تعدد الجيوش في السودان: الإشكاليات الهيكلية ومسارات إعادة البناء

تعدد الجيوش في السودان: الإشكاليات الهيكلية ومسارات إعادة البناء

 

بقلم: لواء شرطة (م) د. عصام الدين عباس احمد

مستشار نظم وتكنولوجيا تحليل البيانات

 

لا جدال في ان الدولة المدنية الحديثة لا تقوم إلا على مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، خاضعة لسلطة مدنية، ومحكومة بعقيدة مهنية تفصل الجندية عن الولاءات الإثنية والأيديولوجية. ومن ثمّ، لا خلاف من حيث المبدأ على ضرورة حلّ كل القوى المسلحة خارج الإطار القومي – من قوات الدعم السريع، إلى تشكيلات حركات الكفاح المسلح، وفصيلي الحركة الشعبية شمال، وكتائب الإسلاميين، والتشكيلات القبلية المسلحة مثل قوات درع السودان – غير أنّ التجربة السودانية تُظهر أن التفكيك ليس قراراً إدارياً، بل عملية سياسية-أمنية-مجتمعية معقدة. فهذه التشكيلات لم تنشأ في فراغ، بل كنتاج لعوامل متعددة ومتباينة منها التهميش التاريخي، وانعدام الأمن المحلي، والتوظيف الأيديولوجي والإثني للسلاح من قبل الدولة نفسها. وعليه، فإن السؤال الحقيقي لا يتمثل في مبدأ التفكيك، بل في كيفية إنجازه دون إعادة إنتاج أسباب حمل السلاح الموازي. ومن هنا ينطلق هذه المقال من فرضية أن تفكيك التعدد العسكري لا يمكن أن ينجح إلا عبر مقاربة متكاملة تعالج جذور القضية بقدر ما تعالج مظاهرها، وتربط بين الدمج والتسريح وإعادة الإدماج، والإصلاح المؤسسي للقوات المسلحة، ومعالجة اختلالات المركز والهامش، وإسناد المسار السلمي بحزمة أمنية انتقالية فعالة.

نشأة وتطور الجيوش الموازية: سياقات التكوين

أولا: الدفاع الشعبي: الميليشيا الأيديولوجية

فور استيلاء الاسلاميين على مقاليد الحكم في السودان عام 1989 ابتدعوا نماذج امنية تقوم على تنظيم تشكيلات من منسوبيهم وتسليحهم كقوى موازية للجيش. فقد انشاوا مطلع التسعينات ما اسموه بالدفاع الشعبي بهدف معلن مباشر هو اعانة الجيش في حربهم الدينية التي خاضوها في جنوب السودان وبهدف غير معلن هو اخماد أي انقلاب او تمرد قد يقوده الجيش ضدهم خاصة وهم يعلمون التاريخ السياسي للجيش السوداني وتغلغل كثير من التنظيمات السياسية بين منسوبيه من الضباط مصحوبا بتاريخ متصل من الانقلابات العسكرية. ظلت هذه القوة المليشياوية بلا إطار قانوني حتى العام 2012 حينما صدر قانون الدفاع الشعبي وظلت قوة معترف بها حتى سقوط نظام الاسلامويين في 2019.

ثانيا: حركات دارفور المسلحة: من التهميش إلى التمرد

تكونت حركات التمرد في دارفور كنتيجة مباشرة لعقود من التهميش المنهجي للسكان غير العرب في المنطقة، الأمر الذي أدى إلى اندلاع صراع شامل مطلغ الالفينات. وقد حملت هذه الجماعات السلاح في البداية لمحاربة الحكومة السودانية والميليشيات التابعة لها، والتي اتُهمت بالتطهير العرقي ضد المجتمعات غير العربية، بما في ذلك الفور والمساليت والزغاوة. تقف حركتي العدل والمساواة، وحركة تحرير السودان بجناحيها مني أركو مناوي وعبد الواحد النور على راس هذه الحركات الي جانب اخريات كحركة التحرير والعدالة.

نشأت هذه الحركات في سياق تصاعد هجمات مليشيات الجنجويد على القرى والفرقان في دارفور بدعم من حكومة الإسلاميين آنذاك، وفي ظل شعور متزايد بالتهميش السياسي والاقتصادي. حملت هذه الحركات خطاب “تحرير السودان”، غير أنّها لم تقدّم في كثير من الأحيان تصوراً واضحاً لبنية الدولة البديلة أو لطبيعة “الاستعمار” الذي تعلن التحرر منه، مما أفسح المجال لانقسامات داخلية متكررة.

وبمرور الوقت، تفاقمت ظاهرة التشظي حتى اقترب عدد الحركات المسلحة من ستين تنظيماً، كثير منها محدود التأثير ومبني على ولاءات جهوية أو قبية او شخصية. ومع اندلاع حرب أبريل 2023، انقسمت هذه الحركات بين طرفي النزاع، باستثناء جناح عبد الواحد النور الذي أعلن الحياد، ما يعكس هشاشة الاصطفاف السياسي والعسكري لهذه الكيانات.

ثالثاً: الحركة الشعبية – شمال: الامتداد والانقسام

نشأت الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال في أعقاب انفصال جنوب السودان عام 2011، بوصفها الامتداد التنظيمي والسياسي للحركة الشعبية الأم داخل ولايتي جنوب كردفان (جبال النوبة) والنيل الأزرق، حيث بقيت قطاعات عسكرية وسياسية واسعة من مقاتلي الحركة في الشمال خارج ترتيبات ما بعد الانفصال. وقد تشكّلت الحركة الجديدة على خلفية إخفاق تسوية “المشورة الشعبية” في الولايتين، وتصاعد التوتر بين الحكومة المركزية وقوات الحركة، ما قاد إلى تجدد القتال في منتصف عام 2011. حملت الحركة الشعبية – شمال خطاباً يجمع بين مطالب إعادة هيكلة الدولة السودانية على أسس علمانية ولا مركزية، والدفاع عن حقوق المجتمعات المهمشة في المنطقتين. غير أنّها سرعان ما دخلت في انقسام داخلي عام 2017 إلى جناحين رئيسيين: أحدهما بقيادة عبد العزيز الحلو، يتمركز أساساً في جبال النوبة، والآخر بقيادة مالك عقار، يتمركز في النيل الأزرق، وهو انقسام عكس تباينات في الرؤية السياسية وقواعد الارتكاز الاجتماعية والجغرافية داخل الحركة.

رابعا: قوات الدعم السريع: من أداة إلى قوة موازية

نشأت قوات الدعم السريع خلال حقبة حكم الإسلاميين كقوة تدخل سريع تعتمد أساساً على مقاتلين من قبائل عربية في دارفور، وانضم إليها العديد من عناصر الجنجويد. كان الهدف المعلن هو مساندة للقوات المسلحة، لكن الدور الفعلي تمثل في كسر شوكة حركات دارفور.

منحتها السلطة آنذاك موارد مالية ضخمة وصلاحيات واسعة، وأحاطتها بمظلة قانونية وفرت قدراً من الحصانة، الأمر الذي رسّخ ثقافة الإفلات من العقاب. ومع الزمن، تحولت هذه القوة من أداة أمنية إلى فاعل عسكري وسياسي مستقل، يملك موارد وتسليحاً وشبكات نفوذ، حتى أصبحت في موازاة الجيش القومي من حيث التأثير والقدرة.

خامسا: القوات المشتركة: تحالف الذاكرة والسلطة

برزت خلال حرب أبريل 2023 ما عُرف ب”القوات المشتركة” لحركات دارفور المتحالفة مع الجيش، وهي تشكيل عسكري يضم أساساً فصائل من حركات الكفاح المسلح التي وقّعت اتفاق جوبا واحتفظت ببنيتها القتالية. تنظر هذه القوات إلى الدعم السريع بوصفه الامتداد المباشر لمليشيات الجنجويد التي ارتبط اسمها بالانتهاكات الجسيمة وجرائم التطهير التي استهدفت المجتمعات غير العربية في دارفور، وهي ذات المجتمعات التي تشكّل الحاضنة الاجتماعية الرئيسة لتلك الحركات. ومن ثمّ، فإن اصطفافها إلى جانب الجيش لم يكن فقط تموضعاً سياسياً في معادلة الحرب، بل تعبيراً عن سردية حماية وجودية ورغبة في منع عودة الهيمنة المسلحة للمليشيات التي ترى أنها هدّدت بقاءها التاريخي في الإقليم. وإلى جانب البعد الأمني وذاكرة الانتهاكات، يتقاطع هذا الموقف مع تنازع على السلطة والنفوذ في دارفور، حيث تقدم المشتركة نفسها كممثل شرعي لإقليم دارفور وإدارته، وترى في صعود الدعم السريع منافساً مسلحاً يسعى لإعادة تشكيل موازين السيطرة السياسية والعسكرية في فضاء ظلّ تقليدياً ضمن نفوذها.

سادسا: التشكيلات الطارئة: أسلمة وقبْلنة السلاح

مع اندلاع حرب أبريل 2023، دعا قائد الجيش السوداني المواطنين إلى حمل السلاح، وهو ما أفضى إلى ظهور كتائب وتشكيلات عسكرية مستجدة خارج البنية النظامية، استند بعضها إلى تعبئة أيديولوجية دينية، بينما تشكّل بعضها الآخر على أساس ولاءات قبلية ومحلية. وفي هذا السياق برزت مجموعات ذات خطاب تعبوي ديني مثل “كتائب البراء”، إلى جانب تشكيلات قبلية رعتها سلطة الانقلاب العسكري، من أبرزها ما عُرف بـ”قوات درع السودان”. وتمثل هذه التشكيلات امتداداً لنهج ترسّخ خلال عقود، قوامه عسكرة المجتمع وتسييس الدين والقبيلة، بحيث يُستدعى السلاح أداةً للحشد والتعبئة خارج الأطر المؤسسية للدولة، بما يفاقم تفكك احتكارها المشروع للقوة..

الوضع المثالي: ملامح الجيش القومي المهني الموحّد

في ظلّ تعدد التشكيلات المسلحة، وتآكل احتكار الدولة للقوة، واستمرار النزاع، يتمثل الوضع المثالي للمؤسسة العسكرية في السودان في إعادة بنائها كجيش قومي مهني موحّد، يحتكر استخدام القوة الشرعية، ويخضع بالكامل لسلطة مدنية ديمقراطية، ويعمل ضمن منظومة أمن وطني متكاملة تفصل بين الوظيفة العسكرية ووظائف الأمن الداخلي. ويتأسس هذا النموذج على خمس ركائز رئيسية:

  1. احتكار الدولة الكامل والمنفرد للقوة المسلحة

لا وجود لأي تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية خارج القوات المسلحة القومية، مع حلّ ودمج وتسريح جميع المليشيات والقوات الموازية وفق برنامج وطني شامل، وتجريم حمل السلاح خارج الإطار النظامي، وبسط سيادة الدولة الأمنية على كامل التراب الوطني.

  1. عقيدة عسكرية وطنية غير إثنية وغير أيديولوجية

تُبنى المؤسسة العسكرية على مفهوم المواطنة والولاء الدستوري، لا على الانتماءات القبلية أو العقائد السياسية أو الدينية، مع ترسيخ مبدأ أن الجندية وظيفة وطنية محايدة، وإلغاء أي تشكيلات أو شبكات ولاء داخلية ذات مرجعية جهوية أو أيديولوجية.

  1. خضوع كامل للسلطة والرقابة المدنية

تكون القوات المسلحة تحت القيادة العليا للسلطة التنفيذية المدنية، مع رقابة برلمانية على الميزانية والسياسات الدفاعية، ومنع أي دور سياسي للمؤسسة العسكرية أو أي نشاط اقتصادي الا ما يقتضيه تطوير قدراتها القتالية، بما يضمن مهنيتها وحيادها واستقلالها عن الصراع على السلطة.

  1. هيكل مهني موحّد يعكس التنوع السوداني دون محاصصة

يعتمد التجنيد والترقي والتمثيل داخل الجيش على الكفاءة والمعايير المهنية، مع سياسات تضمن التوازن الجغرافي والعدالة في الفرص دون تحويل التنوع إلى محاصصة إثنية، بحيث يعكس الجيش المجتمع السوداني بوصفه مؤسسة وطنية جامعة لا ائتلاف جماعات.

  1. فصل وظيفي واضح بين الدفاع والأمن الداخلي

تتفرغ القوات المسلحة لمهام الدفاع الوطني وحماية الحدود، بينما تتولى الشرطة المدنية والأجهزة الأمنية المهنية مسؤولية الأمن الداخلي، مع إعادة بناء هذه الأجهزة لتكون قادرة على ملء الفراغ الأمني الذي تستغله التشكيلات المسلحة.

الوضع المثالي ليس مجرد جيش أكبر أو أقوى، بل جيش واحد فقط، ليس فقط موحد القيادة، بل موحد العقيدة والانتماء، ليس فاعلاً سياسياً، بل أداة دستورية للدولة. في السياق السوداني، يعني ذلك الانتقال من “تعدد الجيوش داخل الدولة” إلى “دولة واحدة بجيش واحد”، ومن “أمن الجماعات” إلى “أمن المواطنين. هذا التحول هو الشرط الحاسم لإنهاء دورات الحرب وبناء دولة مستقرة قابلة للحكم الديمقراطي المستدام.

مسار الحل: لماذا التسوية التفاوضية وليس الحسم العسكري؟

يظل تحقيق هدف تفكيك التعدد العسكري وبناء جيش مهني قومي موحّد في السودان رهيناً بمسارين نظريين: مسار الحسم العسكري الشامل، ومسار التسوية التفاوضية الشاملة. غير أنّ القراءة الواقعية لمسار الحرب وتوازناتها ترجّح بوضوح الخيار الثاني بوصفه الطريق العملي الوحيد القابل للتحقق.

فالمسار الأول يفترض انتصاراً عسكرياً حاسماً لأحد طرفي النزاع يعقبه استسلام كامل للطرف الآخر، بما يتيح فرض ترتيبات الدمج والتسريح من موقع الغلبة. إلا أنّ هذا السيناريو يصطدم بحقائق ميدانية وسياسية ثابتة: توازن نسبي للقوى، امتدادات اجتماعية وإقليمية للطرفين، وتكلفة بشرية ومادية باهظة لأي محاولة حسم شامل. كما أنّ تجارب الحروب الأهلية تشير إلى أنّ الانتصار الساحق نادراً ما ينهي الصراع، بل غالباً ما يؤسس لدورات عنف جديدة تحت مظلة المظلومية.

وعليه، يبرز المسار الثاني – القائم على الإقرار باستحالة الحسم العسكري – بوصفه الخيار العقلاني الوحيد. ويتمثل هذا المسار في التوصل إلى اتفاق تفاوضي شامل يوقف إطلاق النار، ويؤسس لعملية سياسية انتقالية متفق عليها، تتضمن ترتيبات أمنية ملزمة تقود إلى حلّ جميع التشكيلات المسلحة بالتراضي، والشروع في برنامج وطني متكامل للدمج والتسريح وإعادة الإدماج، متلازم مع إصلاح شامل للمؤسسة العسكرية والامنية. فالتفاوض هنا لا يعني تقاسم السلاح أو شرعنة التعدد العسكري، بل العكس تماماً: تفكيكه بصورة منظمة وتحت ضمانات متبادلة، وبما يحول دون عودة العنف أو إعادة تشكيل المليشيات في صور جديدة.

بهذا المعنى، فإنّ دعم خيار التفاوض ليس موقفاً سياسياً تفضيلياً، بل حقيقة فرضها واقع استحالة الحسم العسكري، ويؤكده هدف بناء جيش قومي واحد لا يمكن فرضه بالقوة بين قوى مسلحة متكافئة، بل يتطلب اتفاقاً يؤسس لشرعية أمنية جديدة تحتكرها الدولة وحدها. ومن ثمّ، يصبح التفاوض الشامل المدعوم بضمانات أمنية وتنفيذية الطريق الواقعي والآمن للانتقال من تعدد الجيوش إلى دولة بجيش واحد.

تحديات التفكيك: حقول ألغام على الطريق

بلا أدني شك لن تكون عملية تفكيك تعدد الجيوش في السودان اجراءً فنياً لنزع السلاح فحسب، بل عملية إعادة بناء اجتماعي-أمني شاملة. ويقتضي النجاح اعتماد مقاربة متعددة المستويات تشمل ضمانات أمن مجتمعي تطمئن المكونات المحلية، وإصلاحاً عقائدياً ومؤسسياً داخل القوات النظامية، وبرامج تنمية اقتصادية تستهدف جذور التهميش التي غذّت حمل السلاح. بهذه الشروط فقط يمكن أن يتحول الدمج والتسريح من مخاطرة تفكيك هشّ إلى مدخل مستدام لبناء جيش قومي مهني ودولة مستقرة.

سيواجه تنفيذ برامج الدمج والتسريح وإعادة الإدماج في السودان مجموعة من التحديات البنيوية المركّبة التي تتجاوز الجوانب الفنية إلى تعقيدات الهوية والسلاح والاقتصاد السياسي للحرب. ويمكن إبراز أهمها في ثلاثة محاور رئيسية:

  1. البنية الإثنية للتشكيلات المسلحة وتداعياتها على الثقة المجتمعية

ترتبط معظم التشكيلات العسكرية الموازية بقاعدتها الإثنية والاجتماعية ارتباطاً وثيقاً، فحركتا العدل والمساواة وتحرير السودان – جناح مني أركو مناوي ترتبطان بإثنية الزغاوة، بينما ترتبط حركة تحرير السودان – جناح عبد الواحد النور بإثنية الفور، والحركة الشعبية شمال – جناح عبد العزيز الحلو بإثنية النوبة، وجناح مالك عقار بإثنية الأنقسنا. أما قوات الدعم السريع فترتكز بصورة أساسية على قبائل عربية في دارفور، وعلى رأسها الرزيقات والبني هلبة والفلاتة، مع وجود للحمر والمسيرية داخلها وداخل الجيش معاً، في حين ترتبط قوات درع السودان بقبائل البطانة، ولا سيما الشكرية. هذه البنية تجعل أي عملية دمج أو تسريح تمسّ توازنات اجتماعية محلية حساسة، وقد تُفسَّر داخل المجتمعات باعتبارها استهدافاً لجماعة بعينها أو إضعافاً لقدرتها على الحماية الذاتية، بما يرفع مخاطر الرفض المجتمعي أو إعادة إنتاج العنف في شكل تعبئة إثنية مضادة.

  1. انتشار السلاح والعقائد الأيديولوجية داخل التشكيلات الموازية

يتميز المشهد السوداني بانتشار واسع للسلاح خارج السيطرة المؤسسية، وبوجود تشكيلات مسلحة ذات تعبئة أيديولوجية إسلاموية تدين بالولاء للحركة الإسلامية السودانية وشبكاتها السياسية والتنظيمية، بما في ذلك أنصار النظام السابق ودوائر مرتبطة بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين. هذا الواقع يخلق تحدياً مزدوجاً لبرامج الدمج والتسريح فمن جهة، يصعب حصر السلاح وتجميعه في بيئة أمنية هشة، ومن جهة أخرى تتطلب إعادة الإدماج معالجة البعد العقائدي والولائي للمقاتلين، لا مجرد إعادة تأهيل مهني، لتفادي تشكّل شبكات عسكرية موازية أو خلايا مقاومة للإصلاح العسكري مستقبلاً.

  1. فجوة التمويل والاستدامة الاقتصادية لإعادة الإدماج

تستلزم عمليات التسريح واسعة النطاق موارد مالية كبيرة لتغطية التعويضات الانتقالية، وبرامج التدريب المهني، وخلق فرص كسب العيش، وإعادة الإدماج المجتمعي. غير أن الدولة السودانية تواجه اقتصاداً منهكاً ومؤسسات مالية ضعيفة بعد سنوات الحرب والانهيار، ما يهدد بتحول المقاتلين المسرّحين إلى احتياطي عنف أو مرتزقة في حال غياب بدائل معيشية واقعية ومستدامة. وبالتالي فإن نجاح DDR يرتبط مباشرة بتأمين تمويل دولي وإقليمي طويل الأجل، وبربطه ببرامج إنعاش اقتصادي محلي في المناطق المتأثرة بالنزاع.

ركائز الإصلاح: التوافق الوطني والشراكة الدولية

يقوم التصور المقترح للحل على ركيزتين متكاملتين. الركيزة الأولى تتمثل في التوافق الوطني على برنامج شامل للدمج والتسريح وإعادة الإدماج، يُدرج ضمن إطار تسوية قومية شاملة للأزمة السودانية، بحيث يتزامن إصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية مع إصلاح سياسي ومؤسسي أوسع يخاطب جذور الصراع التاريخية في الدولة السودانية، وعلى رأسها اختلالات الحكم، والتهميش التنموي، وأزمات الهوية والمواطنة. فإعادة بناء الجيش لا يمكن أن تنجح بمعزل عن إعادة بناء الدولة ذاتها، بل يجب أن تشكّل جزءاً عضوياً من عملية تحول وطني تعيد تعريف العلاقة بين المركز والهامش، وبين السلطة والمجتمع.

أما الركيزة الثانية فتتمثل في إقامة شراكة عسكرية وأمنية انتقالية بين المؤسسة الأمنية السودانية ومحيطها الإقليمي والدولي، تقوم على دعم القدرات الوطنية لا استبدالها. ويشمل ذلك آليات تعاون في مجالات التدخل المساند في الحالات الحرجة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وبناء القدرات المهنية للقوات والأجهزة، وتوفير المعينات الفنية والتشغيلية اللازمة، بما يمكّن المؤسسة العسكرية والأمنية المعاد بناؤها من بسط الأمن وفق سيادة القانون، وتنفيذ الترتيبات الأمنية المتفق عليها على أرض الواقع. وبهذا المعنى، يشكّل التعاون الأمني الخارجي رافعة تمكينية مؤقتة تُسهم في سد فجوة القدرات خلال المرحلة الانتقالية، إلى حين اكتمال بناء مؤسسة عسكرية وطنية قادرة ومستقلة.

الخلاصة: لا بديل عن التفاوض لبناء سلام دائم

الحل التفاوضي ليس مجرد خيار سياسي بين بدائل، بل ضرورة موضوعية يفرضها واقع الاستعصاء العسكري. التفاوض هنا لا يعني تقاسم سلطة بين قوتين مسلحتين، بل الاعتراف بأن مستقبل السودان لا يمكن أن يبنى إلا على أساس جيش مهني قومي واحد، يخضع لسلطان الدولة، وتُعدّ أي تشكيلات مسلحة خارجه عملاً مجرّماً يستوجب المساءلة.

إنّ سردية “انهاء الحرب بالتفاوض” ليست دعوة للضعف، بل دعوة للعقلانية السياسية. فالحسم العسكري في الحروب الأهلية غالباً ما يعمّق الجراح ويؤسس لدورات عنف لاحقة، بينما يتيح الاتفاق التفاوضي الشامل فرصة لإعادة تأسيس الدولة على قاعدة جديدة.

بهذا المعنى، فإن الطريق إلى تفكيك الجيوش الموازية لا يمر عبر تمجيد البنادق، بل عبر إسكاتها. ولا سبيل لبناء الجيش المهني القومي الواحد إلا عبر سلام تفاوضي يعترف باستحالة الحسم، ويستجيب لإرادة الشعب في إنهاء الحرب، ويشرع فوراً في إصلاح عسكري شامل يعيد تعريف القوة بوصفها أداة لحماية الوطن لا ساحة لتنازع الرفقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *