السودان الذي نريد
لم يصبر قائد الجيش، الفريق عبد الفتاح البرهان، أكثر من أسبوع واحد على عرضه الحوار ومنح الحصانات المؤقتة للمشاركين فيه، حتى عاد من جديد لخطابه المعتاد والذي يؤكد فيه مضيَّه في طريق الحسم العسكري إلى نهايته، وتهديد القوى المدنية بأن لا مكان لهم في السودان مرة أخرى.
صحيح أن القوى المدنية رفضت هذه الدعوة، لكن ما أثار غضب البرهان هو أن الرفض جاء هذه المرة من جبهة واسعة من القوى المدنية الرافضة للحرب، وأنها قدمت، عبر بيان “السلام الذي نريد” وبشكل مفصّل، أسباب رفضها للدعوة، وطرحت بدائلها لوقف الحرب والحفاظ على وحدة السودان وإيصال المساعدات الإنسانية والحوار السياسي بقيادة مدنية، والذي يقود إلى عودة الانتقال الديمقراطي والحكم المدني.
لذا لم يكن أمام الفريق البرهان من خيار في هذا الخطاب سوى أن يستعيد كل “ميراث” رئيس النظام المباد؛ عمر البشير، من الحديث عن عدم الاكتراث للعقوبات الدولية وتحدي القوى الدولية الساعية لفرض هيمنتها على السودان وتفكيك جيشه.
وليس غريباً أن “يجتر” الفريق البرهان خطاب سلفه المخلوع، لأنه يسير اليوم في نفس طريقه ويستلهم ذات خطواته، سواء أكان ذلك في طموحه للاستفراد بالسلطة، أو حتى في إعادة تدوير الوسائل التي جرّب فشلها مثل “حوار الوثبة” لتثبيت نظامه.
والملفت، أن قائد الجيش بدلاً من أن يوجِّه سهامه إلى الولايات المتحدة التي طرحت مشروع توسيع حظر توريد السلاح ومنع الطيران والمسيرات ليشمل كل السودان بدلاً عن حصره في إقليم دارفور، شنَّ هجومه على القوى المدنية، متبنياً ذات نهج الحركة الإسلامية وفلول النظام المباد في عدائهم لقوى ثورة ديسمبر التي أطاحت بسلطتهم.
ومن الواضح أن قائد الجيش، وبرغم حديثه عن استثناء المؤتمر الوطني من حواره السياسي، إلا أن محكمته الدستورية برئاسة محمد مختار وهبي بدأت في دراسة الطعون المقدمة من المخلوع وأركان نظامه في مواجهة الأحكام التي صدرت والقضايا المرفوعة ضدهم خلال الفترة الانتقالية.
كل هذه المؤشرات تؤكد صحة موقف القوى المدنية الرافض لحوار البرهان، لأنها تكشف عن نواياه الحقيقية في إعادة إنتاج النظام السابق بهياكله وتنظيماته، مع تغيير في الرموز عبر الاستعانة بكوادر الصف الثاني، وعلى ذات النهج الذي سار عليه منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021.
وحق على البرهان أن يعيد البصر مرتين، وهو يمضي في هذا الطريق لأن مصير المخلوع ونظامه ليس المثال الذي يُحتذى، وأن الشعب السوداني وقواه الحية الذي أشعل ثورة ديسمبر وأطاح بالنظام المباد قادر أن يكرر ذلك، وفي تاريخ السودان الحديث أمثلة ساطعة في أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وأبريل 2019.
السودان الذي نريد هو سودان “السلام الذي نريد” الذي رسمت ملامحه مخرجات اجتماع أديس أبابا للقوى المناهضة للحرب، بأن يكون هدف أي عملية للسلام هو وقف الحرب وإنهاء الكارثة الإنسانية ومخاطبة جذور الأزمة السودانية والحفاظ على وحدة السودان، وعبر ثلاث مسارات متزامنة: مسار الأزمة الإنسانية، مسار وقف إطلاق النار والمسار السياسي.
ويتطلب ذلك تطبيق إجراءات تهيئة المناخ كشرط ضروري لبدء العملية السياسية، على أن تعكس الأطراف المشاركة فيها الواقع السوداني بعيداً عن الإغراق أو السيطرة من أطراف الحرب.
وتضع عملية السلام حلولاً نهائية لقضايا نظام الحكم، علاقة الدين بالدولة، الهوية والمواطنة المتساوية، تفكيك التمكين، إنهاء اختطاف الدولة، بناء جيش وطني مهني موحد، العدالة وإنهاء الإفلات من العقاب، حقوق النازحين واللاجئين والأرض، إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، تأهيل الخدمات الأساسية وفي مقدمتها الصحة والتعليم، هياكل ومستويات ومدة الفترة الانتقالية، مبادئ الدستور وصناعته والنظام الانتخابي، ودور النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة في صناعة القرار وعبر مخرجات ملزمة وواضحة.
لا للحرب.