العمل الطوعي: تحوّل الفقر إلى قوة

العمل الطوعي: تحوّل الفقر إلى قوة

أماني أبو سليم

 

هناك أوقات مفصلية في تاريخ الشعوب لا تقاس بحجم الخسائر فقط، بل بالقدرة على التماسك. في السودان تقاطعت الحرب مع الفقر والنزوح، لتخلق واقعاً مأساوياً صار فيه العمل الطوعي ضرورة وجودية.

في السودان، طوال العقود الفائتة، انتشر الفقر والحاجة للإطعام ولمصدر مياه نظيفة وعون صحي، لم يكن ذلك لخلل اقتصادي فقط، بل لإنهاك الناس ليبقوا في دائرة مستمرة لتأمين أساسيات الحياة.

نشط العمل الطوعي في السودان بصورة ملحوظة منذ بداية الألفية الثانية، وتزايد بعدها بوتيرة عالية، لم يعد في تزايده يسد الرمق ويخدم فقط، بل يخفف من وطأة تلك الدائرة، يمنح الناس فرصةً لالتقاط الأنفاس، ليفكروا ويخططوا وربما يحلموا قليلاً.

بل يمكن القول إن هذا النوع من العمل قلب محنة الإفقار والذل إلى فرصة للقوة عبر السند والتكاتف. ما كان وسيلة إضعاف، أصبح بوعي مساحة للتضامن. وما كان أداةً لإشغال الناس بلقمة العيش، صار دافعاً ليجتمعوا.

العمل الطوعي، حين يكون منظماً ومسؤولاً، يفعل أكثر من توزيع الطعام أو حفر آبار، إنه يعيد بناء الثقة؛ الثقة بين المانح والمستفيد، الثقة بين الفرد ومجتمعه. المستفيد لا يتلقى مساعدة فقط، إنه يتلقى رسالة تقول إن المجتمع يراه، يحس بمعاناته، ويحترم إنسانيته. هذا الشعور لا يقل أهمية عن الطعام أو الماء أو الدواء.

وفي الجهة الأخرى، يكتشف المتبرع، أنه ليس عاجزاً أمام ما يراه من قسوة الفقر والحاجة، بل إنه جزء من الحل، بدلاً مجرد مشاهد. حتى متبرعي المبالغ الصغيرة، تعيد عندهم الثقة وإحساس إمكانية السيطرة على فقرٍ متزايد. يمكن اعتبار ذلك تبادلاً للقوة أكثر منه إحساناً من طرف إلى طرف.

يحضرني هنا مثال منظمة صدقات الخيرية التي بدأت في مطلع الألفينات، حين بدأت مبادرةً صغيرة من مجموعة أصدقاء. تحولت الفكرة إلى مؤسسة بهياكل واضحة وشبكة متطوعين، شراكات داخل السودان وخارجه.

نجاح صدقات في توسيع عملياتها، وبناء شراكات مع جهات مثل يونيسف وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إضافة إلى دعم كيانات المغتربين مثل صدقات أمريكا وصدقات كندا وصدقات بريطانيا يوضح أن العمل الطوعي مثله مثل الاعمال لابدّ أن يُدار باحتراف، لأن ذلك يرفعه من مبادرة محلية إلى شبكة تضامن عابرة للحدود إلى أي مكان يوجد به سوداني يشعر بالمسؤولية تجاه وضع بلاده وأهلها.

إن غياب الدولة عن أهم أدوارها كشف عن قوة كامنة في المجتمع، فتقدُّم المواطنين لسد ما عجزت عنه المؤسسات، لا يعالج أزمةً فقط، بل يجعلهم يخوضون كيف تدار الموارد وكيف تصاغ الشراكات، كيف تُبنى الإدارة، هل يمكن اعتبار ذلك خبرةً جماعية في صناعة الدولة من الأسفل؟.

العمل الطوعي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة، لكن يمكن أن يكون تمريناً لصناعة الدولة المطلوبة. المجتمع الذي تعلم أن ينظم نفسه في أوقات الشدة، يعرف ما يريده ويطالب به ويبنيه من مؤسسات تُبنى على الكفاءة والمسؤولية واحترام الإنسان.

 

في النهاية، القصة ليست في كم المشاريع أو حجم الميزانية، رغم أهميتهما. القصة في الأثر: أمٌّ اطمأنت، طفلٌ توَفّر على فرصة مواصلة تعليمه، مريضٌ وجد الدواء، قريةٌ أصبح لديها مصدر ماء، شابٌ اكتشف إمكانياته في المساهمة في الحل.

 

في بلد أنهكته الظروف كالسودان، قد يعيد العمل الطوعي تعريف معنى المجتمع: أنه بإمكاننا معاً أن نحول المحنة إلى قوة، وغياب الدولة إلى بداية جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *