تستعرضها (ديسمبر) وتقدم ملخصاً لها أبرز محتويات وقضايا الورقة السياسية المجازة من مجلس نقابة الصحفيين السودانيين (1-2)

القسم السياسي: (ديسمبر)

أجاز مجلس نقابة الصحفيين السودانيين في دورة انعقاده الرابعة عشرة خلال الفترة من (26 أغسطس – 7 سبتمبر 2026م) ورقتين محالتين من لجنة تطوير العمل النقابي المشكَّلة من مجلس النقابة. تناولت الأولى الجانب الخاص بإجراءات انعقاد الجمعية العمومية، أما الورقة الثانية فهي الورقة السياسية التي حملت عنوان “الموقف السياسي لنقابة الصحفيين السودانيين ومهامها ودورها في التحالفات السياسية والنقابية”.

ونظراً لأهمية ما جاء في الورقة السياسية، وما تم استعراضه من آراء وأفكار، يقوم القسم السياسي بصحيفة (ديسمبر)، وعبر حلقتين، باستعراض وتلخيص أهم ما ورد فيها، نظراً لوجود قضايا مطروحة تتجاوز الواقع الخاص بالصحفيين السودانيين لتلامس كل النقابات ودورها في العمل الوطني الداعم للحريات والحكم المدني الديمقراطي، دون أن تصبح ضمن الصراع السياسي الحزبي وتفقد طبيعتها النقابية المعبِّرة عن كل قواعدها بمختلف توجهاتهم السياسية والفكرية المختلفة.

استهلت الورقة، التي احتوت على (74) صفحة بملخص تنفيذي تضمن أبرز محتويات أقسامها العشرة. تناول القسم الأول (طبيعة نقابة الصحفيين السودانيين)، أما الثاني فخصص لـ(تحليل السياق السياسي العام لمواقف نقابة الصحفيين السودانيين من القضايا العامة)، فيما أجاب الثالث على سؤال (هل لنقابة الصحفيين السودانيين موقف سياسي؟)، وتطرق الرابع إلى (مرجعية التجارب في النقابات الصحفية محلياً وعالمياً وارتباط الحريات بالمهنة)، وتناول الخامس (المبادئ الحاكمة لبلورة الرؤى والتحالفات السياسية للنقابة)، وخُصص السادس لـ(آلية التحالف السياسي للنقابة (تنسيقي أم اندماجي؟).

تناول القسم السابع (تقييم التحالفات السياسية التي تنخرط فيها نقابة الصحفيين السودانيين/أغسطس 2026م)، أما الثامن فأشار لـ(دور ومهام نقابة الصحفيين السودانيين في تعزيز وتمتين البناء الديمقراطي للنقابات)، وخُصص التاسع لـ(الانقسامات المجتمعية الناتجة عن حرب أبريل 2023م وآثارها السياسية على عضوية النقابة)، أما القسم العاشر والأخير فاحتوى على (الخلاصة والتوصيات).

 

المنهجية والمؤشرات

 

اعتمدت الورقة منهجياً على “منهج تحليلي ـ تقييمي مؤسسي يجمع بين التوثيق التاريخي وتحليل التجربة النقابية وتقييم أثر التحالفات على استقلالية النقابة ووحدتها وفاعليتها”، بالاستناد إلى ثلاثة مؤشرات رئيسية للحكم على تجارب التحالفات عليها، وهي (الاستقلالية) و(الوحدة) و(الفعالية).

تناولت (الاستقلالية) مقدرة النقابة على الحفاظ على استقلال قرارها ومؤسسيتها داخل التحالف، أما (الوحدة) فارتبطت بمعرفة إسهام المشاركة في تلك التحالفات في تعزيز وحدتها وتماسك قاعدتها وإلى أي مدى ترتب عليها زيادة الاستقطاب والانقسام الداخلي. أما (الفعالية) فنظرت لإسهام تلك المشاركات في تحقيق الأهداف المهنية والوطنية وتعزيز قدرتها على التأثير والمناصرة.

ورد في مستهل الورقة أن قضية علاقة النقابة بالتحالفات السياسية “ليس نقاشًا حول الحياد أو الانحياز بالمعنى السياسي الضيق، وإنما هو حديث حول أفضل السبل التي تمكّن النقابة من أداء رسالتها المهنية والوطنية باستقلالية وكفاءة، وفق ضوابط مؤسسية واضحة، تضمن عدم الذوبان في الاستقطابات السياسية، وفي الوقت نفسه تحول دون عزل النقابة عن القضايا الوطنية التي تؤثر بصورة مباشرة في واقع الصحفيين ومستقبل المهنة”.

 

طبيعة خاصة

 

اعتبرت الورقة أن طبيعة نقابة الصحفيين لا تقتصر مهامها وواجباتها على رعاية مصالح منسوبيها وحمايتها، ولكنها مرتبطة في الأساس بمهمة وثيقة بتعريفها كسلطة رابعة مكملة للسلطات الثلاث، بجانب السياق القانوني القائم منذ استقلال السودان، في ما عدا حقبة النظام البائد، بالإنشاء بقانون خاص، هي ونقابة المحامين “لكونهما نقابتين مرتبطين بالدفاع عن الحريات”.

لذلك فقد لخصت الأمر بالقول: “التكييف الخاص بإنشاء نقابة الصحفيين السودانيين قانونياً مرتبط في الأساس بطبيعة مهنة الصحافة التي تُعرف بوصفها “سلطة رابعة”، ودورها المتصل بأداء (الرقابة الشعبية على السلطات الثلاث)، ودورها المركزي في النظام الديمقراطي بالدفاع عن الحريات وحمايتها والتصدي ومواجهة أي انتهاك أو تقويض لها بوصفها “نقابة معنية بالدفاع عن الحريات وصيانتها وحمايتها”.

وورد في جزئية أخرى أن المشروع النقابي لنقابة الصحفيين يستند إلى “الدفاع عن استقلالية المهنة والحريات العامة، وتصور أوسع للصحافة باعتبارها جزءاً من منظومة الدولة المدنية الديمقراطية، لا مجرد مهنة منفصلة عن قضايا المجتمع والدولة، وطبقاً لذلك فإنها تعرّف نفسها صراحة باعتبارها “نقابة تعمل من أجل صحافة حرة مهنية في دولة مدنية ديمقراطية”، فيما ينص ميثاق شرفها على الالتزام “بمبادئ الحرية والسلام والعدالة والدفاع عن الديمقراطية والحكم الرشيد وحماية النظام الديمقراطي التعددي”.

 

الموقف من (الاتحاد)

 

حددت الورقة الأسباب التي دفعت الصحفيين لاتخاذ قرار باستعادة نقابة الصحفيين السودانيين عوضاً عن الانخراط في الاتحاد العام للصحفيين السودانيين الذي يتولى الشأن الصحفي منذ انقلاب 30 يونيو 1989م، والتي حددتها في ثلاث قضايا أساسية، أولها أن “الاتحاد” صيغة سياسية تابعة ومرتبطة بنظام سياسي هدف لتدجين العمل النقابي وسيطرة عناصره عليه ليصبح ضمن أدواته الحزبية ومتماهياً مع سلطته.

ارتبطت النقطتان الثانية والثالثة بجوانب مهنية من خلال التطرق لصيغة “الاتحاد” التي جردت الجسم النقابي للصحفيين من “الاستقلالية” بإقرار واقع التبعية لمسجل تنظيمات العمل، عوضاً عن تأسيس الجسم النقابي للصحفيين بموجب قانون “خاص” السائد تاريخياً، وهو ما جعل هذا الاتحاد في نهاية الأمر “جسماً خاضعاً لمسجل النقابات دون فعالية في القضايا العامة والحريات وحتى حرية الصحافة”.

تطرقت النقطة الثالثة لتعزيز “اتحاد الصحفيين” لمنهج إغراق المهنة بغير المشتغلين بها، بجعل “امتحان القيد الصحفي” هو أساس العضوية، وهو ما ترتب عليه منح العضوية لكثير من الناس غير المشتغلين بالمهنة في الأساس، بما في ذلك ضباط القوات النظامية. وتم استغلال هذا الإغراق في الانتخابات وتوظيفه لضمان السيطرة على “الاتحاد” وإعادة توجيهه وفق التوجهات السياسية خلال فترة حكم الرئيس المعزول عمر البشير وحزبه الحاكم المحلول.

 

القضايا الراهنة

 

قدم القسم الثاني تحليلاً للسياق السياسي العام لمواقف نقابة الصحفيين السودانيين من القضايا العامة، واستعرض رؤية نقابة الصحفيين في (15) موضوعاً وقضية شملت (إعادة بناء النقابة واستعادة الاستقلال النقابي، الديمقراطية والحريات العامة بوصفهما أساساً للموقف السياسي، الموقف من إرث نظام الإنقاذ، الموقف من انقلاب 25 أكتوبر 2021، الحرب منذ أبريل 2023 ــ وقف القتال ورفض تحويل الصحافة إلى أداة حرب، رفض الانحياز إلى طرفي الحرب والدفاع عن استقلال النقابة، وحدة السودان ورفض مشاريع التقسيم والحكومات الموازية، الموقف من القوى المدنية والتحالفات السياسية، حماية المدنيين وسيادة القانون والمساءلة، مواجهة خطاب الكراهية والتضليل الإعلامي، قضية الإعلام باعتبارها جزءاً من قضية الدولة والمجتمع، البعد الاجتماعي والإنساني في نشاط النقابة، قضايا النساء والفئات الأكثر تعرضاً للهشاشة، الرؤية المستقبلية لوقف الحرب وبناء الدولة ومستقبل الإعلام السوداني).

في هذا السياق، فإن الوثيقة لخصت موقف نقابة الصحفيين السودانيين من ثورة ديسمبر بأنها تتعاطى معها “بوصفها مشروعاً مستمراً لاستعادة الدولة المدنية الديمقراطية والحريات العامة واستقلال النقابات والإعلام، وترى أن الحرب والانقلابات ومحاولات إعادة إنتاج السلطوية تمثل انتكاسات لهذا المشروع، بينما يمثل وقف الحرب واستعادة المسار المدني الديمقراطي واستكمال أهداف الثورة الطريق نحو بناء السودان الذي نادت به شعارات ديسمبر: حرية، سلام، وعدالة”.

حددت النقابة موقفها بشكل واضح وصارم “برفض ومقاومة ومناهضة أي محاولة لإعادة إنتاج ذلك النموذج الذي يتجاوز حزب المؤتمر الوطني المحلول بوصفه تنظيمياً سياسياً إلى ما هو أشمل من ذلك، برفض أي عودة لمنظومة الاستبداد وتسييس المؤسسات المهنية والنقابية ومصادرة حرية الصحافة والممارسات الأمنية القمعية تجاه الصحفيين والصحفيات”.

خلصت الورقة إلى أن السياق السياسي العام للنقابة يقوم على ثلاث دوائر متداخلة، الأولى (تدافع عن استقلال المهنة وحقوق الصحفيين)، والثانية حقوقية (تدافع عن الحريات العامة وحماية المدنيين والمساءلة)، والثالثة سياسية عامة (تنحاز إلى الدولة المدنية الديمقراطية والسلام ووحدة السودان وترفض الحكم العسكري والاستبداد وتقسيم البلاد).

أما الخلاصة الثانية فكانت عدم حصر النقابة لنفسها في الدور “النقابي المهني” الضيق، أو تقدم نفسها بوصفها حزباً سياسياً، وإنما بالتحرك في المساحة الفاصلة بين الاستقلال النقابي والانخراط في القضايا الوطنية. أما الخلاصة الثالثة فإن دفاع النقابة عن مشروع الدولة المدنية الديمقراطية ورفض الحرب والانتهاكات والاستبداد والتقسيم والعمل على حماية استقلال الصحافة والنقابات واستقلالها عن أطراف الصراع العسكري والسياسي بات كتعريف وتوصيف أكثر شمولاً من تصوير موقفها فقط في “الانحياز لثورة ثورة ديسمبر”، لكونه استوعب قضايا أوسع وأعمق خصوصاً بعد اندلاع الحرب.

 

وجود موقف سياسي

 

استهلت الورقة القسم الثالث فيها الذي جاء بعنوان (هل لنقابة الصحفيين السودانيين موقف سياسي؟) بتقديم إجابة مباشرة، وذكرت نصاً: “نعم، لنقابة الصحفيين السودانيين موقف سياسي مبدئي، وأصيل، وجامع. إن القول بعزل العمل النقابي الصحفي عن التوجهات السياسية الوطنية هو مجافاة لطبيعة الأشياء؛ فالصحافة حارس الحريات، والحريات لا تنمو ولا تُصان إلا في ظل بنية سياسية ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتخضع للمساءلة والمحاسبة”.

قُدم تحرير لهذا المفهوم عبر ثلاثة جوانب، أولها أن موقفها السياسي ذلك “ليس موقفاً حزبياً ضيقاً، ولا آيديولوجياً إقصائياً، ولا طائفياً؛ إنما هو موقف وطني وقومي ينطلق من منصة حقوقية ودستورية صلبة للدفاع عن شروط وجود المهنة وحماية قواعدها الفئوية والمجتمعية، وهو موقف مستمد ومُشرعن بالكامل من نصوص وروح نظامها الأساسي التأسيسي”.

أما ثانيها فتمثل في أحكام النظام الأساسي الذي أنشئت واستعيدت على أساسه، والذي لم يقصر مهامها في الجوانب الخدمية والمطلبية، ولكن بإلزامها بجانب ذلك بمهام وطنية مرتبطة بحراسة الحريات والدفاع عن الحقوق والتصدي للانتهاكات، وربط وجودها باستعادة شرعيتها التي صادرها انقلاب 30 يونيو 1989م، أما ثالثها فكان استناد استعادة وجودها على أرض الواقع إلى اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (87) بشأن الحرية النقابية.

ورد ضمن هذا القسم استدلال وشرح وتفسير لعدد من أحكام ونصوص النظام الأساسي للنقابة لسنة 2022م التي تؤكد الدور السياسي لنقابة الصحفيين السودانيين، ممثلة في المادة (2) المتصلة بالإنشاء، بجانب بنود من المادتين (6) المرتبطة بالمبادئ والمادة (7) التي تضمنت الأحكام المتصلة بأهداف النقابة. وأشارت الورقة إلى أن أحكام المادة 24 (5) التي تلزم المكتب التنفيذي للنقابة بـ”الدفاع عن حقوق ومصالح وكرامة الصحفيين، والمحافظة على مبادئ المهنة وتقاليدها”، تعد بمثابة “التفويض السياسي والحقوقي الصريح” للمكتب التنفيذي، بجعل خط الدفاع الأول هو الفضاء العام بحماية الحريات والكرامة ومجابهة كافة أشكال الانتهاكات خلال الصراعات السياسية والعسكرية “وهو ما يعد جوهر الممارسة السياسية الحقوقية”.

 

التجارب التاريخية والدولية

 

تناول القسم الرابع من الورقة “مرجعية التجارب في النقابات الصحفية محلياً وعالمياً وارتباط الحريات بالمهنة” من خلال التطرق للتجربة المحلية السودانية بجانب عدد من التجارب الإقليمية والدولية، ممثلة في (التجربة التونسية، الاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT)، الرابطة الوطنية للصحفيين في بريطانيا (NUJ)، الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ)، الصحفيين والنقابات في جنوب إفريقيا، اتفاقية منظمة العمل الدولية لسنة 1949م رقم (98) بشأن الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية وتوصيات اليونسكو بشأن سلامة الصحفيين وإنهاء الإفلات من العقاب).

تطرقت الورقة أيضاً لنماذج من التجارب النقابية في أمريكا اللاتينية تضمنت تجربة “نقابات العمال والصحفيين في البرازيل (مقاومة الدكتاتورية العسكرية 1964–1985)، نقابات العمال والصحفيين في الأرجنتين (مواجهة المجلس العسكري 1976–1983) ونقابات تشيلي في مواجهة حكم بينوشيه (1973-1990)”.

وأوضحت أن أبرز الدروس المستفادة من تجربة أمريكا اللاتينية أظهرت أن النقابات التي نجحت في إسقاط الديكتاتوريات هي التي حافظت على استقلالها التنظيمي عن الأحزاب وجمعت قواعدها حول قضايا الحريات العامة، وأثبتت التجربة استحالة الفصل بين الدفاع عن أجور العمال وحرية الصحافة من جهة، وبين النضال ضد الاستبداد والدفاع عن الديمقراطية وسيادة القانون من جهة أخرى، وأهمية التضامن الإقليمي والدولي لحماية القيادات من الملاحقة وفضح الانتهاكات أمام الرأي العام العالمي.

وخلصت الورقة إلى تأكيد كل التجارب المحلية والإقليمية والدولية لعدة نتائج، أولها عدم إمكانية حماية النقابات الصحفية للمهمة دون حماية المجال الديمقراطي العام، وثانيها أن الحياد السلبي تجاه القمع والحروب والانتهاكات يقود عملياً إلى تصفية العمل الصحفي نفسه، وثالثها أن الاستقلالية النقابية لا تعني الانعزال عن قضايا الوطن، وإنما تعني عدم التبعية الحزبية والتنظيمية، أما رابعها فإن التحالفات المشروعة للنقابات هي تلك التي تُبنى حول مبادئ الحرية والسلام والعدالة وحقوق الإنسان، لا حول المحاصصات الحزبية أو الولاءات الآيديولوجية.

واختتم هذا القسم من الورقة بالتأكيد على أن “انخراط نقابة الصحفيين السودانيين في الدفاع عن الحريات العامة، ومناهضة الحرب، والتنسيق مع القوى المدنية والحقوقية، لا يمثل خروجاً عن دورها النقابي، بل يُعد ممارسة طبيعية ومشروعة لدورها التاريخي والمهني والوطني”.

(نواصل)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *