الحق في السكن.. عندما يصبح فقدان البيت فقدانًا للأمان والكرامة
بقلم: صفاء الزين
يمتد معنى السكن إلى ما وراء الجدران والسقف والعنوان المثبت في السجلات الرسمية (سجلات الأراضي، التسجيلات العقارية..إلخ). فالبيت هو المساحة التي يشعر فيها الإنسان بالأمان، ويحفظ داخلها خصوصيته، وتتشكل بين أركانها العلاقات الأسرية والاجتماعية التي تمنح الحياة معناها، وفيه تنمو الذكريات، وتقوى الروابط العائلية، ويجد الإنسان ملاذه في أوقات الأزمات. ومن هنا اكتسب الحق في السكن مكانته ضمن الحقوق الأساسية المرتبطة بالكرامة الإنسانية، لما يوفره من استقرار، وخصوصية، وبيئة مناسبة لممارسة الحقوق الأخرى، وفي مقدمتها التعليم، والصحة، والعمل، والحياة الأسرية.
ومع اندلاع الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023م، تعرض هذا الحق لانتهاكات واسعة، فقد دُمّرت أحياء سكنية كاملة، واحترقت قرى، وتضررت مدن، واضطر ملايين السودانيين إلى مغادرة منازلهم بحثًا عن مناطق أكثر أمنًا داخل البلاد وخارجها، وتحولت البيوت التي مثّلت لسنوات طويلة مصدرًا للاستقرار والطمأنينة إلى أطلال أو مساكن مهجورة، وانتقلت آلاف الأسر إلى المدارس، ومراكز الإيواء، والقطاطي، والخيام، ومنازل الأقارب، وحيشان القش، وفي الكراكير، والزنك، وتحت الشجر، وسط ظروف قاسية تفتقر إلى الخصوصية والخدمات الأساسية.
ويحظى الحق في السكن بمكانة راسخة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ نصت المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل شخص في مستوى معيشي يكفل له ولأسرته الصحة والرفاه، بما يشمل المسكن. كما أكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حق كل إنسان في السكن اللائق، باعتباره عنصرًا أساسيًا من عناصر الحياة الكريمة. ويشمل هذا الحق أمن الحيازة، وإمكانية الحصول على الخدمات الأساسية، والعيش في بيئة آمنة وصحية، والحماية من الإخلاء القسري والتهجير غير المشروع.
وتتضاعف أهمية هذا الحق أثناء النزاعات المسلحة، لأن فقدان المسكن يقود إلى سلسلة ممتدة من الانتهاكات الأخرى. فالأسرة التي تفقد منزلها كثيرًا ما تفقد مصدر دخلها، وتنقطع عن الخدمات الصحية، ويتوقف أطفالها عن الدراسة، وتتراجع قدرتها على الوصول إلى المياه والغذاء والرعاية الاجتماعية. وبهذا يتحول فقدان المنزل إلى بداية دائرة واسعة من الهشاشة الإنسانية، قد تستمر آثارها سنوات طويلة بعد توقف العمليات العسكرية.
وقد أظهرت الحرب في السودان أن استهداف المناطق السكنية يخلّف أضرارًا تتجاوز الخسائر المادية، ويحدث تغيرات عميقة في البنية الاجتماعية. فالأحياء التي جمعت الجيران والعائلات تفرقت، وشبكات التضامن المجتمعي ضعفت، وفقد كثير من الناس شعورهم بالانتماء إلى الأماكن التي عاشوا فيها سنوات طويلة. ومع فقدان الإنسان منزله، يفقد جزءًا من ذاكرته الشخصية، وتاريخه العائلي، وإحساسه بالاستقرار الذي يحتاج إليه لبناء مستقبله.
كما تحملت النساء جانبًا كبيرًا من أعباء هذه الأزمة. ففي مراكز الإيواء المؤقتة تواجه كثيرات صعوبات في توفير الخصوصية والأمان لأسرهن، وتتزايد المسؤوليات المرتبطة برعاية الأطفال، وكبار السن، والمرضى، وترتفع مخاطر العنف والاستغلال داخل البيئات المكتظة التي تفتقر إلى الخدمات والحماية الكافية. كما يواجه الأطفال آثارًا نفسية عميقة بسبب الانتقال المتكرر، وفقدان البيئة المألوفة، والانقطاع عن الدراسة، وهي آثار تنعكس على نموهم واستقرارهم النفسي والاجتماعي.
وتمتد آثار الحرب إلى تحديات قانونية معقدة تتعلق بحقوق الملكية وإثبات الحيازة، إذ فقد كثير من المواطنين وثائقهم الرسمية أثناء النزوح، وتعرضت سجلات الأراضي والعقارات للتلف أو الضياع، الأمر الذي قد يفتح المجال أمام نزاعات طويلة حول الملكية بعد انتهاء الحرب. ومن هنا تبرز أهمية حماية السجلات الرسمية، وتوثيق الأضرار، وإنشاء آليات قانونية عادلة تعيد الحقوق إلى أصحابها، وتمنع نشوء صراعات جديدة حول الأراضي والمساكن.
ويمثل السكن أحد الملفات المركزية في العدالة الانتقالية خلال مرحلة ما بعد النزاعات، فإعادة بناء السلام تشمل إعادة الحقوق إلى أصحابها، وتعويض المتضررين، وتهيئة الظروف التي تسمح بعودة النازحين واللاجئين بصورة آمنة وطوعية وكريمة. واستعادة المنزل بالنسبة إلى كثير من الأسر تعني استعادة جزء من حياتها، واسترجاع قدرتها على التخطيط للمستقبل بعد سنوات من الخوف وعدم اليقين.
كما تحتاج إعادة الإعمار إلى رؤية شاملة تضع الإنسان في مركز العملية، فتشمل تشييد المساكن، وإعادة الخدمات الأساسية، وتأهيل المدارس والمراكز الصحية، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء والاتصالات والطرق والجسور، حتى تستعيد المجتمعات المحلية قدرتها على الحياة والإنتاج والاستقرار. فإعمار المباني من دون إعادة بناء البيئة الاجتماعية والخدمية يترك المجتمعات داخل فراغ عمراني عاجز عن توفير شروط الحياة الكريمة، وهو ما تشهده حرفياً العاصمة الخرطوم التي يتنادى للعودة إليها رئيس وزارء سلطة الأمر الواقع وحكومته.
تقع مسؤولية حماية الحق في السكن على جميع أطراف الحرب. لأن احترام المدنيين وممتلكاتهم يمثل أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني، وكل اعتداء على المساكن المدنية، أو استخدام لها بصورة تعرض سكانها للخطر، يخلّف آثارًا إنسانية عميقة تمتد إلى المجتمع كله، وتؤخر فرص التعافي، وتضاعف كلفة إعادة الإعمار، وتزرع أسبابًا جديدة للنزاعات المستقبلية.
وقد أثبتت التجارب الدولية أن العودة الآمنة للنازحين تمثل إحدى الركائز الأساسية لبناء السلام المستدام، إذ يصعب الحديث عن استقرار حقيقي مع بقاء ملايين المواطنين بعيدًا عن بيوتهم، أو استمرار مخاوفهم من العودة بسبب انعدام الأمن، أو غياب الضمانات القانونية، أو فقدان الخدمات، ولهذا تمثل حماية الحق في السكن استثمارًا في السلم الاجتماعي، واستعادة الثقة بين المواطن والدولة، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.
والبيت هو نقطة البداية في حياة الإنسان، ومنه تبدأ الأسرة، وتتكون الذكريات، ويترسخ الإحساس بالانتماء، والمجتمعات التي تفقد بيوتها تحتاج إلى أكثر من الإسمنت ومواد البناء، فهي تحتاج إلى العدالة، والضمانات القانونية، وسياسات عامة تعيد للإنسان شعوره بالأمان، وتكفل حقه في العيش الكريم، وتحمي ذاكرته وملكيته وصلته بالمكان. وأكثر الفئات التي فقدت حق الحماية وتوفير المسكن هم أولئك الذين دفعوا من معاشهم ومدخراتهم لأجهزة استثمارية نُهبت أموالها وبُددت في الحرب الحالية.
ومن زاوية أوسع وأشمل، ينبغي أن يتحول الحق في السكن إلى أحد مرتكزات العقد الاجتماعي السوداني الجديد، بحيث تصبح قدرة الدولة على حماية المواطن من التهجير، وصون ملكيته، وتأمين عودته، وتعويضه عن الضرر، معيارًا لشرعيتها وعدالة مؤسساتها. فإعادة بناء السودان تتطلب سياسة وطنية للسكن والتعافي العمراني، تربط بين العدالة الانتقالية، والتخطيط الحضري والريفي، وحماية الأرض، وإدارة الملكية، وإعادة الخدمات، وتمنع تحويل الإعمار إلى مجال جديد للمضاربة أو الإقصاء أو الاستيلاء على حقوق الضعفاء.
كما تقتضي المرحلة المقبلة إنشاء سجل وطني موحد للأضرار والملكيات، وآلية مستقلة للنظر في دعاوى السكن والأرض، وجهازاً متخصصاً في استرداد الأراضي التي نهبها رموز النظام السابق قبل وبعد انقلاب أكتوبر 2021م، وصندوقًا وطنيًا للتعويض وإعادة الإعمار، وبرامج تراعي احتياجات النساء، والأطفال، والأشخاص ذوي الإعاقة، والأسر التي فقدت معيلها، وتحتاج العودة إلى ترتيبات أمنية وخدمية واقتصادية متكاملة، لأن إعادة الأسرة إلى منزلها وسط غياب الأمن والمياه والتعليم والصحة تضعها أمام نزوح جديد بصورة مؤجلة.
إن استعادة البيوت جزء من استعادة الدولة نفسها، فالدولة التي تعيد المواطن إلى مسكنه، وتحمي حقه في الأرض، وتمنحه ضمانات البقاء، تعيد بناء رابطة الثقة بين السلطة والمجتمع. أما ترك ملف السكن رهينة للفوضى، والقوة المسلحة، والمصالح الاقتصادية، فيفتح الطريق أمام تغييرات سكانية قسرية، ونزاعات ملكية ممتدة، وخرائط اجتماعية جديدة تحمل داخلها أسبابَ حرب أخرى، ونرى بأم أعيننا إرهاصات تحول معسكرات النزوح إلى المدن وهي تتحول إلى نواة أزمات جديدة تخلق صراعات جديدة.
إن السلام حق، والسكن الآمن حق، والكرامة حق، ووطن يحمي الإنسان وملكيته وذاكرته هو الأساس الذي يستحقه كل سوداني. وحماية هذا الحق تمثل خطوة جوهرية نحو استعادة المجتمع، وإعادة بناء الثقة، وتأسيس دولة تجعل السكن ضمانة للمواطنة والاستقرار، وتضع كرامة الإنسان في صدارة مشروعها الوطني.
ختاماً: أبعد من ذلك كله يمثل الحق في السكن جوهر المعركة على معنى الدولة بعد الحرب، لأن المنزل يجمع في مساحته الصغيرة حقوقًا كبرى: الأمن، والملكية، والهوية، والذاكرة، والانتماء، واستمرار الأسرة، وصلتها بالمجتمع والمكان. ومن ثم فإن إعادة الإعمار التي تكتفي بإقامة الجدران تعيد شكل المدينة وتترك أسباب انهيارها كامنة تحت الركام. أما الإعمار الوطني الحقيقي فيبدأ باستعادة الحق، وكشف أنماط الاستيلاء، وحماية السجلات، وتسوية نزاعات الأرض، وضمان العودة الطوعية الآمنة، وتعويض المتضررين، وإشراك المجتمعات في رسم مستقبل أحيائها وقراها.
ويتطلب ذلك سياسة تأسيسية تمنع تحويل الحرب إلى وسيلة لإعادة توزيع السكان والثروة والعقار، وتحظر مكافأة القوة المسلحة بمنحها الأرض أو النفوذ، وتغلق الطريق أمام شبكات المال التي قد تستثمر في الخراب لشراء أملاك المنهكين بأثمان زهيدة، فتتحول المأساة الإنسانية إلى مشروع جديد لتركيز الثروة وإقصاء أصحاب الحقوق. وتحتاج الدولة المقبلة إلى منظومة متكاملة تضم سجلًا وطنيًا رقميًا للملكية والأضرار، وهيئة مستقلة للعودة والتعويض، وقضاءً متخصصًا في منازعات الأرض والسكن، وصندوقًا عامًا للإعمار يخضع للشفافية والرقابة، وخططًا تراعي العدالة بين الأقاليم، وتحفظ حقوق النساء والورثة والأسر التي فقدت وثائقها أو معيلها. كما ينبغي أن تقترن العودة بالأمن، والتعليم، والصحة، والمياه، وسبل العيش، لأن الأسرة التي تسترد منزلًا وسط الخوف والبطالة وانهيار الخدمات تبقى معرضة لرحلة نزوح جديدة.
وعند هذه النقطة يصبح السكن معيارًا لصدق السلام نفسه. فالسلام الذي يعيد السلطة ويترك الناس بعيدين عن بيوتهم سلام ناقص. والتسوية التي توقف القتال وتغفل حقوق الملكية والعودة تحمل داخلها بذور صراع لاحق. أما الدولة التي تعيد الإنسان إلى بيته، وتحمي ذاكرته، وتصون حقه في المكان، وتمنحه قدرة حقيقية على استئناف حياته، فإنها تستعيد شرعيتها عبر فعل ملموس يراه المواطن في أمن أسرته وسقف منزله ومستقبل أطفاله.
ومن هنا يمكن أن يتحول الإعمار من مشروع إسمنتي إلى عملية مصالحة وطنية كبرى، تسترد بها المجتمعات حقها في المدينة والقرية، ويستعيد بها السودانيون ثقتهم في أن الوطن مساحة للحياة المشتركة، وأن الدولة عهد لحماية الإنسان، وأن البيت الذي يعود إليه صاحبه آمنًا يصبح أول حجر في بناء سلام قادر على الصمود، وأول دليل على أن السودان غادَر زمن الاقتلاع ودخل زمن العدالة والاستقرار والانتماء.