ضرورة التحول من إدارة الأزمة إلى شروط الحل
نهلة فاروق أبوعيسى
نستهل هذا المقال بطرح اسئلة محورية دون الإجابة عليها ستظل الصورة ضبابية…
هل يمكن إيقاف الحرب في السودان والتوصل إلى حلول دون شروط تحد من الأهداف الجيوسياسية الإقليمية؟
هل ينجح اتفاق أديس أبابا في معالجة الأزمة بمواقف مجزأة؟ داخلية فقط؟
وهل يتحقق الحل في غياب صوت سوداني صريح لوضع حد للتدخلات الإقليمية التي تتحكم في مسار الحرب ومستقبل البلاد واستقرارها؟
ظلت المبادرات الدولية والإقليمية منذ اندلاع الحرب في السودان تركز على معالجة أعراض الأزمة وتفاصيلها الداخلية، في حين بقي العامل الخارجي على هامش التحليل، يُشار إليه إشارة عابرة ولا يُواجه بوصفه جوهر المشكلة.
اعلان أديس ابابا 2026، أسوة بما سبقه من مبادرات برلين والرباعية ونيروبي وجدة، أكد على متطلبات سودانية مشروعة بعيدة المدى: بناء الدولة المدنية، استكمال التحول الديمقراطي، تحقيق العدالة الانتقالية، وتوزيع السلطة والثروة. غير أن هذه الأهداف، مهما بلغت من الدقة، ستظل حبيسة الوثائق ما لم تُعالج الجذور الكامنة للحرب خارج الحدود.
وبعد ثلاث سنوات من الصراع، لم يعد خافياً أن استمرار الحرب لم يكن نتاج الاختلالات الداخلية وحدها، بل هو أيضاً صناعة إقليمية مكتملة الأركان. فقد وجدت قوى إقليمية في تفتت السودان فرصة لإعادة رسم خرائط النفوذ، وتأمين التموضع الاستراتيجي، وتحويل موارده إلى أدوات في صراعاتها التنافسية.
من هنا تبرز مركزية هذا المقال: لا إيقاف للحرب دون تفكيك التدخلات الخارجية، ولا سلام مستدام دون ضمانات ملزمة توقف تدفق السلاح، وتجف منابع اقتصاد الحرب، وتفرض إرادة سياسية حقيقية على الأطراف الوسيطة المتورطة.
فالمطلوب اليوم ليس مبادرة جديدة تضاف إلى قائمة التوازي والتجزئة، بل مقاربة مختلفة تضع العامل الخارجي في صلب التحليل، وتعامل ملف السودان باعتباره قضية أمن قومي دولي لا تحتمل المساومة.
المبادرات المحدودة الأثر
بعد دخول الحرب عامها الرابع، أنتجت النقاشات الوطنية والإقليمية والدولية أربع مبادرات رئيسة:
1/ الرباعية: آلية ضغط دولية تقوم على المزاوجة بين الحوافز والضغوط.
2/ برلين: منصة لإعادة تموضع القوى المدنية وتحديد بوصلتها السياسية.
3/ نيروبي: محاولة لتوحيد الجسم المدني والاتفاق على أن الحل السياسي مدخل لصياغة ملامح الدولة المدنية.
4/ أديس ابابا: توافق على المعالم السياسية لأسس بناء الدولة ومعالجة جذور الأزمة.
أما مسارات جدة والمنامة وجنيف، فكانت مسارات تفاوضية وإنسانية ركزت على حماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية والبحث عن وقف لإطلاق النار.
ظلت كل هذه المبادرات محدودة الأثر بسبب قصر آليات التنفيذ على المستوى الرسمي والاجتماعات المغلقة، وغياب الضمانات الملزمة، وتعذر تحويل التفاهمات إلى اتفاق سياسي متكامل. فأدى ذلك إلى تجزئة التوافق بين القوى المختلفة وتشتيت المواقف.
والمشكلة الجوهرية لا تكمن في مضمون الاتفاقات فحسب، بل في أن كل مبادرة وُلدت في سياق مستقل وبمنطق مختلف، من دون آلية حقيقية لدمجها في مسار موحد. فلم ينتج عن تعددها زخم تراكمي، بل كشف عن توازٍ غير منسق، وفي أحيان كثيرة تنافس ضمني بين مسارات كان يفترض أن تتكامل.
أسئلة المرحلة..
عند هذه المحطة تبرز أسئلة جوهرية: ما موقعنا من المعطيات الخارجية؟ وكيف نبني ضغطاً فاعلاً؟ وما المرتكزات التي ينبغي أن تحكم تحركاتنا المقبلة لإيقاف الحرب دون تجزئة ودون تردد؟
قد تمثل المرحلة الراهنة الفرصة الأخيرة أمام السودانيين لرفع صوت موحد يتصدى للقضايا التي تعيق وقف الحرب وتعطل السلام:
1/ غياب ضغط واضح وصريح لوقف التسليح.
2/ ضعف الإرادة السياسية الحقيقية لدى الأطراف الخارجية، بما فيها طرفي النزاع.
3/ استغلال الحرب لأغراض التموضع الاستراتيجي والاقتصادي والأمني في الإقليم.
4/ قيام اقتصاد حرب يفيد أطراف النزاع والدول المحيطة ويعرقل مساعي السلام.
5/ غياب ضمانات وعقوبات واضحة تكفل الالتزام الدولي والإقليمي، خاصة فيما يتعلق بوقف التسليح وتقديم مصلحة السودان على مصالح الدول المتدخلة.
6/ محدودية كل مبادرة بذاتها وقصورها عن تحقيق الأهداف المرجوة.
7/ غياب تصور موحد لدمج المبادرات في مسار متسق.
مداخل الحل..
– وقف التسليح شرطاً مسبقاً: استمرار تدفق السلاح هو العائق الأبرز أمام السلام. فبدون تجفيف منابعه تتحول أي هدنة إلى توقف مؤقت، ويصبح أي حوار تفاوضاً تحت تهديد السلاح.
– إنهاء اقتصاد الحرب: الحد من استفادة أطراف النزاع وبعض القوى الإقليمية من موارد السودان، وربط ذلك بمنظومة ضمانات وعقوبات تقلص حوافز استمرار القتال.
– صناعة الإرادة السياسية أو فرضها: تداخل المصالح الخاصة لدى بعض أطراف الوساطة وانخراطها غير المباشر في تمويل الحرب كان سبباً رئيساً في إفشال المبادرات. وطالما الجهة الوسيطة متورطة في إطالة أمد الحرب، فلن تتجاوز النتيجة إدارة الأزمة.
– رفع مستوى إدارة الملف: نقل ملف السودان ووقف التسليح من مستوى المبعوثين إلى المستوى الوزاري، وتحويله من ملف لإدارة الأزمة إلى ملف أمن إقليمي ودولي.. تحت إشراف مجموعة رفيعة تضم وزير خارجية الولايات المتحدة، ووزير خارجية بريطانيا، والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي.
بهذا الترفيع يتوفر تفويض لمجموعة ذات صلاحية قرار وتنفيذ، قادرة على فرض عقوبات فورية وفتح قنوات رقابة دولية وتوحيد الموقف الغربي والأفريقي في مواجهة أي جهة تنتهك حظر التسليح أو تستغل موارد السودان. ويقتضي ذلك نقل الملف إلى مستوى الأمن الدولي، مع إسناده بضمانات دولية وإقليمية ومحلية، وآليات متابعة واضحة، وربط أي إخلال بعقوبات محددة وناجعة.
المعادلة الفعالة المقصودة..
لا انتقال ديمقراطي دون وقف الحرب، ولا وقف للحرب دون تجفيف منابع السلاح ووقف الاستثمار في محنة السودان.
الخلاصة..
تتفق المبادرات الدولية والإقليمية حول ملف السودان في جوهرها على هدف وقف الحرب، لكن نجاحها مرهون بتبني القوى السياسية مقاربة جديدة أكثر واقعية وشمولاً وجرأة، تربط المبادئ بالخطوات التنفيذية، وتكسر الحلقة الداخلية-الخارجية الشريرة.. التي ظلت تعيد إنتاج الأزمة.
فكيف يمكن الوصول إلى حل مع استمرار إخفاء جوهر المشكلات؟
يفتح التقدم في عملية ايقاف الحرب ابواب الأمل وآفاق وقوف الحرب ولكن ايضا لابد من مواجهة الحقائق بشكل يجعل من هذا الأمل واقع.