د. العبيد أحمد العبيد
“من المهم ضمان تحقيق العدالة، وإنصاف الضحايا والتخفيف من معاناتهم، من أجل الأجيال القادمة”.
هكذا ذكّرنا الدكتور أمين مكي مدني، عليه رحمة الله في مداخلة أمام لجنة الاتحاد الأفريقي بشأن دارفور عام 2009. مرت أعوام على رحيله. لي عظيم الفخر بأنني أحد تلاميذه من خلال الدراسة والعمل في مجال حقوق الإنسان.
في المقال الأول من هذه السلسلة، كان السؤال الأساسي هو: أين يمكن أن يُحاكم مرتكبو جرائم الحرب وغيرها من الجرائم الدولية الخطيرة التي ارتُكبت في السودان؟. وقد قادنا ذلك إلى بحث الاختصاص القضائي، بما فيه الاختصاص الإقليمي والشخصي، ومبدأ الاختصاص العالمي، فضلاً عن دور المحكمة الجنائية الدولية. لكن الاختصاص، مهما اتسعت حدوده، لا يكفي وحده لتحقيق العدالة.
فقد تكون المحكمة مختصة، وتكون الجريمة ثابتة من حيث طبيعتها القانونية، وتتوفر إرادة الملاحقة، بينما يوجد المتهم في دولة أخرى، أو تكون الأدلة والشهود والحسابات المصرفية والوثائق والسجلات الإلكترونية موزعة بين عدد من الدول. هنا ننتقل من سؤال: من يملك حق المحاكمة؟ إلى سؤال مختلف: كيف يمكن ممارسة هذا الحق عندما تعبر الجريمة ومرتكبوها وأدلتها حدود الدولة؟.
من هنا تأتي أهمية تسليم المطلوبين والتعاون القضائي الدولي. وهما ليسا، بالمعنى التقليدي، من آليات العدالة الانتقالية مثل المحاكمات أو تقصي الحقائق أو جبر الضرر أو الإصلاح المؤسسي. ولكنهما، في حالة السودان، قد يصبحان من أهم البنى التحتية القانونية للمساءلة. فعدالة ما بعد الحرب لن تبدأ وتنتهي داخل الحدود السودانية.
ما هو تسليم المطلوبين؟
يقصد بتسليم المطلوبين، بصورة عامة، الإجراء القانوني الذي تقوم بموجبه دولة يوجد شخص على إقليمها بتسليمه إلى دولة أخرى تطلبه من أجل محاكمته عن جريمة معينة، أو لتنفيذ حكم جنائي صدر ضده.
وتبدو الفكرة بسيطة، لكنها قانونياً ليست كذلك. فوجود شخص مطلوب في دولة أجنبية لا يعطي السودان، أو أي دولة أخرى، حقاً تلقائياً في استرداده. فالتسليم يخضع للقانون الداخلي للدولة المطلوب منها التسليم، وللاتفاقيات الثنائية أو متعددة الأطراف النافذة بينها وبين الدولة الطالبة، وفي بعض النظم لمبدأ المعاملة بالمثل، كما يخضع بصورة متزايدة لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان.
ومن المهم التمييز بين التسليم وبين إجراءات أخرى قد تتشابه معه ظاهرياً. فالترحيل أو الإبعاد إجراء يتعلق أساساً بقوانين الهجرة والإقامة، بينما التسليم إجراء من إجراءات التعاون الجنائي تحيط به ضمانات قضائية. كما يجب التمييز بين تسليم شخص من دولة إلى دولة وبين تسليم أو نقل شخص إلى محكمة جنائية دولية. وهذه التفرقة لها أهمية خاصة بالنسبة للسودان في ضوء الوضع القانوني الخاص بقضايا دارفور أمام المحكمة الجنائية الدولية.
ولا يعني قرار التسليم أن الدولة التي وافقت عليه قد قررت أن المطلوب مذنب. فهي لا تحاكمه عن الجريمة الأصلية، وإنما تبحث، في المقام الأول، ما إذا كانت الشروط القانونية لتسليمه إلى الدولة الطالبة قد استوفيت.
وتتضمن قوانين واتفاقيات التسليم عادة عدداً من الشروط والقيود، من بينها جسامة الجريمة، وازدواجية التجريم في كثير من الحالات، وعدم جواز محاكمة الشخص عن جرائم غير تلك التي تم التسليم بسببها إلا وفق شروط معينة، ومبدأ عدم محاكمة الشخص مرتين عن الفعل نفسه، فضلاً عن قيود تتعلق أحياناً بالجرائم السياسية أو بجنسية المطلوب.
لكن بالنسبة للسودان، قد لا تكون هذه المسائل التقليدية هي العقبة الأكبر.
عندما تصبح حالة القضاء السوداني قضية دولية
تطورت قواعد التسليم بصورة جعلت حقوق الشخص المطلوب تسليمه جزءاً أساسياً من العملية. فلم يعد من المقبول النظر إلى التسليم باعتباره مجرد ترتيب بين حكومتين لا شأن للفرد المعني به.
ولهذا تستطيع محاكم بعض الدول رفض التسليم عندما توجد أسباب جدية للاعتقاد بأن الشخص سيواجه التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، أو في ظروف معينة، انتهاكاً بالغاً لحقه في المحاكمة العادلة. كما تشكل عقوبة الإعدام عائقاً مهماً أمام التسليم من عدد من الدول، ما لم تقدم ضمانات مقبولة بعدم توقيعها أو تنفيذها.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات صعوبة بالنسبة لمستقبل العدالة الانتقالية في السودان.
فمن الطبيعي أن تقول حكومة سودانية مستقبلية: إن هذه الجرائم ارتكبت في السودان، وضحاياها سودانيون، والأدلة الأساسية موجودة في السودان، ولذلك يجب أن يحاكم مرتكبوها أمام القضاء السوداني. وقد يكون لهذا الموقف أساس قانوني وأخلاقي قوي. ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الدولة التي يوجد فيها المتهم ستكون مستعدة، أو حتى قادرة قانوناً، على تسليمه.
ستطرح محاكم تلك الدولة أسئلة قد تكون محرجة ولكنها مشروعة: هل توجد في السودان سلطة قضائية مستقلة؟ هل يستطيع المتهم الحصول على محامٍ وعلى محاكمة عادلة؟ ما هي أوضاع السجون؟ هل يوجد خطر التعذيب أو سوء المعاملة؟ هل يمكن للشهود والمحامين العمل دون خوف؟ هل المحاكمة جنائية حقيقية أم تصفية حسابات سياسية؟ وهل يمكن أن يُحكم على الشخص بالإعدام؟.
هذه الأسئلة تجعل إصلاح القضاء السوداني (كأحد مفردات العدالة الانتقالية) جزءاً من قدرة السودان على استعادة المطلوبين من الخارج، وليس مجرد شأن داخلي يؤجل إلى مرحلة لاحقة.
عقوبة الإعدام ومعضلة التسليم
تكتسب عقوبة الإعدام أهمية خاصة هنا. فوجودها في القانون السوداني قد يعرقل تسليم بعض المطلوبين من دول ألغت العقوبة وتفرض قوانينها أو التزاماتها الحقوقية قيوداً صارمة على التسليم عندما يواجه الشخص احتمال الحكم عليه بالإعدام. طبعا بإمكان الحكومة إعطاء ضمانات بعدم تنقيذ عقوبة الإعدام على المطوبين في هذه الحالة.
وقد تظهر هذه المشكلة بصورة خاصة إذا وُجد مشتبَه بهم سودانيون في دول مثل المملكة المتحدة وكندا وهولندا وسويسرا. ولا تتطابق قوانين هذه الدول، ولا ينبغي وضعها جميعاً في قالب قانوني واحد، ولكن احتمال عقوبة الإعدام، إلى جانب ضمانات المحاكمة العادلة وظروف الاحتجاز، يمكن أن يشكل عائقاً جدياً أمام التسليم إلى السودان.
أما الولايات المتحدة فهي حالة مختلفة لأنها لم تلغِ عقوبة الإعدام على المستوى الاتحادي وفي عدد من الولايات. ولكن هذا لا يعني أن تسليم أي مطلوب إلى السودان سيكون تلقائياً، أو أن قضايا المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان لن تكون ذات أهمية. فالتسليم يخضع في كل حالة للقانون الأمريكي وللأساس القانوني للطلب وللإجراءات القضائية والتنفيذية ذات الصلة، هذا إذا كانت هنالك إدارة أمريكية تلتزم بالقانون (خاصة الدولي) وتمتلك الرغبة السياسة والأخلاقية في ملاحقة مجرمي الحرب. ببساطة: باب النجار الأمريكي القانوني والأخلاقي مخلَّع حالياً.
وهذه ليست مسألة نظرية، بالنظر إلى حجم الجاليات السودانية وانتشار السودانيين في عدد كبير من الدول.
التعاون القضائي أوسع بكثير من التسليم
التركيز على تسليم المتهمين وحده قد يحجب جزءاً أكبر من الصورة. فالمساءلة الدولية الحديثة تعتمد على منظومة واسعة من التعاون القضائي والمساعدة القانونية المتبادلة.
قد يحتاج النائب العام السوداني، مثلاً، إلى شهادة شخص يقيم في دولة أخرى، أو إلى مستندات مصرفية أو سجلات شركات أو بيانات رقمية محفوظة خارج السودان. وقد يحتاج إلى تحديد مكان شاهد أو تبليغه، أو الحصول على وثائق رسمية، أو المحافظة على دليل معرَّض للضياع، أو تنفيذ طلب قضائي بواسطة سلطات دولة أخرى.
وهكذا، إذا كان التسليم ينقل الشخص المطلوب عبر الحدود، فإن التعاون القضائي يسمح للأدلة والمعلومات والإجراءات القانونية بأن تعبر تلك الحدود أيضاً.
وتنظم اتفاقيات دولية متعددة جوانب من هذه المسائل. فهناك الاتفاقيات الثنائية والإقليمية، إلى جانب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وغيرها من الأطر الدولية. ويضاف إلى ذلك، في الحالة السودانية، النظام الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق باحالة دارفور.
لذلك سيكون من الخطأ اختزال مستقبل التعاون الدولي في السؤال: هل ستسلم دولة معينة فلاناً إلى السودان؟ فالسؤال الحقيقي أوسع: ما هي منظومة التعاون التي يحتاج إليها السودان لكي يتمكن من إجراء تحقيقات ومحاكمات موثوقة؟.
القانون السوداني: إطار قديم أمام واقع جديد
للسودان تشريع خاص بتسليم المجرمين الهاربين يعود إلى عام 1957. وقد تناول القانون إجراءات طلب التسليم والقبض على المطلوب والتحقيق القضائي والتسليم والطعن وبعض المسائل المتعلقة بالأدلة.
لكن مجرد تاريخ صدور القانون يكشف جزءاً من المشكلة. فقد صُمِّم الإطار التشريعي السوداني للتسليم في سياق قانوني ومؤسسي يختلف جذرياً عن واقع الجرائم الدولية والتكنولوجيا الحديثة والتعاون القضائي المعاصر. كما أن تغيُّر قوانين الإجراءات الجنائية والمؤسسات القضائية خلال العقود التالية أثار بدوره مسائل تتعلق بمدى اتساق بعض أحكام النظام القديم مع البنية القانونية اللاحقة.
ولذلك فإن من أولويات أي مرحلة انتقالية جدية إجراء مراجعة شاملة لقوانين السودان واتفاقياته الخاصة بالتسليم والمساعدة القانونية المتبادلة والتعاون القضائي الدولي، وليس مجرد محاولة استخدام التشريعات القائمة كما هي.
مفارقة التعاون في سودان ما بعد الحرب
لكن المشكلة الأخطر ليست في النصوص وحدها.
لقد تعرض النظام القضائي السوداني ومؤسسات إنفاذ القانون لانهيار بالغ خلال الحرب، فوق مشكلات سبقتها بسنوات من التسييس والفساد وضعف الاستقلال والكفاءة. وسوف تحتاج إعادة بناء المحاكم والنيابات والشرطة والمؤسسات العدلية إلى وقت وإرادة سياسية وموارد بشرية ومادية كبيرة.
وهنا تظهر مفارقة التعاون: كلما انهارت المؤسسات السودانية، ازدادت حاجة السودان إلى تعاون الدول الأجنبية؛ ولكن كلما ازداد ذلك الانهيار، أصبح من الأصعب إقناع المحاكم والحكومات الأجنبية بتسليم المتهمين، أو وضع الأدلة الحساسة تحت تصرف مؤسسات سودانية لا تتمتع بعدُ بالاستقلال والكفاءة والثقة.
وهذا يعني أن بناء المؤسسات ليس نتيجة لاحقة للعدالة الانتقالية فقط، بل قد يكون شرطاً لبدئها.
أين يمكن أن يوجد المطلوبون؟
الجغرافيا السياسية للحرب السودانية تجعل المسألة أكثر تعقيداً. فقد يوجد مشتبَه بهم أو أشخاص قد تطلبهم العدالة مستقبلاً في دول الجوار مثل مصر وتشاد وجنوب السودان وكينيا وأوغندا، أو في المملكة العربية السعودية ودول أخرى.
وهنا لا تعمل قواعد القانون في فراغ. فالعلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية مع الأطراف السودانية، والمصالح الإقليمية، وجنسية الشخص المطلوب ووضعه القانوني، والاتفاقيات النافذة، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في التعاون.
وتصبح المسألة أكثر حساسية في حالات دول مثل الإمارات العربية المتحدة وتركيا وماليزيا (حيث يقبع الكثير من مجرمي الحرب وأموالهم)، في ضوء العلاقات السياسية والاقتصادية التي نشأت خلال السنوات الماضية بين أطراف وشخصيات سودانية مختلفة وهذه الدول. وأي حديث عن وجود أشخاص بعينهم في دولة محددة يجب بالطبع أن يقوم على معلومات موثوقة، لا على الشائعات السياسية المتداولة.
ولكن المبدأ العام يبقى مهماً: قد يسمح القانون بالتسليم بينما تعرقله السياسة، وقد ترغب الحكومة في التسليم بينما تمنعه المحاكم. ومن الضروري التمييز بين الحالتين.
وإذا تعذَّر التسليم؟
رفض دولة تسليم مشتبَه به إلى السودان لا ينبغي أن يعني الإفلات من العقاب.
فقد يكون من الممكن، وفق القانون المعمول به والوقائع المتاحة، التحقيق معه أو محاكمته في الدولة التي يوجد فيها، خصوصاً عندما يسمح قانونها بممارسة الاختصاص العالمي على بعض الجرائم الدولية كما ذكرنا في المقال الأول. وقد توجد دولة ثالثة تملك الاختصاص، أو تكون المحكمة الجنائية الدولية هي الجهة المختصة في قضية معينة.
وهنا نعود إلى ما ناقشناه في المقال الأول. فقد نجد أمام مفارقة أخرى: دولة تؤمن بقوة بالمساءلة عن الجرائم الدولية، لكنها ترفض تسليم المتهم إلى السودان لأنها لا تثق في ضمانات المحاكمة هناك، بينما تكون مستعدة للتحقيق معه ومحاكمته أمام قضائها هي.
ولذلك يجب ألا يكون هدف العدالة الانتقالية هو الإصرار على أن تتم كل محاكمة داخل السودان، وإنما ضمان وجود عدالة مشروعة ومستقلة وذات مصداقية، مع إعطاء الأولوية الطبيعية للقضاء السوداني عندما تتوفر لديه القدرة والاستقلال والضمانات اللازمة.
الجاليات السودانية: من الغضب إلى المعرفة القانونية
وهنا يمكن للجاليات السودانية في الخارج أن تؤدي دوراً مهماً.
ولا يعني ذلك أن تتحول مجموعات الناشطين إلى محققين جنائيين، أو أن تصدر أحكامها على الأشخاص في وسائل التواصل الاجتماعي. بل المطلوب أن تبدأ هذه الجاليات في التثقيف القانوني المنظم حول القوانين والآليات المتاحة في الدول التي تعيش فيها.
يمكن التواصل مع المحامين ونقاباتهم، والمنظمات الحقوقية المتخصصة، والجامعات، ومنظمات الضحايا، والمؤسسات العاملة في مجال العدالة الجنائية الدولية. ويمكن مساعدة الضحايا والشهود في معرفة الجهات المختصة والطرق القانونية لتقديم المعلومات والشكاوى.
لكن توثيق الأدلة وحماية الشهود وسرية المعلومات وسلسلة حيازة الأدلة مسائل فنية دقيقة. وقد يؤدي النشاط غير المهني إلى الإضرار بقضية كان القصد خدمتها.
المطلوب من الجاليات السودانية ألا تتحول إلى محاكم في المهجر، بل إلى مجتمعات أكثر معرفة بالقانون وقادرة على فتح أبواب العدالة أمام المؤسسات المختصة.
ماذا ينبغي أن يفعل السودان؟
على أي سلطة انتقالية مستقبلية أن تبدأ مبكراً في بناء منظومة للتعاون القضائي الدولي. ويتطلب ذلك حصر الاتفاقيات الثنائية والإقليمية والدولية الملزمة للسودان، ومراجعة قانون تسليم المجرمين وغيره من التشريعات، وإنشاء أو تقوية جهة مركزية مختصة بطلبات التعاون القضائي، وتدريب النيابة والقضاء والشرطة على إعداد وتنفيذ طلبات المساعدة القانونية الدولية.
كما يجب وضع قواعد حديثة لحفظ الأدلة الرقمية وسلسلة حيازتها، وحماية الشهود والضحايا، وتبادل المعلومات، وحماية البيانات، والتعامل مع المحكمة الجنائية الدولية والدول التي قد تمارس الاختصاص العالمي.
وسيكون من الضروري أيضاً مواجهة السؤال الصعب حول عقوبة الإعدام. فإذا أصر السودان على الاحتفاظ بها وتطبيقها في قضايا الجرائم الدولية، فقد يجد نفسه عاجزاً عن استرداد بعض المتهمين من الدول التي تشترط عدم تطبيقها. وهذه مفاضلة قانونية وسياسية ينبغي مناقشتها منذ بداية عملية تصميم العدالة الانتقالية، لا بعد رفض أول طلب تسليم.
وفي النهاية، لا تستطيع العدالة أن تعبر الحدود بقوة الشعارات. فالدولة التي تطلب من الآخرين تسليم متهم، أو إرسال دليل، أو حماية شاهد، تطلب منهم في الوقت نفسه أن يثقوا في مؤسساتها وفي العدالة التي ستنتجها تلك المؤسسات.
وهذه ربما هي المعضلة الحقيقية أمام السودان: سيحتاج إلى التعاون الدولي في اللحظة التي تكون فيها مؤسساته الوطنية في أمسّ الحاجة إلى إعادة البناء.
في المقال السابق كان السؤال: أي محكمة يمكن أن تطرق باب مجرم الحرب السوداني؟.
أما السؤال هذه المرة فهو: إذا كان ذلك الباب موجوداً في دولة أخرى، فمن سيفتحه للعدالة؟، وبأي شروط؟.
ويبقى شيء آخر ربما يكون قد عبر الحدود قبل صاحبه، وقد يكون الوصول إليه أصعب من الوصول إلى الأشخاص أنفسهم: الأموال والأصول. وذلك هو الموضوع الأخير في الجانب الخارجي من هذه السلسلة، قبل أن نعود إلى الداخل السوداني.
حرية سلام وعدالة