الشاهد الرقمي

“ديسمبر” تحاور ناثانييل ريموند حول توثيق جرائم الحرب في السودان

حرب السودان لم تعد شأناً محلياً.. إنها فشل دولي

خاص: (ديسمبر)

 

أجرت “ديسمبر” هذا الحوار الحصري مع ناثانيل ريموند، المدير التنفيذي المؤسس لمختبر البحوث الإنسانية والباحث في كلية الصحة العامة بجامعة ييل، حول الحرب في السودان وتوثيق الجرائم الجماعية من الفضاء، والمساءلة الجنائية والإخفاقات الدبلوماسية التي سمحت بوقوع المجازر في الفاشر.

ناثانيل ريموند، محقق في جرائم الحرب وبخبرة ميدانية في مجال العمل الانساني تمتد 27 عاماً عبر أفغانستان وجنوب السودان وإثيوبيا وسريلانكا والشرق الأوسط. قاد مختبر البحوث الإنسانية في توثيق حرب السودان منذ أبريل 2023 باستخدام صور الأقمار الصناعية وتحليل الندوب الحرارية والاستخبارات المفتوحة، وأنتج المختبر أكثر من 60 تقريراً حول الحرب الدائرة في السودان.

في 23 يونيو 2026، أدلى ريموند بشهادته أمام لجنة التنمية الدولية في البرلمان البريطاني، أبرز خلالها ثلاث سنوات من الاتصالات المشفرة ومحاضر الاجتماعات الداخلية والمذكرات وسجلات المكالمات بين المختبر ومكتب الخارجية والكومنولث والتنمية البريطاني. تلك الشهادة – التي اتهم فيها بريطانيا بتقديم مصالحها مع الإمارات على منع مجزرة الفاشر في أكتوبر 2025 – أحدثت صدمة في الأوساط السياسية البريطانية، ودفعت رئيس اللجنة إلى توجيه خطاب رسمي إلى وزير في الخارجية.

 

من الفضاء إلى قاعة المحكمة: كيف تُوثَق الجرائم؟

(ديسمبر): قلتم إن صور الأقمار الصناعية والمعلومات المفتوحة يمكن تحويلها إلى أدلة تُستخدم في المحاكم. اشرح لنا هذه المنهجية؟.

 

ريموند: نستخدم التصوير القياسي (فوتوغرامتري) – وهو العلم نفسه الذي استُخدم في المراقبة الجوية منذ الحرب العالمية الأولى – لإنشاء قياسات مقارنة بدقة مختلفة. كما نستخدم كشف التغير عبر الزمن، بامتلاك صور متعددة لموضع واحد، ونستخدم كذلك بيانات الشذوذ الحراري والرادار والبيانات الهيدرولوجية والنباتية. كل هذا يُدمج مع معلومات أرضية عبر نظام ملاحظات موحد يحول كل شيء إلى زمن وموقع وخصائص. والنتيجة ليست آراء بل أدلة قوية وقابلة للتكرار يمكن استخدامها في المحكمة.

 

(ديسمبر): مختبر ييل طور استخدام “تحليل الندوب الحرارية” في السودان. ما هو؟ وكيف يُكتشف من المدار؟ وكيف تستوثق من الفضاء من أن ما تراه، كدرجة تغير لون التربة من جراء الحفر، يقوم حجة قاطعة على الجرائم الجماعية؟.

 

ريموند: نستخدم بيانات الشذوذ الحراري للحرائق والبيانات النباتية والبيانات الزراعية والبيانات الهيدرولوجية والبيانات المتعلقة بالماء المأخوذة من الفضاء، وكذلك بيانات الرادار. والندوب الحرارية هي الأثر الذي تتركه الحرائق في الطيف تحت الأحمر، ويُكشف عنها باستعمال مستشعرٍ بالأشعة تحت الحمراء لعزل التغيرات السريعة في نطاقات الألوان المنعكسة عن سطح الأرض. وهو يُطلِق إنذاراً عند رؤيته تغيراً واسع النطاق في جزء من طيف الأشعة تحت الحمراء، مما يوافق كيفية انعكاس الضوء عن الأرض المتفحمة. ومن ثم فهو نطاق موجي من الأشعة القريبة من تحت الحمراء إلى الأشعة تحت الحمراء، يتولد من ضوء منعكس عن ذلك اللون المتفحم الناجم عن الاحتراق. وقد كانت هذه التقنية حاسمة في اكتشاف الحرائق المرتبطة بالعنف الجماعي والنزوح وتدمير البنية التحتية المدنية.

 

(ديسمبر): وما هي حدود إمكانيات صور الأقمار الصناعية؟.

 

ريموند: صور الأقمار الصناعية طبقة واحدة فقط. وبيانات الأقمار الصناعية وحدها لا تكفي لتوثيق موثوق للجرائم. وصور الأقمار الصناعية بمفردها لا تغني عن المعلومات الأرضية والمعرفة اللغوية والسياقية. نحتاج بالضرورة إلى معرفة لغوية وشبكات أرضية وتحليل سياقي. إن صور الأقمار الصناعية أداة جنائية قوية (مثل الجثث والدمار والمقابر الجماعية)، لكنها محدودة بالحاجة إلى تأييد ودعم أرضي وقيود أخلاقية وأمنية وظروف بيئية، ولا يمكن للصور بمفردها إثبات المسؤولية القيادية أو القصد الجنائي.

 

 

(ديسمبر): إذن كيف تقررون ما تنشرونه وما تحجبونه؟.

 

ريموند: أحياناً لا يمكن نشر أكثر الأدلة حساسية، لأن نشرها قد يعرض المصادر أو المدنيين للخطر. نعمل على تقييم وتحليل “توازن العواقب” ونقرر بناءً على الآتي: أولاً: هل نشر الموقع يعرض السكان للخطر؟ ثانياً: هل يعطي ميزة عسكرية لطرف؟ ثالثاً: هل نشر الصور والأدلة يُعرض مدنيين أو ناجين (مثل عنف جنسي في موقع احتجاز) لمزيد من الضرر؟ رابعاً: هل الدليل قوي بما يكفي لمواجهة التضليل والحرب المعلوماتية؟. إذا كان أيٌّ من هذه الاحتمالات يسبب مخاطر حينها نؤجل أو نمتنع عن النشر. على سبيل المثال وصلتنا صور أرضية من مجزرة الجنينة لكننا حجبناها عمداً، لأن نشرها قد يمكِّن الجناة من تحديد هوية من جمعها واستهدافهم. وفي تلك الحالات، تُستخدم الصور في ملفات المحاكم والتحليل الداخلي لا في التقارير العلنية.

 

الفاشر: قراءة تحليلية-جنائية ومقاربة استقصائية تكشف خفايا المجزرة

 

(ديسمبر): حددتم بحلول أبريل 2024 أن حصار الفاشر بدأ، وحذرتم من العواقب الإنسانية وأطلعتم المسئولين على تنبؤاتكم المبكرة. كم كانت تلك التوقعات دقيقة؟.

 

ريموند: كانت تنبؤات الفاشر صحيحة ودقيقة بنسبة 100%. قدمنا تدرج ونطاقات زمنية ومؤشرات وتحفظات وكلها تحققت. وكان أولها في يوليو سنة 2023 حين حذرنا مجلس الأمن القومي الأمريكي من خطر الفاشر، وقلنا حينئذ إنه خلال موسم الجفاف المقبل من نوفمبر 2023 إلى حين بدء الأمطار في أبريل أو مايو 2024، ستكون قوات الدعم السريع قادرة وراغبة في مهاجمة الفاشر على نحو تكتيكي خلال الموسم الجاف، وأن الحصار مرجح بحلول أوائل 2024. وهذا ما حدث بالضبط.

 

(ديسمبر): لقد قارنتم سقوط الفاشر بناغازاكي. لماذا وكيف هذا التشبيه؟ ما هي أوجه التماثل في حجم الفاجعة وطبيعتها؟.

 

ريموند: حجم الوفيات والطبيعة المنهجية للقتل والوضوح الجنائي لمسرح الجريمة يجعلها واحدة من أهم أحداث الجرائم الجماعية في التاريخ الحديث. الظروف – أرض جافة، سماء صافية، وسكان محاصرون – وفرت فرصة فريدة للتوثيق لكن بكلفة بشرية لا تُتخيل.

 

(ديسمبر): ذكرتم كذلك أن ما حدث في الفاشر يشبه الإبادة الجماعية في رواندا 1994. هذه المقارنة تحمل عبئاً تاريخياً وقانونيًا ثقيلاً. على أي أساس بنيتم هذه المقارنة؟.

 

ريموند: لقد ألقيتُ محاضرة الأسبوع الماضي في متحف الهولوكوست التذكاري في واشنطن، تناولت فيها تحديداً استخدام قوات الدعم السريع للطائرات المسيرة، وكيف يشكل ذلك نقلة نوعية في مجال جرائم العنف الجماعي، لأنه يجيب على سؤال: كيف كان سيبدو المشهد لو كان الهوتو يمتلكون سلاح جو؟. وأعتقد أنه يمكنني مشاركة بعض النتائج التي توصلت إليها في عرضي، لكن النقطة الجوهرية هي أنهم اعتمدوا أساساً على نهج متعدد الطبقات في الاستطلاع المتقدم باستخدام حساسات ذكية. وهذا شيء لم نشهد له مثيلاً من قبل. وكان لذلك تأثير تحويلي على النتائج. فمدينة الفاشر لم تكن لتصل إلى ما وصلت إليه دون ذلك. وبطرق عديدة. ما كان يحدث في المرحلة الأخيرة في الأبيض كان أيضاً نتيجة لهذه القدرات الاستخباراتية والاستطلاعية. وهذه القدرات لم تأتِ من العدم، بل جاءت من الإمارات في معظم الحالات وعبر الصين. وبالتالي كانت هذه جريمة جماعية حديثة من نوعها. لأن هذا هو ما سيبدو عليه المستقبل إذا لم نتحرك. إنه مشهد قاتم حقاً. باختصار، الطائرات المسيرة والقوة الجوية- بدقتها وسرعتها- تزيد من قدرتهم على إلحاق قتل مروع هائل. الدعم السريع يستخدم طائرات مسيرة واستطلاعاً متقدماً واستهدافاً طباقياً بطريقة خلقت نموذجاً كارثياً للفظائع. هذا ما يبدو عليه العنف الجماعي عندما تملك قوة قدرة جوية ودعم استشعار متقدم. وهذا يجعلها كارثية بشكل فريد.

 

(ديسمبر): ماذا رصدت الأقمار الصناعية في الفاشر خلال فترة القتل الجماعي التي تلت سقوط المدينة؟.

 

ريموند: رأينا جثثاً تظهر فجأة في الشوارع والأزقة، متسقة في الحجم والشكل مع بقايا بشرية. رأينا بقع دماء تتأكسد من الأحمر إلى الأسود خلال يومين، وهو نمط متسق مع قتل واسع النطاق. ورأينا الجناة أنفسهم ينشرون فيديوهات وصوراً ساعدت في التحقق من الأثر الجنائي.

دعني أشرح لكم الأمر بمنهجية فنية باردة كخبير في مسرح الجريمة. في الفاشر، تهيأت ظروف جنائية فريدة جعلت مسرح الجريمة استثنائياً من حيث قابلية التوثيق. فقد تزامنت المجزرة مع جفاف التربة وصفاء السماء، مما جعل البقع الدموية والأجسام مرئية بوضوح من الفضاء. كما أحاط الجناة الضحايا بساتر ترابي منعهم من الهروب، مما خلق مساراً شبه بخط مستقيم لسقوط الضحايا سهل التتبع. والأكثر إدهاشاً أن الجناة وثّقوا المجزرة بأنفسهم ونشروا صوراً ومقاطع فيديو، مما أتاح معايرة دقيقة بين القياسات الأرضية والفضائية. وهكذا، تحولت الظروف التي ساعدت الجناة على تنفيذ مجزرتهم إلى نفس الظروف التي منحتنا ميزة استقصائية حاسمة.

في الفاشر، تم توثيق أربعة أنماط للقتل. الأول: قتل القوات المنسحبة دون رحمة، مع فيديوهات تظهر أبو لولو ورجاله وهم يسخرون من الجرحى ثم يعدمونهم، وهو انتهاك صريح لاتفاقيات جنيف (جريمة عدم الإبقاء على الحياة). الثاني: إطلاق النار على الفارين أثناء حركتهم. الثالث: اعتقال المدنيين ثم إعدامهم جماعياً، بما في ذلك إرغامهم على الاستلقاء في حفر قبل قتلهم. والرابع: تصفية المختبئين داخل المباني، كما وثقته مقاطع فيديو من مستشفى السعودي والمستشفى الجامعي. إلى جانب عمليات القتل المباشرة، أنشأت قوات الدعم السريع مرافق احتجاز في القطاع الشرقي من المدينة بعد سقوطها، بما في ذلك داخل مستشفى الأطفال، حيث كانوا يجلبون المدنيين للاعتقال. وشهدت هذه المرافق تفشي وباء الكوليرا في أكتوبر، مما أدى إلى وفاة مئات بل آلاف المعتقلين. هذا يفسر جزئياً العدد الهائل للمفقودين (أكثر من 60 ألفاً)، والذي غالباً ما يُساء فهمه في الخطاب العام، حيث إن الكثير من الوفيات حدثت داخل هذه المرافق بعد سقوط المدينة وليس فقط في ساحات القتال.

 

(ديسمبر): لقد استمعت إلى الحوار الذي أجرته معك الأستاذة مروة خالد الأسبوع الماضي، وذكرت فيه أن مدينة الأبيض تُعتبر مدينة استراتيجية للغاية من حيث الموقع الجغرافي وحركة النزوح، وغير ذلك من العوامل. لكن توقعاتك كانت أنها لن تسقط، وأن الحصار المفروض عليها قد انتهى فعلياً منذ شهر فبراير الماضي؟.

 

ريموند: إن ما يثير غضبي أكثر بشأن الأبيض هو أن الاستخبارات الأنجلو-أمريكية أخطأت في شأن الأبيض، وقد أخبرتهم بذلك علناً وسراً، فاتصلوا بي، وأخبرت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بهذا. ومن ثم فقد تقدمنا رسمياً إلى الأمم المتّحدة وقدمنا شهادة بشأن إنذار فولكر تورك الأحمر، الذي لم يكن صحيحاً.

لقد مضت أكثر من ستة أسابيع على آخر مواجهة مباشرة بين قوات الدعم السريع والفرقة الخامسة في الفترة بين 19 و20 يونيو. ويمكننا إثبات ذلك بالأدلة الجنائية. لم تُطلق أي طلقة في ذلك النطاق. وفي النهاية، الأمر مجرد حسابات. والمسافات يمكن قياسها بدقة الآن. المدى الأقصى لقذيفة هاوتزر الذي استولت عليه قوات الدعم السريع من الجيش السوداني يتراوح بين 25 و30 كيلومترا. أما المدى الأقصى للمدفعية من طراز AH-4  التي زودتها بها الإمارات، فيتراوح بين 37 و41 كيلومتراً. إنهم لم يطلقوا قذيفة مدفعية واحدة على الأبيض حتى الآن. وهذا يعني أنهم لم يقتربوا أبداً لمسافة تقل عن 40 كيلومتراً. فقوات الدعم السريع دائماً ما تهاجم بالمدفعية عندما تكون في نطاقها. لقد حَلَّلنا كل الحفر الناجمة عن القذائف. كل الحفر منذ فبراير الماضي كانت ناتجة عن طائرات انتحارية يطلقونها عندما لا يكونون قريبين بما يكفي لاستخدام مدفعيتهم. غياب القذائف المدفعية سيقول لأي محلل عسكري إنهم ليسوا على مسافة أقل من 40 كيلومتراً. ثم نلاحظ أن قوات الدعم السريع تبني تحصينات ترابية على بعد 57 كيلومتراً. والفرقة الخامسة لم تكن يوماً أقوى مما هي عليه الآن.

 

جرائم الحرب والإبادة الجماعية: تعريف الجريمة ومحاسبة مرتكبيها

 

(ديسمبر): تقولون إن الدعم السريع ارتكب إبادة جماعية، وأن الجيش السوداني ارتكب جرائم حرب. أشرح لنا الفرق القانوني بينهما؟.

 

ريموند: الفرق الرئيسي هو القصد الخاص (Dolus Specialis). في الفاشر، أظهرت أقوال الدعم السريع وأفعاله قصداً واضحاً لإبادة الزغاوة كمجموعة وحرمانهم من وسائل البقاء. في حالات أخرى، مثل الكنابي في الجزيرة، ارتكب الجيش السوداني جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خطيرة، لكن الأدلة لا ترتقي بعد إلى إبادة جماعية.

الفرق الجوهري بين مجزرة الفاشر ومجزرة الكنابي يكمن في مفهوم القصد الخاص (Dolus Specialis) الذي يميز جريمة الإبادة الجماعية عن غيرها من الجرائم. ففي الفاشر، توافرت العناصر القانونية الكاملة لجريمة الإبادة: الفعل الإجرامي (actus reus) فقد أظهرت أقوال الدعم السريع وأفعاله قصداً واضحاً لإبادة الزغاوة كمجموعة وحرمانهم من وسائل البقاء. أضف إلى ذلك النفس الإجرامي (actus mentis) الموثق في فيديوهات قوات الدعم السريع، حيث يصرح جنودهم صراحة بنيتهم إبادة الزغاوة ووصفهم إياهم بـ”مخلوقات دون بشرية”. هذا المزيج من القول والفعل يرقى إلى مستوى النية الخاصة للإبادة الجماعية بشكل نصي.

أما في الكنابي، فما حدث كان عملية انتقامية محدودة على أسس عرقية، ارتكبتها قوات الجيش والمليشيات المناصرة لها بحق مجموعات متعددة من القبائل اتُهمت خطأً بمساعدة الدعم السريع. وهذا يندرج تحت جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب، لكنه لا يرقى إلى الإبادة الجماعية لانعدام النية الخاصة المنهجية لاستئصال مجموعة بعينها. ومن المهم التذكير أن هذه ليست المرة الأولى، فقد سبق أن ارتكب النظام السابق جرائم إبادة، وهو ذاته النظام الذي أنشأ الجنجويد – الذين تحولوا لاحقاً إلى قوات الدعم السريع – بالإضافة إلى قوات الاحتياطي المركزي، وكلاهما صُمم لمواجهة أي انقلاب عسكري، مما يجعل ما حدث في الفاشر امتداداً لسياسات ممنهجة وليس مجرد فظائع معزولة.

 

(ديسمبر): ما الذي يجعل هذا التمييز ذا قيمة؟ هل يحمل هذا التمييز دلالات قانونية وإنسانية؟.

 

ريموند: لأن الإبادة الجماعية ليست مجرد كم؛ إنها قصد. يجب إثبات الفعل الجرمي والقصد الجرمي معاً. ولهذا فإن التصنيف مهم قانونياً وتاريخياً.

 

(ديسمبر): بعد هذا الاستعراض لجرائم الحرب والإبادة، ننتقل إلى سؤال المحكمة الجنائية الدولية. كيف تنظرون إلى ولاية المحكمة في السودان؟.

 

ريموند: يجب توسيعها لتشمل كل السودان. حالياً يتطلب ذلك عملاً من مجلس الأمن، ولم يحدث. المشكلة ليست فقط التقصير، بل أيضاً التورط. عدة أعضاء دائمين في مجلس الأمن لديهم صلات مباشرة أو غير مباشرة بالأطراف المسلحة. كان ينبغي توسيع نطاق التحقيق منذ فترة، وفي إطار ذلك ستُدان قوات الدعم السريع دون أدنى شك. ثم السؤال: هل مجلس الأمن هو من يعرقل هذا؟ ليس بالضبط، بل هو ببساطة لا يفعله. لا يوجد شيء معروض عليهم ليتحركوا بموجبه. والحقيقة أن هناك عدة أعضاء دائمين في المجلس متورطون بشكل أو بآخر: روسيا باعت أسلحة للجيش السوداني، ومرتزقة فاغنر هم امتداد روسي، والصين باعت أسلحة للإمارات التي بدورها زودت بها قوات الدعم السريع، والولايات المتحدة وبريطانيا لديهما شراكات دفاعية كبرى مع الإمارات. الوحيد الذي لا يبدو متورطاً بين الخمسة الدائمين هو فرنسا. فلماذا إذن لم يوسعوا التحقيقات الجنائية ليشملوا أشخاصاً تم تمويلهم بنشاط من قبل عدة أعضاء في الخمسة الدائمين؟.

 

(ديسمبر): ما الجدوى من توصيف الجريمة بأنها إبادة جماعية إذا لم يُترجم إلى تحقيقات ومحاكمات؟.

 

ريموند: نعم، إنه مهم، لأن النتائج القانونية يمكن أن تصبح أدوات وقائية. لوائح الاتهام يمكن أن تبطئ الحرب وتثني من يرعاها. لكن لا عملية قضائية تحل محل الإرادة السياسية. وكخبير في جرائم الحرب، أرى أن على المرء أن يتحلى بنظرتين متزامنتين: الصبر على بطء الإجراءات القضائية، والإدراك أن هذه البطء طبيعي في معظم الملفات، باستثناء حالة روسيا التي كانت استثنائية. فالجمهور غالباً ما يخلط بين السرعة السياسية والسرعة التقنية، لكن الحقيقة أن هناك نوعين من الأدلة المطلوبة للإدانة: أدلة وقوع الجريمة (كالجثث والطلقات)، وأدلة الربط التي تصل بين الأفراد المحددين والجرائم، وهذه الأخيرة بالغة التعقيد خاصة في هياكل القيادة غير المنتظمة لقوات الدعم السريع، حيث يصعب الإثبات القطعي بأن حميدتي أو عبد الرحيم أصدرا الأوامر مباشرة.

وإذا أصدرت لوائح اتهامات من المتوقع أن يكون لها تأثير رادع، مما قد يبطئ وتيرة الحرب ويغير مسارها. لكن العدالة وحدها لا تكفي. فالسودان يحتاج إلى حل جذري يشمل حل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع معاً وبناء جيش وطني جديد تحت حكومة انتقالية بدعم دولي.

 

(ديسمبر): في كل عمليات السلام، يبرز سؤال العفو. هل هو ضرورة أم تنازل؟ هل العفو طريق السلام أم عقبة العدالة؟.

 

ريموند: العفو يمكن أن ينجح فقط إذا كان جزءاً من عملية مصالحة منضبطة تترك مجالاً للملاحقة الجنائية. إن العفو لا يمكن أن يكون مجرد رشوة أو صفقة سياسية، بل يجب أن يندرج ضمن نظام قضائي منظم، كما حدث في لجنة الحقيقة والمصالحة بجنوب أفريقيا، حيث احتفظ النظام بحق سحب العفو ومحاكمة الجناة جنائياً في حال عدم الامتثال للشروط. أما ما يحدث الآن في السودان، فليس عفواً حقيقياً، بل مساومة. إنه إفلات من العقاب متنكر كحل وسط. والحل الحقيقي يكمن في إنشاء لجنة حقيقة ومصالحة شاملة تعود إلى السبعينيات، لأن العدو الحقيقي في السودان هو الإفلات من العقاب.

 

بريطانيا تحت المجهر: ثلاث سنوات من التحذيرات التي تم تجاهلها عمداً

 

(ديسمبر): متى أدركتم أن الحكومة البريطانية لن تتدخل؟ ماذا يكشف ذلك عن توازن القوى في المنطقة؟ وما الذي يعنيه ذلك عن دور الإمارات في تشكيل السياسة البريطانية؟.

 

ريموند: كان ذلك واضحاً بحلول يونيو 2024. قدمنا إحاطات لوزارة الخارجية، وتحدثنا مع برلمانيين ووفرنا لهم الأدلة مراراً. لكن الموقف البريطاني كان دائماً فعل الحد الأدنى الممكن. ثم، مع تدهور الأوضاع في الفاشر، أصبح واضحاً أن الحذر السياسي والخوف من ردة فعل الإمارات طغى على الاستعجال الأخلاقي.

الحكومة البريطانية ساعدت في إعداد قرار مجلس الأمن 2736 بشأن الفاشر، لكن كان معروف مسبقاً أن بريطانيا لن تتخذ الإجراءات اللازمة. وقد أفاد دبلوماسيون من دول أخرى أن بريطانيا تخشى العقوبات الاقتصادية من صندوق الثروة السيادي الإماراتي. وهكذا، فإن “المؤامرة” ليست معقدة كما يتخيل البعض، بل هي خوف بريطاني واضح من تداعيات اقتصادية قد تمارسها الإمارات.

 

(ديسمبر): ما هي الخلاصة التي خرجتم بها من لقاءاتكم مع المسؤولين البريطانيين؟ ماذا قالوا لكم بالتحديد؟.

 

ريموند: أشاروا إلى أن مواجهة الإمارات قد تحمل عواقب اقتصادية لبريطانيا.

 

(ديسمبر): لماذا أخرجتم سنوات من السجلات الداخلية السرية إلى العلن؟ وما الذي دفعكم لهذا الكشف؟ وكيف برر المسؤولون البريطانيون رفضهم التحرك بشأن الفاشر؟.

 

ريموند: لأن الردود الرسمية لم تتناول جوهر الأدلة. قدمت إنكاراً وإجراءات، لا أدلة مضادة. عندئذٍ، أصبحت الشفافية أهم من الدبلوماسية الهادئة. قال المسؤولون البريطانيون إنهم بذلوا قصارى جهدهم. ولكنهم في ذات الوقت قالوا بأنني قد شوهت سمعتهم. البريطانيون لم يتعاملوا بجدية مع أي من الادعاءات الواقعية الجوهرية التي أطرحها. فهم لا يردون على أي من شهادتي المكتوبة على الإطلاق، ويقولون إني أتهمهم بأشياء لم أتهمهم بها. إنهم يخلقون نوعاً من “الموضوعية المزيفة”، إذا صح التعبير. يقولون: “نعم، لقد حاولنا”، وأنا أقول: أنا لا أقول إنكم لم تحاولوا، بل أقول إنكم لم تحاولوا بما فيه الكفاية. وأقول أيضاً إنكم قدّرتم حياة هؤلاء الأشخاص أقل من تقديركم للعلاقة مع الإمارات. وكانت لديكم نفس المعلومات الاستخباراتية التي لدي. بل لديكم معلومات أفضل من معلوماتي.

 

(ديسمبر): برأيكم، أين يكمن الخلل في الاستجابة البريطانية للأزمات؟ ما هي توصياتك للبرلمان البريطاني لإصلاح آليات الاستجابة الدولية للأزمات؟.

ريموند: الأمر بسيط جداً. بريطانيا تحتاج إلى هيئة مستقلة يُعهد إليها إعداد تقييمات الإبادة الجماعية والجرائم، منفصلة عن وزارة الخارجية، وتُبلغ تلك التقييمات مباشرة إلى البرلمان والجمهور. وبشكل أساسي، المشكلة الجوهرية أن نهج الخارجية البريطانية كان دائماً فعل الحد الأدنى الممكن. وقلت الشيء نفسه للحكومة الأمريكية واتهمتهم بالعنصرية في تعاملهم مع السودان.

لقد توفرت لنا قدرات استثنائية على التوثيق في السودان، لكن تلك القدرات حُجبت لأنها صارت مُحرِجة للحكومات. النقطة الأساسية هي أنه بغضِّ النظر عن حجم الموارد التي تملكها أي حكومة، إذا كنت لا تعامل قيمة حياة طفل فلسطيني، وطفل أوكراني، وطفل سوداني، على قدم المساواة — وإذا كانت تقاريرك عنهم تختلف في الدقة والصدق والسرعة والجودة — فهذه هي مشكلتك.

 

التورط الإقليمي: ما هي الأسباب والنتائج؟

 

(ديسمبر): برأيكم، هل كان للإمارات دور في عرقلة جهود إنهاء الحرب؟ وما هو الدور الذي لعبته فعلياً في إطالة الحرب؟.

 

ريموند: لو توقفت الإمارات عن دعم الدعم السريع، لانتهت الحرب خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. هذا لا يعني أنها اللاعب الوحيد، لكنها محورية، مقارنة برعاة الجيش السوداني (السعودية ومصر وتركيا) الذين يقول إن توقف دعمهم لن ينهيَ الحرب فوراً. الحرب أُطيل أمدها بدعم خارجي، وبحكومات تستفيد من ذلك الدعم. الإمارات هي الراعي الرئيسي للدعم السريع، بينما دول أخرى (كينيا وإثيوبيا وتشاد وليبيا) هي مجرد “مستفيدة” تتلقى أموالاً من الإمارات لتوفير الوصول والمساعدة، وليست راعية مباشرة. الحرب يمكن إيقافها خلال أسبوعين إذا أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا أنه ما لم يتوقف تدفق الأسلحة من الإمارات إلى الدعم السريع، فسيتم تقييد سفر مواطنيهما إلى الإمارات. وهذا سيُجبر الإمارات على العودة إلى طاولة المفاوضات وإنهاء الصراع.

إن قدرات الدعم السريع المتقدمة في الطائرات المسيرة والاستطلاع والمراقبة (ISR) المستخدمة في الفاشر وأماكن أخرى بدعم إماراتي، غالباً عبر الصين، قد غيّرت طابع الحرب وجعلت الجرائم “كارثية بشكل فريد”. إذن، الإمارات ليست لاعباً ثانوياً، بل هي المُمكّن الخارجي الرئيسي للدعم السريع، وأن استمرار دعمها هو السبب الرئيسي في استمرار الحرب، وأن سلوكها يمكن تغييره بسرعة لو كانت الحكومات الغربية مستعدة لتحمل احتكاك اقتصادي ودبلوماسي مع الامارات.

 

(ديسمبر): إذن هذه هي الدول المتورطة في دعم طرفي النزاع؟؟

 

ريموند: نعم. وهناك مستويات مباشرة وغير مباشرة. بعض الدول داعم نشط للجيش السوداني بينما دول أخرى تستفيد من دعم الإمارات للدعم السريع. النقطة أن هذه لم تعد حرباً سودانية خالصة.

 

(ديسمبر): في ظل الأدلة الدامغة التي قدمتموها، كيف تفسرون جمود الحكومات الغربية؟ كيف استجابت الحكومات الغربية لأدلتكم؟.

 

ريموند: غالباً بعدم العمل عليها. الدليل كان هناك. السياسة لم تكن. الحكومات الغربية كانت غالباً “تعرف أكثر مما أعرف”، وتمتلك استخبارات وتقييمات أفضل، لكنها اختارت إما عدم التحرك أو كبح الكشف عن الروابط بين الإمارات وإثيوبيا والدعم السريع. وهذا بالتأكيد نمط قُدّمت فيه المصالح السياسية والاقتصادية (خاصة فيما يتعلق بالإمارات) على منع الفظائع الجماعية، ما أنتج نمطاً من التعامل مع الحرب هو مزيج من “التقاعس” و”الحد الأدنى من الفعل” و”التفادي الإجرائي.

 

المشهد العسكري: المسيرات كسلاح- الاستنزاف كاستراتيجية- الدعم الخارجي كمحدد. كيف تشكل هذه العوامل المشهد العسكري؟

 

(ديسمبر): كيف تغيرت موازين القوى العسكرية في السودان؟ وما هي العوامل المؤثرة؟.

 

ريموند: إن استخدام الدعم السريع لطائرات مسيرة وقدرات متقدمة في مجال الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR) قد غيَّر طابع الحرب، ويُعتبر تطوراً تحولياً في الصراع. هذه القدرات منحت الدعم السريع قدرة استهداف طباقية عالية الدقة مكنتها من شن ضربات كانت ستكون مستحيلة بالاعتماد على خط البصر وحده. وفي ذات الوقت خسر الجيش السوداني أرضاً، وفقد التفوق الجوي لصالح الدعم السريع. كذلك بدأ الجيش يستنفد كوادره المدربة، وتجنيد النساء في معسكرات الدفاع الشعبي يُعتبر علامة على اليأس. كما يُلاحظ أن الطرفين أصبحا أكثر اعتماداً على الدعم الخارجي. لكن الموازنة تحولت مع تنامي ميزة الدعم السريع في المسيرات والاستطلاع، بينما تآكلت المزايا التقليدية للجيش السوداني.

 

(ديسمبر): كيف ترون مسار الحرب في السودان؟ وإلى أين تتجه؟.

 

ريموند: لا تزال خطرة ومتقلبة، لكن الحرب تُشكَّل الآن بالاستنزاف والضغط الخارجي وإمكانية لوائح اتهام. هذا المزيج يمكن أن يغير السلوك، حتى لو لم ينهِ الصراع بذاته. الحرب باتت تُحدَّد الآن بعوامل الاستنزاف، والضغط الخارجي، واحتمال ملاحقات المحكمة الجنائية الدولية، وهي عوامل مجتمعة يمكن أن تغيِّر السلوك حتى لو لم تنهِ الصراع بذاتها. وحتى لو توقف القتال اليوم، فإن المجتمع الدولي سيظل بحاجة إلى نزع قدرات الطائرات المسيرة لدى الدعم السريع وإصلاح الجيش السوداني ليصبح جيشاً وطنياً تحت سلطة انتقالية.

 

 

(ديسمبر): إذن هذا هو تصوركم للترتيبات الأمنية بعد الحرب؟.

 

ريموند: نعم. يجب نزع سلاح الجيش السوداني والدعم السريع معاً. يجب بناء قوة وطنية جديدة تحت سلطة انتقالية مدعومة دولياً.

 

مستقبل السودان بين مطلب السلام وضرورة المحاسبة

 

(ديسمبر): السلام الحقيقي ليس مجرد توقف للقتال، بل مسار طويل يعالج الجذور ويبني الثقة. برأيكم، ما هي الركائز الأساسية التي يجب أن تقوم عليها هذه العملية لضمان العدالة والاستدامة؟.

 

ريموند: أي عملية سلام ذات معنى يجب أن تضع المدنيين السودانيين في المركز الأول، لا أن تُدار كصفقة بين طرفين مسلحين فقط. إن أي مفاوضات تعامل الجيش السوداني والدعم السريع كطرفين سياسيين متساويين دون وجود الشعب في الغرفة معيبة جوهرياً. لقد فشلت كل مسارات التفاوض السابقة لأنها صُمِمت من دون إشراك الشعب السوداني وتعاملت مع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع كطرفين متساويين، في حين أن كليهما يقف ضد المسار الديمقراطي الذي انطلق في 2019. إن أي تسوية حقيقية تتطلب تفكيك الطرفين المسلحين ونزع سلاحهما (بما في ذلك قدرات الطائرات المسيرة لدى الدعم السريع)، وبناء قوة دفاع وطنية سودانية جديدة تحت سلطة انتقالية مدعومة دولياً، مع جدول زمني واضح للحكومة الانتقالية وخطة أممية لنزع السلاح، إلى جانب لجنة حقيقة ومصالحة لا تلغي المساءلة الجنائية عن الجرائم الجسيمة، واستجابة أممية جادة تحت الفصل السابع لحماية المدنيين ودعم استعادة الحكم الديمقراطي.

 

(ديسمبر): كيف تنظرون إلى دور مجلس الأمن وواجباته؟ ما هي مسؤوليته في هذه الأزمة؟ هل فشل في الاضطلاع بمسؤولياته؟.

 

ريموند: كان يجب أن يتحرك تحت الفصل السابع أبكر بكثير. ما كان مطلوباً هو حفظ سلام، وحماية مدنيين، وعملية جادة لاستعادة حكم ديمقراطي. بدلاً من ذلك، تقلص المجلس عندما كان يجب أن يتوسع.

لقد فشل مجلس الأمن فشلًا ذريعًاً في التعامل مع أزمة السودان، وكان ينبغي تفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة في عام 2023، مع نشر قوات حفظ سلام لاستعادة الحكومة الديمقراطية إلى الخرطوم وإجراء انتخابات، بدلاً من المفاوضات الثنائية التي تعامل الجيش والدعم السريع كطرفين متساويين، بينما الشعب السوداني مهمش تماماً. وكان يجب أن يكون التركيز على مواجهة الانقلاب العسكري وحماية المدنيين، لكن المجتمع الدولي تقاعس، بل وانسحب من دارفور بدلاً من تعزيز وجوده في أيام الثورة.

 

(ديسمبر): أين كان المجتمع الدولي عندما كان مطلوباً منه التحرك؟ كيف نقرأ فشل المجتمع الدولي في تطبيق مبادئ مسؤولية الحماية؟.

 

ريموند: لقد تعرض السودانيون إلى سلسلة طويلة من الخيانات من جراء صمت الدول الكبرى على مجازر المتظاهرين وعدم دعم الانتفاضة ونهاية باستمرار تسليح الأطراف المتحاربة. إن المسؤولية تقع على المجتمع الدولي بأسره الذين سمحوا لهؤلاء “اللصوص” من الطرفين بمواصلة نهب البلاد. وهذا ليس رأياً عاطفياً، بل حقيقة واضحة لا تقبل الجدل. هذه هي القضية الجوهرية. المجتمع الدولي عامل الحرب كمشكلة تفاوض حين كانت أيضاً مشكلة مساءلة.

 

الكلفة الشخصية لـ27 عاماً من التوثيق

 

(ديسمبر): كيف غيرت 27 عاماً من العمل في توثيق جرائم الحرب مجرى حياتك؟.

 

ريموند: يكلف كثيراً. لكن العمل مهم لأن الشهادة مهمة. حتى عندما يكون العمل بطيئاً، يجب أن يُسجل السجل. المدنيون يستحقون ذلك.

 

(ديسمبر): فيما يتعلق بالحياد المؤسسي. لقد اتُهمتم بالانحياز لطرف دون آخر في السودان. كيف تردون على هذا الاتهام؟ وكيف تضمنون سلامة منهجيتكم ومصادر معلوماتكم؟.

 

ريموند: هذا الاتهام لا أساس له من الصحة. والحقيقة أنهم لو أجروا أي بحث عني وعن فريقي، لعلموا أن ادعاءاتهم لا تمت للواقع بصلة. فسواء في سياق هذا الصراع أو قبله أو خارجه، نحن ببساطة نتبع القانون ونمضي حيث يقودنا ونطبقه على الجميع بالتساوي. لكن ما يصعب فهمه على المنخرطين في هذه الفصائل هو أن هناك جرائم أشد من غيرها، ومع محدودية القدرات، لا بد من تحديد الأولويات للجرائم الأكثر خطورة.

لذا، كلما توفرت لدينا أدلة على جرائم ارتكبها الجيش السوداني، قمنا بالإبلاغ عنها. وقد فعلنا ذلك، بما في ذلك في الفاشر. لقد اتهمنا الجيش علناً بارتكاب جرائم حرب في الفاشر، وسلّمنا خرائط بذلك إلى مجلس الأمن الدولي. وقدمنا أكثر من سبع إحاطات لمجلس الأمن، تضمنت عدة مرات جرائم حرب ارتكبها الجيش في الفاشر، شملت القصف للقطاع الشرقي في 2024. كما عثرنا على الجثث في القناة في مجزرة “الكنابي” وشرحنا ذلك لشبكة CNN. وقد أوضحنا كل ذلك بوضوح. وقلنا إنهم قصفوا القطاع الشرقي قصفاً شاملاً، وأثبتنا ذلك بخرائط متعددة على مدى فترة زمنية، وقمنا بتحليل الحفر الناتجة عن القذائف. لقد كنا متسقين في موقفنا.

لقد أمضيت معظم حياتي ومنذ 2010 في محاولة محاكمة قادة الجيش، وكان لي دور مهم في ملفات إدانة عبد الرحيم محمد حسين وأحمد هارون أمام المحكمة الجنائية الدولية. وواقع الأمر أن قوات الدعم السريع ترتكب إبادة جماعية نصية، بينما ارتكب الجيش جرائم حرب متعددة، لكنها لا ترقى إلى مستوى الإبادة في هذه المرحلة. ومع ذلك، يظل الجيش مسؤولاً عن فشله الذريع في حماية المدنيين في الفاشر وزالنجي ونيالا وكاس والجنينة واستخدامهم كدروع بشرية ثم التخلي عنهم.

 

(ديسمبر): كيف تجد الدافع لمواصلة العمل رغم التحديات والمعاناة التي توثقها؟ من أين تستمد الإرادة للاستمرار في عمل يبدو للكثيرين مستحيلاً؟.

 

ريموند: الناس. العائلات. الناجون. والإيمان بأن التوثيق يمكن أن يغير النتائج، حتى لو بشكل غير مباشر.

 

(ديسمبر): ماذا تقولون للمواطن السوداني في ختام هذا الحوار؟.

 

ريموند: أقول للمدنيين: إنكم لم تُنسَوا، وإن الأدلة تُجمَع، وإن معركة المساءلة لم تبدأ بعد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *