المعادلة الزائفة (4 – 4) هل قدرنا أن نختار بين مجرمي الحرب؟

د.العبيد أحمد العبيد

 

قبل فترة، وفي نقاش خاص حول الحرب ومآلاتها، سألني أحد الأصدقاء سؤالًا بدا عمليًا ومباشرًا: هل يمكن أصلًا الوصول إلى حل في السودان من دون التعامل مع أحد طرفي الحرب، أو مع كليهما؟. أجبته بسؤال آخر: هل قدرنا، نحن السودانيين، أن نختار بين مجرمي حرب؟.

ربما كان هذا هو السؤال الذي كانت هذه السلسلة كلها تسير نحوه. ففي المقال الأول ناقشتُ المعادلة الزائفة باعتبارها خللًا يبدأ في المنطق قبل أن يمتد إلى الضمير. وفي الثاني تناولتُ تحويل التقاطع السياسي إلى تحالف، ومحاولة إلغاء المسافة بين «صمود» و«تأسيس». وفي الثالث ناقشتُ الوهم القائل إن كراهية الإسلاميين يمكن أن تجعل من حميدتي والدعم السريع و«تأسيس» حاملًا للديمقراطية وحقوق الإنسان.

لكن خلف هذه المعادلات تقف معادلة أكبر: أن السودان لم يعد أمامه سوى خيارين؛ البرهان أو حميدتي، الإسلاموعسكريون أو الدعم السريع/تأسيس. وهذه، في رأيي، هي المعادلة الزائفة الأخيرة.

ليس رفض البرهان تأييدًا لحميدتي، وليس رفض حميدتي انضمامًا إلى البرهان والإسلاميين. ورفضهما معًا ليس حيادًا. الحياد أمام الجريمة هو الامتناع عن إدانتها؛ أما إدانة الجريمة بصرف النظر عن هوية مرتكبها فهي نقيض الحياد الأخلاقي. والسؤال ليس: أي الرجلين نختار؟ بل:  كيف نبني من القوة المدنية والسياسية والاجتماعية ما يجعل السودان غير محتاج إلى أي منهما؟.

 

حصاد الفشل

 

أن يصل السودان إلى لحظة يُطلب فيها من المواطن الاختيار بين سلطتين مسلحتين ليس حادثًا بدأ في 15 أبريل 2023. إنه حصاد عقود من فشل الدولة والنخب منذ الاستقلال: الفشل في بناء مؤسسات مستقرة، وإدارة التنوع، وتوزيع السلطة والثروة بعدالة، وإخضاع السلاح للسلطة المدنية، ومعالجة مظالم الأطراف قبل أن تتحول إلى حروب، وحماية الديمقراطية من الانقلابات.

ولذلك فالبرهان وحميدتي ليسا مجرد شخصين سيئين هبطا على تاريخنا من فراغ؛ إنهما أيضًا نتاج بنية سياسية جعلت امتلاك السلاح أقصر الطرق إلى السلطة. وهنا يستعيد المرء نقد منصور خالد للنخبة السودانية و«إدمان الفشل». بعد عقود من التحذير من أمراض الدولة والنخبة، وصلنا إلى الصورة الأكثر عبثًا: أن يطالب بعض أفراد النخبة الشعب بالاختيار بين قوتين مسلحتين شاركتا في السلطة وتقويض الانتقال، ثم تحاربتا على الدولة.

ثورة ديسمبر حاولت كسر الحلقة بشعار «حرية، سلام وعدالة»، لكننا انتهينا مرة أخرى إلى شراكة مدنية عسكرية، ثم انقلاب، ثم حرب بين الشريكين العسكريين. وهكذا أصبح مطلوبًا من ضحايا المنظومة أن يختاروا أي جناح منهما يحكمهم.

 

مثقفو الحرب: حين يصبح العقل محاميًا للبندقية

 

لكن الكارثة لم يصنعها أصحاب البنادق وحدهم. فحول كل معسكر نشأت طبقة من المثقفين والكتاب والسياسيين الذين تطوعوا لتحويل الجريمة إلى حجة، والانتهاك إلى ضرورة، والدعاية إلى تحليل سياسي.

أحدهم يرى جرائم الدعم السريع بوضوح مذهل، ثم يصاب بعمى أخلاقي كامل أمام انتهاكات الجيش وحلفائه. والآخر يكتب صفحات عن جرائم الإسلاميين والجيش، ثم يبحث عن قاموس كامل من الأعذار عندما يكون الجاني من الدعم السريع. لكل معسكر ضحاياه الذين يستحقون البكاء، وجرائمه التي تستحق عند أنصاره «السياق» و«التفسير» و«الضرورة».

وهنا يبلغ الإفلاس الأخلاقي ذروته. فالمثقف ليس مطلوبًا منه أن يكون محايدًا بين الجلاد والضحية، لكنه مطالب بأن يكون منحازًا للضحية حتى عندما يكون الجلاد من معسكره. ومن يعجز عن تطبيق المعيار الأخلاقي نفسه على الجميع لا يمارس التفكير؛ إنه يمارس الدعاية والانحطاط الأخلاقي.

والأفدح أن بعض هؤلاء ليسوا ضحايا نقص المعلومات. إنهم يعرفون الوقائع، ويعرفون القانون، وبعضهم أمضى سنوات يتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. لذلك يصبح التبرير أكثر فداحة: الجهل قد يفسر الخطأ، أما تحويل المعرفة نفسها إلى أداة لتبييض الجريمة فشيء آخر. نسأل الله أن يحمينا من مثل هذه الجرثومة ومن العدوى من مرضاها.

مثل هؤلاء المسَّخفين، في رأيي، يفقدون أهليتهم الأخلاقية للعودة بعد الحرب وتقديم أنفسهم أوصياء على «السودان الجديد» وكأن شيئًا لم يحدث. لا يعني ذلك حرمانهم من حقهم كمواطنين في الكلام أو المشاركة السياسية؛ فالديمقراطية التي نطالب بها لا يمكن أن تبدأ بإقصاء الناس من حقوقهم. لكنه يعني أن من برر القتل أو انتقى الضحايا حسب المعسكر لا يملك حق ادعاء المرجعية الأخلاقية من دون مراجعة واعتراف ومساءلة.

المراجعة قبل الوصاية، والاعتراف قبل الموعظة.

 

لماذا لا يريد أمراء الحرب نهاية الحرب؟

 

بالنسبة إلى المواطن، السلام يعني النجاة والعودة إلى البيت والمدرسة والعمل. أما بالنسبة إلى شبكات تستمد سلطتها وثروتها من الحرب، فقد يعني السلام فقدان النفوذ والموارد، وربما فتح باب المساءلة.

فالطرف الذي يتوقع أن تمنحه الحرب سلطة، بينما قد يمنحه السلام محكمة، لا يملك حافز المواطن نفسه لإنهاء القتال. ولذلك لا يكفي أن نناشد المتحاربين أخلاقيًا. المطلوب تغيير اقتصاد الحرب وحسابات السلطة والإفلات من العقاب بحيث تصبح كلفة استمرار الحرب أكبر من مكاسبها.

ولكن ألا نضطر إلى التعامل معهم؟

بلى. وهنا يجب التمييز بين التفاوض مع حامل السلاح ومنحه حق تقرير مستقبل الدولة.

وقف إطلاق النار، والممرات الإنسانية، وتبادل الأسرى، وانسحاب القوات وحماية المدنيين قد تتطلب التفاوض مع أطراف متهمة بجرائم جسيمة. لكن التفاوض ليس شهادة حسن سير وسلوك.

المشكلة تبدأ عندما يتحول امتلاك السلاح من حقيقة اضطرارية يجب التعامل معها لإنهاء الحرب إلى مصدر دائم للشرعية بعدها.

والقاعدة التي أقترحها بسيطة:

يفاوض المسلحون بالقدر الضروري لإسكات البنادق؛ أما مستقبل السودان فيقرره السودانيون عبر عملية مدنية شاملة.

 

العدالة ليست ثمن السلام: درس اليمن

 

ثم تأتي المعضلة الأصعب: هل نضحي بالعدالة من أجل إنهاء الحرب؟

سيقول البعض إن الواقعية تقتضي تقديم ضمانات لقادة الحرب؛ فالرجل الذي يتوقع السجن أو المحاكمة إذا ألقى سلاحه قد يفضل القتال. ومن هذه الزاوية تبدو الحصانة أحيانًا «ثمنًا صغيرًا» لوقف الحرب. لكن تجربة اليمن تقدم تحذيرًا شديد الصلة بالسودان.

بعد انتفاضة 2011 ضد علي عبد الله صالح، انتهت المبادرة الخليجية إلى انتقال للسلطة. وفي يناير 2012 أقر اليمن قانونًا منح صالح حصانة من الملاحقة، وامتدت أحكامه بصورة واسعة إلى مسؤولين خدموا في عهده. واعتبرت منظمة العفو الدولية أن القانون شكّل، في أثره، عفوًا عن جرائم وانتهاكات جسيمة وأنه تعارض مع التزامات اليمن الدولية. خرج صالح من الرئاسة، لكنه لم يخرج من شبكات القوة التي راكمها خلال عقود. وبعد ذلك تحالفت القوات الموالية له مع الحوثيين في التقدم العسكري الذي اجتاح صنعاء وأجزاء أخرى من البلاد؛ وقد وثّقت الأمم المتحدة لاحقًا الدور الذي لعبته وحدات موالية لصالح في مساندة التوسع الحوثي.

لا يعني ذلك أن الحصانة وحدها صنعت الحرب اليمنية؛ فذلك تبسيط لتاريخ معقد من الصراعات الداخلية والتدخلات الإقليمية وضعف الدولة. لكن الدرس أوضح من أن يُهمل:

إخراج الحاكم من القصر لا يعني إخراجه من منظومة القوة.

وإذا جرى شراء خروجه بحصانة واسعة بينما يحتفظ بشبكاته ونفوذه وأدواته، فقد تتحول «التسوية الواقعية» إلى استثمار في الأزمة المقبلة.

وهذا بالضبط ما يجب أن نحذره في السودان. فالسؤال ليس فقط: هل تساعد الحصانة على إخراج قائد الحرب اليوم؟ بل: ماذا تترك له كي يعود غدًا؟.

هل يحتفظ بأمواله وشبكاته وقواته ونفوذه داخل الدولة؟ هل يحتفظ برجاله في الأجهزة والمؤسسات؟ وهل نرسل إلى كل حامل سلاح رسالة مفادها: ارتكب ما يكفي من الجرائم، واكتسب ما يكفي من القوة، ثم فاوض الدولة على حصانتك؟.

يمكن ترتيب العدالة زمنيًا. قد لا تستطيع دولة خارجة من هذه الحرب إجراء كل التحقيقات والمحاكمات في اليوم التالي لوقف النار. يمكن إعطاء الأولوية لوقف القتل، وحفظ الأدلة، وإعادة بناء القضاء، وحماية الشهود والضحايا. لكنَّ هناك فرقًا جوهريًا بين تأجيل التنفيذ وإلغاء الحق.

يجوز ترتيب العدالة، لكن لا يجوز بيعها. يجوز تأجيل بعض إجراءاتها، لكن لا يجوز دفن حق الضحايا فيها. ويجوز التفاوض لإنهاء الحرب، لكن لا ينبغي أن يتحول السلام إلى مغسلة سياسية لمن صنعوها.

والعدالة الانتقالية، بهذا المعنى، ليست عبئًا مؤجلًا يأتي بعد السلام؛ إنها جزء من هندسة السلام نفسه. لأنها تقول بوضوح إن امتلاك السلاح لا يمنح حصانة، وإن الجريمة لا تتحول إلى رأس مال سياسي كلما تضخم حجمها.

 

أين القوى المدنية؟

 

ليس كافيًا أن نقول «لا للبرهان ولا لحميدتي» إذا كان البديل المدني عشرات التنظيمات التي تستنزف طاقتها في تخوين بعضها.

الوحدة المطلوبة ليست حزبًا واحدًا ولا برنامجًا آيديولوجيًا واحدًا. إنها حد أدنى تاريخي: وقف الحرب، حماية المدنيين، سلطة مدنية، مؤسسة عسكرية وطنية مهنية خاضعة للحكم المدني، إنهاء تعدد الجيوش، العدالة، المواطنة المتساوية، ومعالجة جذور التهميش.

بعد ذلك، فليختلف السودانيون في الانتخابات كما يشاؤون.

لكن أهم شروط هذه الوحدة ألا تصبح إعادة إنتاج للمركز القديم.

 

الهامش ليس وقودًا للحرب

 

لا يجوز مطالبة دارفور وكردفان والنيل الأزرق والشرق وبقية المناطق المهمشة بتأجيل مظالمها مرة أخرى إلى «ما بعد السلام». وفي المقابل، لا يجوز تسليم تلك المظالم لأمراء حرب يحتكرون الحديث باسم أصحابها.

ليست الخيارات إما إنكار التهميش أو تسليم المهمشين لمن يحمل السلاح باسمهم. هناك طريق ثالث: الاعتراف الكامل بالمظالم التاريخية، وإدخال أصحابها الحقيقيين في صناعة الحل، مع رفض احتكار أي حركة مسلحة أو قائد عسكري لتمثيلهم.

المهمشون مواطنون، لا خزانات بشرية للجيوش.

وأي تسوية تتعامل مع قضايا الأرض، والثروة، والحكم المحلي، والفيدرالية، والعودة، والتعويض والعدالة بوصفها تفاصيل مؤجلة ستعيد ببساطة إنتاج أسباب الحرب في شكل جديد.

 

إغلاق حنفية الحرب الخارجية

 

ولا يمكن إنهاء حرب أصبحت مصالح الخارج جزءًا من اقتصادها من دون مواجهة شبكات التمويل والتسليح والتجارة غير المشروعة التي تطيل أمدها. لكن الرد ليس البحث عن راعٍ خارجي أفضل، ولا استبدال ارتهان بارتهان.

المطلوب موقف سوداني يقول للجميع: ساعدونا على إنهاء الحرب، لا على اختيار المنتصر فيها. ادعموا الدولة، لا الوكلاء. واضغطوا لوقف نزيف الموارد والشبكات التي تجعل استمرار الحرب مشروعًا مربحًا.

السيادة لا تعني رفض العالم، لكنها تعني ألا يصبح مستقبل السودان نتيجة لمعادلة مصالح الآخرين.

كيف نبدأ؟

البداية الممكنة هي رفض الثنائية نفسها.

لا شرعية سياسية دائمة تُكتسب بالسلاح.

نحتاج إلى جبهة مدنية واسعة حول الحد الأدنى، وإلى وقف للحرب قابل للرصد والتحقق، مع فصل مسار إنهاء القتال عن مسار توزيع السلطة.

نحتاج إلى عدالة لا تتحول إلى سلعة تفاوض، وإلى وضع مظالم الهامش في صميم التسوية، وتجفيف اقتصاد الحرب، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية واحدة تحت سلطة مدنية.

ونحتاج كذلك إلى المساءلة الفكرية.

كما ينبغي أن يُسأل العسكري عما فعله بسلاحه، ينبغي أن يُسأل السياسي والمثقف عما فعله بكلمته. ليس للمساواة بين الرصاصة والكلمة، بل لأن إعادة بناء المجال العام تستحيل إذا عاد مبررو الحرب غدًا إلى المنابر بالوجوه نفسها واليقين نفسه ليعطونا محاضرة جديدة في الأخلاق والديمقراطية.

من يريد المشاركة في بناء السودان الجديد مرحَّب به كمواطن. لكن من يريد قيادته أخلاقيًا بعد أن برر قتل مواطنيه فعليه أولًا أن يواجه سجله.

 

الخاتمة: المعادلة الزائفة الأخيرة

 

بدأت هذه السلسلة بسؤال عن المنطق، وتنتهي بسؤال عن المصير.

قلت في الأولى إن المعادلة الزائفة تبدأ حين نمحو الفروق التي لا تناسب حجتنا. وفي الثانية إن التقاطع ليس تحالفًا. وفي الثالثة إن كراهية مجرم لا تجعل عدوه ديمقراطيًا.

وفي الأخيرة أقول:

وجود مجرمين مسلحين لا يجعل الاختيار بينهما قدرًا.

قد نضطر إلى التفاوض معهما، وقد تفرض موازين القوة التعامل مع واقع صنعاه بالسلاح. لكن لا ينبغي أن يتحول اضطرارنا إلى التعامل معهما اليوم إلى حق لهما في حكمنا غدًا.

ولا ينبغي، بالقدر نفسه، أن يتحول المثقفون الذين منحوا أيًا من المعسكرين غطاءه الأخلاقي إلى مهندسي الجمهورية المقبلة من دون مراجعة أو اعتذار أو مساءلة.

لقد جرّب السودان طويلًا الجنرال المنقذ، حتى وصل إلى النسخة الأكثر مأساوية: جنرالان، جيشان، دولتان محتمَلتان، ووطن واحد يدفع الثمن.

ربما تكون المهمة التاريخية لجيلنا أبسط من بناء المدينة الفاضلة، لكنها أكثر إلحاحًا:

أن نجعل هذه آخر مرة يُطلب فيها من السوداني أن يختار أي بندقية ستحكمه.

لا نريد سلامًا ينسى الضحايا، ولا عدالة تتجاهل ضرورة وقف الموت. لا نريد مركزًا يعيد إنتاج التهميش، ولا أمير حرب يحتكر الحديث باسم المهمشين. لا دولة الإسلاميين القديمة، ولا دولة الميليشيا الجديدة.

نريد دولة يكون فيها السلاح تابعًا للقانون، والقانون حارسًا للحق، والحكومة خادمة لإرادة المواطن.

عندها فقط تنكسر المعادلة الزائفة الأخيرة.

فالسؤال لم يكن:

أي مجرم حرب نختار؟

السؤال الذي كان ينبغي أن نسأله منذ البداية هو:

كيف نبني السودان الذي لا يستطيع فيه مجرم حرب أن يجعل نفسه خيارًا أصلًا؟

وهنا تنتهي «المعادلة الزائفة».

حرية سلام وعدالة. الجيش للثكنات والجنجويد ينحل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *