البرهان و “طموح الرئاسة”: هل تكتمل الهندسة؟

المهندس الطيب أبوكروك

 

تُغري المقارنات السريعة دائماً مراقبي المشهد السياسي العربي. فمع كل تحوّل مفصلي في الخرطوم، تعود إلى الواجهة الفرضية الشائعة التي تقول إن الفريق أول عبد الفتاح البرهان يسير بخطى حثيثة لنقل «النموذج المصري» في الحكم وتطبيقه، وإعادة بناء الدولة على طريقة رئيسها عبد الفتاح السيسي دون أن يأخذ في الاعتبار الاختلافات الكبيرة بين النموذجين. وتتجدد هذه الرؤية اليوم عقب إطلاق البرهان مبادرة «الحوار السوداني-السوداني»، بالتوازي مع فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ومع انتهاء خطاب السودان في المنبر الدولي وما احتواه من تأكيد على ثوابت الموقف الوطني والتمسك بإعلان جدة ورفض المساومة على السيادة، ينظر كثيرون إلى هذا المزيج الداخلي والخارجي بوصفه الخطوة التنفيذية لإعادة رسم هندسة السلطة، وإيجاد غطاء سياسي ودبلوماسي يكرّس قبضة المؤسسة العسكرية باعتبارها «الحارس الأخير للسيادة الوطنية» والصانع الوحيد للاستقرار أمام شتات القوى المدنية.

 

غير أن الغوص في العمق البنيوي والجيوسياسي للدولتين يكشف أن استخدام الحوار أو المنصات الدولية للوصول إلى استنساخ كامل للتجربة المصرية في الجغرافية السودانية يمثل رغبة تصطدم بواقع استراتيجي وتكتيكي مختلف تماماً.

إن نقطة التماس الذهنية بين التجربتين تكمن في عقيدة إدارة الدولة؛ فالبرهان، كغالبية قيادات الجيش السوداني، يتحرك وفق قناعة راسخة بأن القوات المسلحة هي الصخرة الأخيرة التي تمنع الانهيار الشامل. ومن هذا المنطلق، تتنزل مبادرة «الحوار السوداني-السوداني» لتلعب دور المحرّك التكتيكي الداخلي؛ فهي تسعى لكبح جماح القوى الراديكالية وقوى التغيير السريع، والاستعاضة عنها بتحالفات مرنة تُبنى تحت مظلة الحوار مع التكنوقراط، والإدارات الأهلية، والحركات المسلحة، والأحزاب التقليدية.

 

لكن العبرة الحقيقية تكمن في أن هذا التقاطع في الأهداف يعاصره تباين هائل في أدوات التطبيق. وتكمن العقبة الأولى والمركزية أمام تحويل مخرجات الحوار أو التحركات الدولية إلى نظام شمولي مطلق على طريقة القاهرة في طبيعة «المؤسسة» نفسها؛ فالجيش المصري يتميز بمركزية شديدة وصارمة وانضباط مؤسسي موحد يمتد لعقود طويلة ويمسك بمفاصل الدولة بشكل كامل، بينما تعاني البيئة السودانية من ظاهرة «تعدد الجيوش» والتكوينات المسلحة والانقسام المجتمعي الحاد. إن حالة التجييش الشعبي واستقطاب الميليشيات والمجموعات المسلحة تجعل من تركيز السلطة المطلقة في يد رجل واحد أمراً شبه مستحيل، بل ومهدداً باشتعال صراعات جانبية داخل معسكر الجيش وحلفائه أنفسهم.

 

أما التباين الثاني، فيتجلى في جغرافية السلطة وطبيعة «المركز والأطراف». في مصر، تفرض القاهرة سيطرة إدارية وأمنية مطبقة وممتدة إلى أبعد نقطة حدودية. أما في السودان، فإن هشاشة المركز والتوزيع الديمغرافي المعقد وتعدد مراكز النفوذ الإقليمية والمناطقية تمنع المركز السياسي في بورتسودان أو الخرطوم من استغلال الحوار أو الاعتراف الدولي لبسط هيمنة أحادية دون المرور عبر بوابة التنازلات اليومية والمساومات المستمرة مع القوى الميدانية والمجتمعية التي تنظر للعملية بريبة وتطالب بضمانات ومحاصصات حقيقية.

 

وفي المحصلة، فإن البرهان يدرك جلياً أن مبادرة الحوار والخطابات الأممية لن تمنحه تفويضاً لإقامة نظام حكم مغلق وطبقي على طريقة السيسي، بقدر ما يراها أداة لهندسة «نظام حكم هجين»؛ تكون فيه للجيش اليد العليا والكلمة الأخيرة في ملفات الأمن والسيادة والعلاقات الخارجية، مع إلقاء أعباء السلطة التنفيذية والواجهة السياسية على عاتق الشركاء المدنيين والكتل التفاوضية المشاركة في الحوار. هو لا يبحث عن صياغة شمولية مطلقة، بل يتوسل المبادرات الداخلية والشرعية الدولية لبناء معادلة «بقاء وتوازنات» تضمن له وللمؤسسة العسكرية موقع الحكم والموجّه الأول، دون التحمّل المباشر لأوزار إدارة المرفق العام في بلد يرفض بطبعه القوالب الجاهزة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *