عاد من المنفى ليقف حيث رفض أن يقف أحد

الحارث إدريس.. من معارض للعسكر إلى مُعيد تسمية الانقلاب

بروفايل: (ديسمبر)

 

جلس في مقعد السودان أمام مجلس الأمن، بالبدلة الرسمية التي يرتديها المندوب الدائم حين يتحدث باسم دولته. جاء صوته هادئاً ومستقراً، فيما حمل إلى المجلس رواية مختلفة لحدث يعرفه كل سوداني باسمه منذ خمس سنوات: 25 أكتوبر 2021. بجملة واحدة، أزاح عن القوات المسلحة صفة «الانقلاب»، ووضع مكانها عبارة أكثر ليونة: «ملء الفراغ».

ولو أن هناك من يملك الحق في مساءلة هذه الجملة قبل غيره، لكان الحارث إدريس نفسه؛ قبل خمس سنوات، أو قبل ثلاثين عاماً.

فالرجل الذي يقف اليوم أمام العالم مدافعاً عن رواية «الفراغ» هو ذاته الذي كتب في أبريل 2019، وسط زخم الثورة السودانية، أن المرحلة الانتقالية لا يمكن أن تُدار بمجلس عسكري، وأن تشكيل حكومة مدنية هو الضمانة الوحيدة لدولة مدنية مرتقبة. هو نفسه الذي قضى اثنين وثلاثين عاماً في لندن رافضاً التعامل مع نظام عمر البشير، تاركاً منصبه الدبلوماسي في أثينا فور وقوع انقلاب 30 يونيو 1989 لينضم إلى صفوف المعارضة بدلاً من أن يخدم الانقلاب الجديد.

وبين هاتين اللحظتين — رفضٌ قاطع لكل مجلس عسكري في 1989 و2019، ودفاعٌ متأنٍّ عن مجلس عسكري في 2026 — تكمن قصة الحارث الحقيقية: تغيّرٌ واضح في الموقع الذي يتحدث منه، وتبقى القناعة نفسها موضع اختبار. ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن لأي بروفايل أن يتجاوزه: هل تغيّرت قناعة الحارث، أم تغيّر الموقع الذي يتحدث منه؟

 

التأسيس السياسي

 

وبحسب الحقوقي نزار عبد القادر نشأ الحارث إدريس الحارث محمد، الذي تعود أصول أسرته إلى محلية المالحة في شمال دارفور، في منطقة أبوضلوع شرق الجبلين بولاية النيل الأبيض. وهناك، في بيئة ارتبطت بحزب الأمة وكيان الأنصار، تشكّل وعيه السياسي الأول: وعيٌ قام على الديمقراطية والشرعية الدستورية ورفض الحكم العسكري ونظام الحزب الواحد، في مدرسة كان الإمام الصادق المهدي عمودها الفقري.

ومن هناك انتقل إلى كلية القانون بجامعة الخرطوم في نهاية السبعينيات، ضمن دفعة ضمّت لاحقاً أسماء صارت من كبار رجال القانون والدبلوماسية السودانية. والتحق بوزارة الخارجية سكرتيراً ثالثاً عام 1982، وتنقّل بين كنشاسا وأثينا، قبل أن يضعه انقلاب 30 يونيو 1989 أمام خياره الأول: البقاء في السلك الدبلوماسي لنظام جديد، أو المغادرة. اختار لندن.

كانت سنوات لندن امتداداً لمعارضة سياسية نشطة استمرت أكثر من ثلاثة عقود، عبر حزب الأمة والندوات والمظاهرات المناهضة لحكم الإنقاذ. وحين اندلعت ثورة ديسمبر 2018، كشفت كتاباته المنشورة بوضوح موقعه السياسي: ففي أبريل 2019 دعا إلى إسقاط ما وصفه بـ«الانقلاب المصري-السعودي»، وطالب السودانيين في المهاجر بمخاطبة حكوماتهم لعدم الاعتراف بأي مجلس عسكري. وفي أغسطس من العام نفسه، بعد سقوط البشير، كتب مهنئاً وطنه بـ«العودة لتنسُّم عبق المدنية».

تحمل هذه العبارات موقفاً سياسياً واضحاً من علاقة الجيش بالسلطة الانتقالية، سطّره الحارث بيده قبل أقل من خمس سنوات من وقوفه في مجلس الأمن ليقدّم رواية معاكسة تماماً.

 

لحظة التحول

 

مع سقوط البشير، أنصفت “اللجنة العليا للنظر في قضايا المفصولين تعسفياً من الخدمة المدنية القومية” التي شكلتها الحكومة الانتقالية برئاسة عبدالله حمدوك، الحارث في إطار معالجة أوضاع الدبلوماسيين المفصولين، وعاد إلى الخرطوم بدرجة سفير بعد أن احتسبت سنوات فصله كسنوات خدمة فعلية وألحق بدفعته.

لكن الانتقال الحقيقي في موقفه لم يحدث في تلك اللحظة، بل بعدها بعامين. فحين أصدرت اللجنة التنسيقية للسفراء والدبلوماسيين السودانيين بياناً يرفض قرارات 25 أكتوبر 2021 — من تشكيل مجلس السيادة إلى اعتقال رئيس الوزراء عبدالله حمدوك — لم يكن اسم الحارث بين الموقِّعين، وتعلل حينها بأسباب خاصة لعدم التوقيع، قبل أن يتابعه الجميع على شاشات التلفزة وهو يودع قائد الجيش شادّاً الرحال إلى نيويورك مندوباً دائماً للسودان بالأمم المتحدة، وهو الموقع الذي رُشِّح له خلال تولي الدكتورة مريم الصادق المهدي منصب وزيرة الخارجية في الحكومة الانتقالية.

عدم التوقيع وحده لا يعني تأييد الانقلاب. لكنه، بالنظر إلى ما سبقه من كتابات وما تلاه من خطاب، يبدو اليوم أشبه بنقطة انعطاف صامتة لم يلتفت إليها كثيرون في حينها. وهكذا انتقل الحارث إدريس من موقع المعارض والمناضل من أجل الديمقراطية والحكم المدني في لندن، إلى موقع الناطق الرسمي باسم حكومة الانقلاب في نيويورك.

 

إعادة التاريخ

 

في 24 أغسطس 2026، أمام مجلس الأمن، قال الحارث إن القوات المسلحة «لم تأتِ إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، وإنما تحركت لملء الفراغ الذي نشأ بعد أن قدّمت الحكومة المدنية استقالتها». الجملة قصيرة، لكنها لا تناقش فقط أسباب ما جرى في 25 أكتوبر، بل تعيد تعريف الحدث نفسه من أساسه.

والمشكلة، كما يوضح التسلسل الزمني الموثّق، أن الوقائع لا تسند هذا الترتيب. فحمدوك كان لا يزال رئيساً للوزراء يوم 25 أكتوبر 2021، حين اعتُقل مع عدد من وزرائه، وأُعلنت حالة الطوارئ، وحُلّ مجلسا السيادة والوزراء، وعُلّقت مواد من الوثيقة الدستورية. وفي اليوم نفسه وصف الأمين العام للأمم المتحدة ما جرى بأنه انقلاب عسكري، وتبعه مجلس الأمن بعد أيام بوصفه استيلاءً عسكرياً على السلطة. أما استقالة حمدوك فلم تأتِ إلا في 2 يناير 2022، أي بعد أكثر من شهرين، وبعد أن كان قد عاد فعلياً إلى منصبه بموجب اتفاق 21 نوفمبر.

وبعبارة أخرى: كيف يكون حدثٌ وقع في يناير سبباً لحدثٍ وقع في أكتوبر؟ هذا هو جوهر ما أثاره رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير في مقاله بتاريخ 25 أغسطس 2026، حين اعتبر أن الحارث لم يقدّم «تفسيراً سياسياً مختلفاً» بقدر ما أعاد ترتيب التاريخ القريب بحيث تتحوّل استقالة لاحقة إلى سبب سابق للتدخل العسكري.

وفي قراءة موازية للجدل، رأى المحلل السياسي سيد الطيب أن المعركة لا تُختزل في سؤال «هل كانت هناك حكومة بعد 25 أكتوبر أم لا؟»، فوجود حكومة حمدوك بعد اتفاق نوفمبر يمكن أن يكون موضوع نقاش سياسي مشروع، لكن ذلك لا يحسم السؤال الأسبق: ماذا حدث في 25 أكتوبر نفسه؟ وهنا يلتقي، من زاوية مختلفة، مع جوهر ما ذهب إليه الدقير: التسلسل الزمني الأساسي لا يتغيّر مهما اختلف تقييم الأطراف لحكومة حمدوك ولما تلاها.

وحتى لو سُلِّم جدلاً بمقدمة خطاب «ملء الفراغ»، يبقى سؤال قانوني معلّق: هل كانت استقالة رئيس الوزراء — لو وقعت فعلاً في أكتوبر — تعني تلقائياً تخويل القوات المسلحة تولي السلطة السياسية؟. الوثيقة الدستورية التي حكمت الفترة الانتقالية كانت تنص على آلية محددة لملء منصب رئيس الوزراء الشاغر، ما يعني أن خُلُوَّ المنصب لا يساوي خلوَّ الدولة من الدستور. وهذا يفصل بوضوح بين الدفاع عن مؤسسة الجيش، وهو حق مشروع لأي مسؤول رسمي، ومنح تلك المؤسسة أساساً دستورياً لم يكن قائماً لتولّي الحكم.

 

جوهر التناقض

 

في نهاية المطاف، تُحسم رواية الحارث بالعودة إلى التقويم والوقائع الموثقة: كان حمدوك رئيساً للوزراء في 25 أكتوبر، وفي اليوم نفسه جرت الاعتقالات وحُلّت مؤسسات الدولة، ثم عاد إلى المنصب في 21 نوفمبر بموجب اتفاق سياسي، قبل أن يستقيل في 2 يناير. هذا هو التسلسل الزمني الذي يمكن اختبار الرواية على أساسه، بعيداً عن الاصطفاف السياسي مع الجيش أو ضده، وبعيداً عن تبرئة حكومة حمدوك أو إدانتها.

بالتحديد هنا يصبح مسار الحارث أكثر لفتاً من مسار مسؤول آخر يكرر الرواية نفسها. في بداياته السياسية، عارض انقلاب 1989، ورفض علناً أي مجلس عسكري في 2019، واحتفى بعودة «عبق المدنية». لذلك يكتسب موقفه الحالي ثقله من المسافة التي تفصله عن مواقفه السابقة.

 

فكيف انتقل الرجل الذي كتب قبل سبع سنوات أن «المرحلة الانتقالية لا يمكن أن تُدار بمجلس عسكري» إلى الوقوف أمام العالم ليقدّم رواية مختلفة عن المجلس نفسه؟، وما الذي ترويه المسافة بين المعارض في لندن والمندوب في نيويورك: تحولاً في القناعة، أم تحولاً في الموقع؟.

يبقى السؤال مفتوحاً في سيرة الحارث إدريس. أما «ملء الفراغ»، فتظل رواية تحتاج إلى أن تُختبر أمام هذا التاريخ.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *