بشير أربجي
امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي بصورة مكثفة وغير مسبوقة بمجموعة من الصور المؤلمة فى حق المعلمين السودانيين، تلك الصور التي تخص الاحتفال بانقضاء تصحيح امتحانات الشهادة السودانية وإكمال عمليات الرصد للنتائج من قبل المعلمين. وقمة الألم فى تلك الصور كانت الوضعية التي قدمت بها أطباق الطعام عقب الاحتفالية للمعلمين المستهدفين بالتكريم من الأساس، حيث انتشرت لهم صور وهم يجلسون على أرجلهم أو يجلسون القرفصاء، كل حسب مقدرة جسده، بالساحة التي أقيمت فيها الاحتفالية، وهي صورة أقل ما يقال عنها أنها مذلة جداً لمن هم أحق بالتكريم من غيرهم. وكما قيل فقد قدم الطعام للوزير وحاشيته والضيوف الذين معهم داخل صالة فخيمة مكيفة معززين مكرمين، بينما قدم للمعلمين الذين أنجزوا التصحيح ورصدوا النتائج بدقة فى العراء وبتلك الطريقة المهينة. لكن هل هذا الحدث وبما يمثله من سقوط إداري وأخلاقي وقيمي لوزارة مهمتها التربية والتعليم، هل هو معزول عن سياق ما ظل يحدث داخل المجتمع السوداني منذ انقلاب الثلاثين من يونيو المشؤوم الذي نفذته جماعة الإخوان المسلمين المحظورة بالبلاد؟.
بالتأكيد لا، وهو حدث يأتي فى سياق المعتاد منذ ذلك التاريخ ويستهدف إذلال المواطن السوداني من قبل الطغمة المتحكمة فى مصائر العباد منذ ذلك الحين. وهو ليس حكراً على المعلمين السودانيين فقط، وإن كان ما أصابهم قد أوجعنا بصورة كبيرة لمكانتهم ومكانة وظيفتهم الرسالية، وهو كحدث أيضاً مقصود به الإذلال والإهانة من أجل التحكم فى الشعب السوداني وإخضاعه وجعل الخنوع صفة ملازمة له.
لذلك حدث هو يتجاوز دلالته اللحظية والصدمة التي تحدث للإنسان السوي حين يراه. وعندما نسترجع كل ما يحدث للمواطن من قبل هذه السلطة الفاسدة، التي جثمت على صدر المواطن دهرا طويلاً، نجد أن منهجها كان يمتهن كرامة المواطن السوداني ويحط منها بشكل دائم ومتكرر. ويكفي أن تذهب إلى أي مرفق حكومي يقدم الخدمات للمواطنين مثل الجوازات، أو البنوك وغيرها من مؤسسات الدولة التي تقدم الخدمات للمواطنين، لترى التجاوزات، وتشاهد بأم عينك كيف يتعامل أفراد الشرطة والقوات النظامية مع المواطن بالسب والضرب والحط من الكرامة، لتعلم يقيناً أن ما يحدث من صلف وتجبر وإهانة هو سلوك عام تجاه المواطن من أجل جعله تابعاً خاضعاً لا حول ولا قوة له في مواجهة السلطة الغاشمة، التي يفترض أن تقدم له الخدمات بكل تقدير واحترام، لأنه هو من يدفع رواتبها ومخصصاتها خصماً من عرقه وعلاجه وحليب أطفاله. وأيضاً لا أنسى ما ظل يحدث منذ فترة طويلة في المستشفيات الحكومية سواء تجاه المواطن المغلوب على أمره بالقهر والإذلال، أو تجاه الـطقم الطبية التي لا تملك السلطة من قبل الحكومة وقواتها النظامية الباطشة.
لذلك فإن ما حدث للمعلمين الأجلّاء من تعامل يتجاوز أنه سقوط مهني أو إداري، ويندرج دون شك فى باب فرض القوة والسطوة والسلطة الغاشمة على المواطن السوداني، سلطة البندقية فى مواجهة القانون وحقوق الإنسان وحق احترام المواطن والموظف من قبل حكومته. ورغم علمي أنها حكومة أمر واقع وغير مرضيٍّ عنها من غالبية الشعب السوداني، إلا أن هذا المعلم لديه حقوق تجاهها، ليس أقلها أن تدفع راتبه أو تتعامل معه باحترام وتوقير، إن كانت تحكم الشعب لا أن تتحكم فيه بقوة السلاح. لكن من أين لمثل هذه السلطة المنتزعة بقوة السلاح أن تتعامل بالقانون ومراعاة الحقوق مع مواطنها؟. لذلك لابد من ذهاب هذه السلطة الفاسدة والإتيان بحكومة من الشعب وللشعب، وإلا فلن يجد الاحترام فى بلادنا إلا من يحمل السلاح ويمجِّد البندقية.