوبيين كانوا يقيمون في السودان، الأمر الذي رفع مستويات الضغط على الخدمات المحدودة في بلد يعاني أصلاً من ضعف مؤسساتي وتوترات سياسية داخلية. كما أن الحديث المتكرر عن تحركات لمجموعات مسلحة عبر الحدود السودانية الجنوبية في كلا الاتجاهين يضيف بعداً أمنياً جديداً إلى الأزمة، ويجعل جنوب السودان في موقع المتلقي لتداعيات حرب لا يملك أدوات التحكم في مسارها.

وفي مصر، اتخذت الحرب بعداً استراتيجياً عميقاً تجاوز البعد الإنساني ليصبح مسألة متصلة مباشرة بالأمن القومي؛ في ملفات الحدود الجنوبية والبحر الأحمر ومياه النيل وسد النهضة. وقد دفع ذلك القاهرة إلى الانتقال من الحياد الحذر إلى موقف أكثر تشدداً، أعلنت فيه خطوطاً حمراء رافضة تقسيم السودان أو إنشاء كيانات موازية أو انهيار مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش الوطني. وفي الوقت نفسه كثفت مصر تحركاتها الدبلوماسية لكسر الجمود في مبادرات وقف النار ودعم عملية سياسية سودانية خالصة، مؤكدة التزامها بالعمل ضمن إطار الرباعية الدولية للتوصل إلى هدنة إنسانية تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار.

وتواجه القاهرة أيضاً ضغوطاً إنسانية متصاعدة باستضافة مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين وانعكاس ذلك على البنية التحتية والخدمات. كما عززت مصر إجراءاتها الأمنية على الشريط الحدودي لمواجهة تهريب الأسلحة والمخدرات والهجرة غير الشرعية التي تضاعفت مع انهيار الضبط الأمني في الجانب السوداني، لتصبح الحرب عاملاً معقداً في العلاقات المصرية مع أطراف إقليمية أخرى، ومصدراً لتهديد متعدد الأوجه يمس المصالح الجيوسياسية المصرية.

وفي ليبيا، أضافت هشاشة الجنوب الليبي وشبكات التهريب ومنافذها الواسعة تعقيداً إضافياً للحرب السودانية. فقد نشطت حركة السلاح والبشر عبر الصحراء مع تصاعد القتال، ما عزز الفوضى في منطقة تعاني أصلاً من غياب سلطة الدولة. وازدادت الصورة تعقيداً مع سيطرة قوات الدعم السريع على الجزء السوداني من المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر، وهو ما أتاح لها خط إمداد حيوي بالأسلحة والمرتزقة من الجنوب الليبي.

في المقابل، تورطت ألوية تابعة للجيش الوطني الليبي في القتال إلى جانب الدعم السريع داخل الأراضي السودانية، ما دفع الخرطوم إلى اتهامها بتصعيد خطير، بينما نددت حكومة طرابلس بالتدخل وحذرت من زعزعة الاستقرار الإقليمي. وعلى هذا النحو تحولت الحرب السودانية إلى تهديد مباشر للأمن الوطني الليبي، مع انهيار الضبط الأمني على الحدود الجنوبية وتدفق الأسلحة والمقاتلين وتنامي شبكات تهريب البشر والمخدرات، فضلاً عن تصاعد نشاط الجماعات الإرهابية والفاعلين المرتبطين بمصالح دولية في المنطقة.

أما جمهورية إفريقيا الوسطى، فتقف في مقدمة الدول التي تعكس بوضوح طابع التمدد العابر للحدود للصراع السوداني. ففي المنطقة الشمالية الشرقية، وخصوصاً “أم دافوق”، تتقاطع طرق الأفراد والسلاح وتهريب الذهب، ما جعلها بؤرة لشبكات التهريب وتعقيد المشهد الأمني في ظل تداخل الامتدادات القبلية والعسكرية. وقد تفاقم التعقيد مع اندلاع الحرب السودانية حين أعادت جماعات مسلحة معارضة تموضعها على الحدود مستغلة الفوضى وتداخل المصالح لتعزيز نفوذها، فيما انخرطت بعض الفصائل في تحالفات تكتيكية مع أطراف خارجية. كما ألقى تدفق اللاجئين السودانيين بأعباء إضافية على بلد يعاني أزمات مزمنة، ليبدو المشهد أقرب إلى ساحة مرشحة لأن تصبح امتداداً فعلياً للصراع إذا استمر تراجع السيطرة على الحدود.

وكانت سلطات بانقي قد عقدت اتفاقاً في ديسمبر 2022 مع قائد الدعم السريع -إلى جانب فاغنر الروسية- لمعاونتها عسكرياً ضد مجموعتين معارضتين بقيادة نور الدين آدم وعلي داراسا، في مقابل السماح للدعم السريع باستغلال مناجم الذهب حول غورديل والتهريب عبر أم دافوق. وعند اندلاع الحرب، استخدم الدعم السريع أراضي أفريقيا الوسطى ممراً آمناً لمرور المرتزقة وعربان الشتات من الساحل للمشاركة في حرب السودان مع تشوين الأسلحة والعتاد بدعم من فاغنر التي دربت المقاتلين، مما كان له تأثيره المباشر في مجريات الحرب. وردت الخرطوم على ذلك بدعم الفصائل المعارضة واستضافة قياداته، حيث أقام علي داراسا في الخرطوم، بينما أقام نور الدين آدم لفترة في مدينة أم درمان تحت حماية البرهان. وبذلك تحولت العلاقة إلى مواجهة غير معلنة تضاف إليها أعباء تدفق اللاجئين السودانيين على بلد يعاني أزمات مزمنة. كل ذلك يجعل أفريقيا الوسطى ليست مجرد متضرر جانبي، بل ساحة مرشحة لأن تصبح امتداداً فعلياً للصراع إذا استمر تراجع السيطرة على الحدود.

 

زعزعة استقرار القرن الأفريقي

وفي إثيوبيا، تتقاطع تداعيات الحرب مع نزاعات قائمة أصلاً في ملفات الحدود والموارد والتوازنات الداخلية في القرن الأفريقي. فاستمرار النزاع في السودان يضعف فرص التوصل إلى ترتيبات مستقرة في المناطق المتنازع عليها، ويؤخر أي إعادة تنظيم للعلاقات الحدودية بين البلدين، بما في ذلك قضايا التماس في الفشقة وما يرافقها من توترات تاريخية، ما يرفع احتمال امتداد النزاع إلى إثيوبيا ودول الجوار. كما أن اضطراب السودان يضيف عنصراً جديداً من عدم اليقين إلى بيئة إقليمية مثقلة أصلاً بالنزاعات، ويضعف قدرة دول القرن الأفريقي على بناء مقاربات جماعية للأمن والتنمية. وعلى الأرض تتجلى التداعيات في تزايد انعدام الأمن على الحدود وموجات النزوح وتفاقم نشاط المجموعات المسلحة والتوتر حول الموارد المائية العابرة للحدود.

أما إريتريا، فتتعامل مع الحرب من زاوية مختلفة ترتبط أساساً بأمن البحر الأحمر والتوازنات الجيوسياسية على ضفتيه. فكل اضطراب في السودان ينعكس على أمن الممرات البحرية والحركة التجارية الإقليمية، ويرفع من احتمالات تنامي أنشطة التهريب والهجرة غير النظامية عبر السواحل السودانية. وفي منطقة شديدة الحساسية كهذه لم يعد التوتر السوداني محصوراً في البر، بل يمتد إلى الفضاء البحري الذي تتقاطع فيه مصالح إقليمية ودولية معقدة. ولذلك تنظر أسمرا إلى الوضع في السودان باعتباره عاملاً يمكن أن يغير توازنات أوسع في البحر الأحمر، وهو ما يفرض عليها متابعة دقيقة لتطورات الحرب وانعكاساتها على الأمن الحدودي والبحري. وعلى المستوى السياسي، أصبحت العلاقات السودانية الإريترية أكثر ارتباطاً بالاعتبارات الأمنية والتنسيق السياسي، في ظل قناعة متزايدة بأن استقرار السودان شرط من شروط استقرار المنطقة برمتها.

 

امتدادات في شرق أفريقيا

وفي كينيا، يُنظر إلى الحرب السودانية باعتبارها تهديداً إضافياً لاستقرار شرق أفريقيا، خصوصاً أن نيروبي تضطلع بدور نشط في ملفات الوساطة الإقليمية، ما يجعل أي تمدد للصراع السوداني معوقاً لمساعي تهدئة أوسع في المنطقة. فاستمرار الحرب يربك الجهود الدبلوماسية ويزيد الضغوط على منظومات التنسيق الإقليمي في شرق أفريقيا، فضلاً عن احتمال انتقال بعض آثارها غير المباشرة عبر شبكات التهريب أو الحركة غير النظامية للمسلحين واللاجئين. وقد تدهورت العلاقات الثنائية بعد اتهام الخرطوم لنيروبي بتوفير الدعم السياسي لقوات الدعم السريع واستضافة اجتماعات لتشكيل حكومة موازية، ما دفع السودان إلى فرض حظر على الواردات الكينية وإغلاق منافذه التجارية. وهكذا تحولت الحرب إلى ملف يمس أيضاً مصداقية كينيا الإقليمية، ويضعها في مواجهة مباشرة مع الخرطوم.

أما أوغندا، فتأثرت الحرب بها بصورة مباشرة باستقبال أعداد كبيرة من اللاجئين السودانيين، وهو ما ألقى بأعباء إنسانية واقتصادية ثقيلة على كمبالا. وتصاعد التوتر الدبلوماسي بين البلدين بعد استقبال الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني لقائد قوات الدعم السريع، وهو ما اعتبرته الخرطوم تطوراً خطيراً يمس سيادتها. وفي المقابل سعت أوغندا إلى الحفاظ على دورها كوسيط إقليمي عبر استقبال وفود سودانية رفيعة والبحث في سبل إنهاء الحرب، غير أن استمرار النزاع يهدد بتقويض هذه المساعي ويزيد من مخاطر انتقال الأسلحة والجماعات المسلحة عبر الحدود. وعلى المستوى الأوسع، فإن أي اختلال إضافي في السودان يؤثر في حركة النقل والتجارة بين دول شرق أفريقيا، ويضيف مزيداً من الضغط على شبكات الربط البرية والتجارية التي تمر عبر الإقليم.

 

استمرار الحرب والتنافس الإقليمي

نخلص إلى أن الحرب المنسية في السودان لم تعد مجرد أزمة داخلية قابلة للاحتواء، بل أصبحت نقطة ارتكاز لاضطراب إقليمي تتقاطع عنده الحسابات الأمنية والسياسية والإنسانية. ومن هنا تبرز الخلاصة بوصفها امتداداً طبيعياً لمسار حرب خرجت من حدودها الأولى لتعيد تشكيل المشهد في جوار السودان الأوسع. ويمثل السودان جزءاً حساساً من ممر البحر الأحمر الملاحي الأهم في العالم، ما جعله هدفاً للتنافس الإقليمي. فبعض القوى تنظر إلى ساحل البلاد الممتد على أكثر من 700 كيلومتر باعتباره ورقة استراتيجية للنفوذ البحري والعسكري. وبالطبع لا يمكن قراءة تداعيات الحرب في السودان بمعزل عن المشهد الدولي الأوسع، إذ تحولت الحرب إلى ساحة تقاطع لمصالح قوى إقليمية ودولية تتنافس على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وقد أدى هذا التشابك، إلى جانب تباين مبادرات الوساطة وضعف التنسيق الدولي، إلى إطالة أمد الحرب بدلاً من تضييقها أو احتوائها. كما أن حجم الكارثة الإنسانية، الذي يظهر في أرقام النزوح الواسعة واحتياجات اللاجئين ونداءات التمويل المتكررة، يوضح أن الأزمة تجاوزت حدود الاستجابة التقليدية، وأصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على التعامل مع نزاع يهدد الاستقرار الإقليمي بشكل متصاعد. ويمثل نزوح أكثر من أحد عشر مليون سوداني داخل البلاد وخارجها، في أكبر موجة تشريد عالمياً، كارثة استراتيجية متعددة الأوجه. فهي تفكك النسيج الحضري وتستنزف المجتمعات المضيفة وتوفر بيئة خصبة لنشاط الجماعات المسلحة وتضاعف المخاطر الأمنية التي تهدد دول الجوار بأسرها.

إن استمرار الحرب لا يعني فقط مزيداً من الدماء والتشريد للسودانيين، بل توسيعاً لدائرة الفوضى التي تطال دول الجوار. ولذلك لم يعد التعامل مع الأزمة السودانية خياراً داخلياً أو ثنائياً، بل ضرورة إقليمية ملحّة تتطلب مقاربة جماعية تتجاوز إدارة الأزمات إلى محاولة احتواء تداعياتها البنيوية قبل أن تتحول إلى حالة دائمة من عدم الاستقرار يصعب تفكيكها. ومع تصاعد رقعة القتال وتشابك الولاءات والتحالفات العسكرية وتشظي المليشيات، تتصاعد المخاوف من انزلاق البلاد نحو تمزق قبلي وجهوي يُعيد تشكيل هويتها السياسية. وهذا السيناريو الذي تتحاشى الأطراف المتصارعة الحديث حوله، يظل أخطر تهديد يواجه الأمن القومي السوداني ويقوض أسس الاستقرار في المنطقة بأسرها.

إن حرب السودان المنسية ليست عاصفة عابرة، بل زلزال سياسي وأمني يعيد تشكيل ملامح الإقليم بأكمله. وكل يوم يمضي لا يضيف إلا مزيداً من الدماء ومزيداً من التصدعات التي ستطال دول الجوار واحدة تلو الأخرى. لذلك بات على الجميع؛ سودانيين ومحيط إقليمي ومجتمع دولي، أن يستوعبوا أن وقف الحرب لم يعد خياراً أو التزاماً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة لبقاء السودان ومطلباً أمنياً استراتيجياً لحماية أمن المنطقة بأسرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *