أماني أبو سليم
أعاد حديث الأستاذة زينب بليل مؤخراً عن دور الرجل في الإنفاق، وعن حق المرأة في أن ترتاح، سؤالاً يبدو قديماً، لكنه اليوم أكثر تعقيداً مما كان عليه.
فالرجل الذي ينفق، والمرأة التي تدير البيت، كانا نموذجاً واضحاً لأسرة واضحة الأدوار. ثم تغيرت الحياة، ودخلت المرأة إلى التعليم والعمل، وفُتحت أمامها أبواب واسعة: المعرفة، والدخل، والاستقلال، والقدرة على الاختيار، والشعور بأن لها حياة تتجاوز أدوارها العائلية.
وهنا لا يعود السؤال فقط: من ينفق؟
بل: من يتحمل بقية تفاصيل الحياة؟.
هنا تظهر «الشلهتة» التي تحدثت عنها زينب بليل.
امرأة تعمل طوال اليوم، ثم تعود إلى عمل آخر: الطعام، والتنظيف، والأطفال، والمدرسة، والطبيب، ومواعيد الأسرة، وما ينقص البيت وما يجب أن يحدث غداً.
وقد لا تكون المشكلة في عدد المهام وحده، بل في تداخلها واستمرارها، وفي أن تكون هي الشخص الذي يتذكر كل شيء ويتابع كل شيء.
لكن هل يعني ذلك أن التعليم والعمل أصبحا عبئاً على المرأة؟
لقد منحاها معرفة واستقلالاً وفرصاً وصوتاً ومساحة للاختيار. فهل المشكلة في العمل نفسه، أم في أن المرأة خرجت إلى العمل بينما بقي البيت في انتظارها كما كان؟.
هنا يظهر سؤال آخر:
هل يمكن أن نأخذ من النموذج الحديث عمل المرأة ودخلها واستقلالها، ونحتفظ من النموذج القديم بتقسيم الأدوار حين يتعلق الأمر بالبيت؟.
وفي المقابل، هل يمكن للمرأة أن تتمسك بحقها في أن ينفق الرجل عليها، وفي الوقت نفسه تريد أن تعمل وتتقدم وتحتفظ باستقلالها المالي؟.
قد يرى البعض أن لا تناقض هنا. فالعمل لا يلغي حق النفقة، والاستقلال المالي لا يعني التخلي عن مسؤولية الرجل.
لكن ماذا يحدث حين يصبح راتب المرأة ضرورياً لتسيير البيت؟
هل تظل مساهمتها اختياراً؟.
وماذا لو كان دخلها أكبر من دخل زوجها؟ هل تصبح مطالبة بالدفع أكثر لأنها تستطيع، أم أن القدرة على الدفع ليست وحدها معيار العدل؟.
ثم ماذا عن الرجل الذي ينفق، لكنه يرى أن أعمال البيت ورعاية الأطفال ليست من مسؤولياته؟.
إذا كان دخله يعطيه الحق في الإعفاء من المشاركة داخل البيت، فماذا يحدث حين تصبح زوجته شريكة في الإنفاق؟
هل يمكن أن تتغير مسؤولية المال، بينما تبقى مسؤولية البيت ثابتة؟.
وماذا عن المرأة التي تعمل، وتنفق، وتربي أبناءها، وتدير البيت، بينما يرى زوجها أن مشاركته في هذه الأدوار تفضُّلٌ منه لا مسؤولية مشتركة؟
هل هذه شراكة؟
أم أن المرأة حملت معها إلى الحياة الحديثة أدوارها القديمة، وأضافت إليها أدواراً جديدة؟.
وفي الجهة الأخرى، هناك امرأة تعمل وتحقق دخلاً جيداً، لكنها ترى أن مسؤولية الإنفاق تظل على الرجل، وأن عملها واستقلالها المالي لا يغيران هذا الحق.
هل تستطيع الأسرة أن تستوعب هذا الجمع بين حق تقليدي ومكتسب حديث؟
نحن إذن أمام نماذج كثيرة، لا نموذج واحد:
رجل ينفق والمرأة تدير البيت.
رجل وامرأة يعملان، لكن المرأة تحمل معظم أعمال البيت.
رجل ينفق، ويطلب من زوجته العاملة أن تشاركه الإنفاق.
زوجان يتقاسمان المال، لكن لا يتقاسمان الرعاية.
وزوجان يتقاسمان المال والعمل والرعاية، لكنهما لا يزالان يتفاوضان على معنى دور كل منهما.
أي هذه النماذج أكثر عدلاً؟.
وهل العدل أن يتساوى الزوجان في المال والمهام، أم أن تكون مساهمة كل منهما متناسبة مع ظروفه، وأن يكون ما يقدمه مرئياً ومقدراً؟.
ومتى تتحول مشاركة المرأة في الإنفاق من اختيار إلى ضغط؟
ومتى تتحول مشاركة الرجل في البيت من «مساعدة» إلى مسؤولية؟.
وماذا يحدث للمودة والسكينة حين يشعر أحد الطرفين أن ما يقدمه أصبح أمراً مفروغاً منه، بينما ما يقدمه الآخر يُحسب له دائماً؟.
ربما لهذا فإن سؤال «من ينفق؟» يفتح باباً أكبر.
فنحن ننتقل من النموذج القديم، حيث الرجل يوفر ويحمي، والمرأة تدير وترعى، إلى نموذج شراكة لم تتضح قواعده بعد.
المشكلة أن الحياة اليومية تتغير أسرع من الأعراف التي تحكمها. فقد تغيرت وظيفة المرأة ومكانتها الاقتصادية، لكن بعض التوقعات المرتبطة بدورها داخل البيت بقيت كما هي. وفي الوقت نفسه، لا تزال توقعات كثيرة مرتبطة بدور الرجل في الإنفاق والحماية قائمة، حتى حين تغيرت بنية الأسرة نفسها.
ولهذا نعيش مرحلة ضبابية: نريد بعض ضمانات النموذج القديم، وبعض مكتسبات النموذج الحديث، وأحياناً نريد الاثنين من دون أن نعيد توزيع المسؤوليات التي كانت مرتبطة بهما.
فهل ستكون المرأة في المستقبل أكثر راحة لأنها أصبحت شريكة كاملة، أم أكثر «شلهتة» لأنها حملت أدواراً جديدة فوق أدوارها القديمة؟.
وهل المشكلة في أن المرأة خرجت من البيت، أم في أن البيت لم يخرج من مسؤوليتها وحدها؟.
ومتى سنصل إلى نموذج تتفق عليه الأسرة، لا إلى ترتيبات يفاوض عليها كل زوجين من جديد؟
ربما نحن لا نعيد توزيع المال فقط.
نحن نعيد تعريف معنى أن يكون الرجل زوجاً، ومعنى أن تكون المرأة زوجة، ومعنى أن تكون الأسرة شراكة.
وربما لهذا لم يعد السؤال: من له الحق في الراحة؟
بل: من له النصيب الأكبر من الشلهتة؟.