كيف تحوّلت الكتلة الديمقراطية من غطاء سياسي للبرهان إلى عبء يجب التخلص منه؟
تقرير خاص: (ديسمبر)
منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، بدت الكتلة الديمقراطية أقرب الحلفاء المدنيين للمؤسسة العسكرية، وأحد أهم مصادر غطائها السياسي. لكن الحرب، والتحركات الإقليمية والدولية، والحديث المتصاعد عن تعديل الوثيقة الدستورية، توحي بأن هذه العلاقة – التي قامت على تقاطع المصالح أكثر من وحدة الرؤية – تدخل مرحلة يُعاد فيها ترتيب موازين القوة داخل معسكر السلطة نفسه. فالتحالفات في السياسة السودانية نادراً ما تكون دائمة، وما منح الكتلة موقعاً متقدماً قد يكون اليوم ذاته ما يهدد بتهميشها، مع انتقال أولويات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان من البحث عن حلفاء يوفرون غطاءً سياسياً إلى إعادة هندسة السلطة في مرحلة ما بعد الحرب.
مخطط جديد
في 15 أبريل 2026، وقّعت القوى المدنية المشاركة في مؤتمر برلين وثيقة مشتركة، ثم اعتمد المجتمعون، في 30 أبريل، خارطة طريق نصّت على هدنة إنسانية فورية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، وعلى أن يقرر الشعب السوداني حكمه عبر عملية سياسية سودانية-سودانية شاملة. وبينما كانت هذه المبادئ تدعو صراحةً إلى «قيادة مدنية مستقلة لا تسيطر عليها أي جهة متحاربة»، كانت ملامح مخطط مختلف تماماً تُحكِم بهدوء في القصر الرئاسي عملية جراحية سياسية تهدف إلى تفكيك القاعدة المدنية ذاتها التي استند إليها البرهان للوصول إلى السلطة، وتحديداً «الكتلة الديمقراطية».
بالنسبة لقيادات مثل مني أركو مناوي، الأمين داوود، ومبارك أردول، بدأت الحقيقة تتكشف ببطء لكنها قاسية. في المعادلة العسكرية السودانية لا يُنظر إلى الحلفاء المدنيين كشركاء في الحكم، بل كـ«دروع سياسية مؤقتة» تُستهلك لامتصاص الصدمة، ثم يُتخلَّص منها بمجرد أن تبدأ في التطلع نحو مسارات مستقلة. اليوم، لم يعد السؤال «هل سيتخلى الجيش عن حلفائه؟»، بل «كيف سيتم تهميشهم قانونياً عبر التعديل الدستوري المرتقب قبل أن يدق جرس الإنذار الدولي؟».
وهم الشراكة
لفهم حجم التراجع، يجب العودة إلى لحظة التأسيس. لم تكن مشاركة الكتلة في دعم تحركات انقلاب أكتوبر 2021، ثم في تشكيل الحكومة نوفمبر 2022، انحيازاً آيديولوجياً، بل «صفقة مصلحة» واضحة: قدم المدنيون الغطاء السياسي والشرعية الإدارية التي افتقدها الجيش، مقابل حصص في السلطة بدت حينها مكاسب استراتيجية.
لكن التحالف كان يحمل بذور فنائه منذ اليوم الأول. فالجيش يتعامل مع «الشرعية المدنية» كسلعة استهلاكية لا كشريك مؤسسي. كان دور الكتلة امتصاص غضب الشارع وتبرير الانقلاب، ولاحقاً تبرير الحرب ضد «الدعم السريع»، بينما كان البرهان يبني في الخفاء هياكل موازية تضمن له الانفراد بالقرار. والخطأ الفادح الذي وقعت فيه هذه الكتل كان الاعتقاد بأن مناصبها تمنحها «حق الفيتو»، بينما كانت في الواقع مجرد «أقفاص ذهبية» عزلت قياداتها عن قواعدها الشعبية، وجعلتها رهينة لمزاج قائد الجيش حتى تصبح تكلفة الاحتفاظ بها أعلى من فائدتها.
لحظة الكشف
جاءت لحظة الصدع عندما بدأت مؤشرات من داخل الكتلة تشير إلى ميل نحو المسارات الدولية، لا سيما المشاركة في لقاءات أديس أبابا وبرلين، والتوقيع على وثائق تدعو لـ«حوار سوداني-سوداني» يفضي إلى سلطة مدنية انتقالية. من منظور البرهان، لم يكن هذا «تطويراً للموقف»، بل «خروجاً عن النص» ومحاولة لكسب شرعية دولية مستقلة عن الجيش. والمفارقة أن القوى التي دعمت انقلاب الجيش على الحكم المدني تجد نفسها اليوم مستهدفة لأنها بدأت تستجيب للضغوط الدولية الداعية لوقف الحرب.
وهو ما يتقاطع مع ما خلصت إليه مؤسسات دولية مرموقة، حيث يؤكد تحليل صادر عن معهد «تشاتام هاوس» في أبريل 2026 أن أي عملية سياسية مدعومة دولياً ينبغي أن تستند إلى مشاركة مدنية واسعة يتقدمها فاعلون غير منحازين، لا أن تُدار من الأطراف المتحاربة نفسها. هذا المعيار الدولي يضع المجموعات المتحالفة مع البرهان أمام حائط مسدود إما القطيعة مع قائد الجيش والانحياز للمسار الدولي، أو البقاء في فلك «الهتيفة» العسكرية وما يعنيه من عزلة دولية ورفض شعبي متزايد.
لم تطل فترة الهدوء النسبي طويلاً. ففي الثاني من يونيو 2026، عشية الاجتماع التحضيري للحوار «السوداني-السوداني» في أديس أبابا، انشق الجسد السياسي للكتلة علناً. أعلن أربعة عشر فصيلاً منضوياً تحت مظلتها – من بينها حزب الاتحادي الأصل، وحركة العدل والمساواة، ومجلس البجا – انسحابها من المشاركة، محتجةً بانفراد «الآلية الخماسية» الدولية بصياغة الأجندة، ورافضةً بشكل قاطع إشراك وفد تحالف «تأسيس» الذي وسمته بـ«المليشيا المتمردة». في المقابل، اختارت حركات مني أركو مناوي، ومبارك أردول، والأمين داوود، المضي قدماً في المشاركة تحت يافطة الكتلة، مُصرةً على أنها «الممثل الشرعي الوحيد» للمكون المدني، في خطوة بدت وكأنها محاولة يائسة لإنقاذ ما تبقى من شرعيتها المتآكلة أمام انكشاف أوراقها مع البرهان.
هذا الانقسام هو الدليل الميداني الأوضح على أن التصدع لم يعد توقعاً تحليلياً بل واقعاً معلناً: القيادات الثلاث نفسها – مناوي وأردول وداوود – هي من اختار المضي في أديس أبابا، بينما تخلّت عنها قوى أخرى كانت حتى الأمس القريب تقف في خندقها.
بوادر تصفية
وإذا كان انقسام أديس أبابا في الثاني من يونيو 2026 قد كشف عن تصدع أفقي في جسد الكتلة الديمقراطية، فإن ما تسرّب لاحقاً من أروقة القصر يكشف مساراً أخطر بكثير: استهداف القيادات بشكل فردي. فبحسب تقارير صحفية، نشب خلاف بين البرهان ومناوي، بعد أن أبلغ الأخير قيادات الكتلة في اجتماع مغلق بوجود ما وصفه بـ«مؤامرة عسكرية-إسلامية لتقسيم البلاد». غير أن أحد الحاضرين نقل فحوى الاجتماع إلى البرهان، الذي ردّ باتهام الكتلة ومناوي بـ«الفشل السياسي»، بل إن المصادر ذاتها أشارت إلى أن البرهان بدأ يعمل على إزاحة مناوي من قيادة حركته لصالح محمد بشير عبد الله أبونمو.
اللافت أن مناوي نفى لاحقاً، في مقابلة مع قناة «العربية»، وجود أي خلاف علني، قائلاً: «حتى الآن، ومن الناحية الرسمية، لم أجد أي خلاف مع الجيش»، مؤكداً أن «الكتلة كتلة سياسية مستقلة، لا تتبع للجيش أو الحكومة، وأي شخص يعتقد أنها دمية في يد أحد فهو مخدوع». وحول انقسام أديس أبابا، اكتفى بالقول: «الخلافات حصلت وطُويت صفحتها».
هذا النفي لا يُبطل ما تسرّب من مصادر مطلعة، بل يضيف قراءة تحليلية أخرى؛ فإما أن تكون التهدئة استباقية لمنع انهيار مبكر، أو أن الخلاف طُوي مؤقتاً، لأن البرهان ما زال بحاجة إلى غطاء مناوي حتى حسم «المقص الدستوري». وفي الحالتين، يبقى النمط التاريخي ثابتاً: تقارب علني وتفاوض على التصفية في الخفاء.
المقص الدستوري
لا يعتمد الجيش على المواجهات المباشرة مع حلفائه المدنيين لتصفيتهم، بل يلجأ إلى أداة أكثر فتكاً وهدوءاً: «الهندسة الدستورية». المخطط الحالي لا يهدف فقط إلى تعديل الوثيقة الدستورية لتمكين الفريق البرهان من منصب رئيس الجمهورية، بل يتضمن حلاً شاملاً لمؤسسات الفترة الانتقالية الحالية (مجلس السيادة والحكومة الانتقالية).
وقد بدأت ملامحه تتضح مؤخراً، حين طرح تنظيم «كيان الشمال» مبادرة لاستبدال مجلس السيادة الجماعي بمنصب رئيس جمهورية يستمد شرعيته من استفتاء شعبي مباشر، مع فترة انتقالية مدتها 39 شهراً- غطاء «شعبي» ظاهري لتجاوز التوافقات السابقة مع الكتلة الديمقراطية.
من الناحية القانونية، يمثل هذا الحل «تصفية باردة» لمكاسب الكتلة. فبمجرد حل هذه المؤسسات يُسحب البساط من تحت أقدام من يشغلون مناصب وزارية أو سيادية نيابة عنها، ليتم استبدالهم إما بهياكل جديدة يسيطر عليها الجيش بشكل مباشر، أو بتعيينات فردية موالية لا تمثل أي كتلة سياسية منظمة.
ولا يقتصر مسار «التصفية القانونية» على الوثيقة الدستورية فحسب، فاتفاقية جوبا للسلام – الإطار القانوني لمشاركة حركات الكتلة في السلطة أصلاً – باتت هي الأخرى مادة تفاوض مفتوحة. وقد أقرّ مناوي نفسه بأن تنفيذها «لم يتجاوز 5%»، وأن «أطراف الاتفاق يمكن أن تجلس وتقيّم، وتجري تعديلها أو حتى تلغيها»، وهو تصريح يفتح الباب أمام قراءتين؛ إما ثقة قيادي متمسك بشراكته، أو اعتراف مبكر بأن ورقته القانونية الأخرى قابلة هي أيضاً لإعادة تفاوض من موقع ضعف.
خيارات مهشمة
تضيق الخيارات أمام مناوي وداوود وأردول بشكل دراماتيكي، وتتحول إلى معادلة وجودية بثلاثة مسارات متشابكة.
يتمحور أولها حول «الرضوخ والقبول بالتهميش»، بمعنى البقاء في المدار العسكري وقبول الأدوار الشكلية الجديدة بعد التعديل الدستوري. هذا الخيار يضمن البقاء في «غرفة الانتظار»، لكنه يكلفهم مصداقيتهم التاريخية، ويجعلهم هدفاً سهلاً للغضب الشعبي الذي يربطهم بتقويض الانتقال عبر دعم الانقلاب العسكري واستمرار الحرب. ونفي مناوي الأخير لأي خلاف مع الجيش، وتأكيده أن السودان «ليس ملكاً للجيش» لكنهم «شركاء مع الحكومة»، يمكن قراءته كمحاولة للبقاء ضمن هذا الخيار حتى في اللحظة التي تتقوض فيها الشراكة من الداخل.
أما المسار الثاني فيتمثل في «نفض اليد عن البرهان والعودة للمعارضة»، والمضي بخطوات جادة في الطريق الذي اختطه قادة الكتلة في لقاءات أديس أبابا وبرلين نحو وقف الحرب والانتقال المدني. هذا الخيار يمنحهم شرعية دولية أخلاقية، لكنه يعني حرق الجسور مع قائد الجيش، ومواجهة مخاطر أمنية وسياسية جمة، بما في ذلك احتمال انشقاق قواعدهم أو تجريدهم من مناصبهم فوراً. وقد بدأت ملامحه تتجسد على لسان أردول، الذي رفض علناً في 21 يوليو 2026 تفكيك مؤسسات الحكم الانتقالي دون عملية سياسية أو انتخابات، واصفاً ذلك بـ«الانتهازية السياسية» – رداً ضمنياً على أصوات تنادي بتنصيب البرهان رئيساً، بعد يوم واحد فقط من لقاء جمع البرهان بقيادات الكتلة برئاسة جعفر الميرغني. واللافت أن مناوي، على النقيض من أردول، بدا أقرب إلى الخيار الأول – ما يعزز فرضية أن الكتلة لم تعد تتحرك ككتلة واحدة، بل ككيانات فردية.
ويبقى المسار الثالث، وهو الأرجح، مرتبطاً بـ«التفكك الداخلي»، حيث ينقسم أفراد الكتلة بين من يختار المسار الأول ومن يختار الثاني، مما يؤدي إلى تفكك الكيان كقوة سياسية موحدة، ويسهل على الجيش ابتلاع أطيافه بشكل فردي. وهذا لم يعد افتراضاً نظرياً: انقسام أديس أبابا كان أول مؤشر، تلته مؤشرات تصفية فردية لمناوي، ثم تباين علني في المواقف – نفي وتهدئة منه، ورفض صريح من أردول. هذه الطبقات المتعددة تعني أن الجيش قد لا يحتاج حتى إلى استكمال «المقص الدستوري»، إذ تتكفل الضغوط الدولية والانقسامات الداخلية بذلك تلقائياً.
تشريح حي
إن ما يحدث للكتلة الديمقراطية اليوم ليس مجرد مناورة سياسية عابرة، بل هو «تشريح حي» لطبيعة العلاقة بين العسكر والمدنيين في السودان. التجارب المتراكمة تؤكد أن الرهان على المؤسسة العسكرية كشريك في الانتقال الديمقراطي هو رهان خاسر مسبقاً.
لكن الأبعاد الإنسانية للأزمة تضيف طبقة أخرى من المأساة. فبينما تتصارع النخب على فتات السلطة، يعاني ثلثا السكان من انعدام الأمن الغذائي، وتتفشى الأوبئة في ظل نظام صحي مدمر، ويُحاصر المدنيون في مدن مثل الأبيض بين نيران المسيرات وطوابير الجوع. إن أي تسوية مستقبلية لا تنبثق من منصة مدنية عريضة ومستقلة، وتكتفي بإعادة تدوير الوجوه نفسها تحت مسميات دستورية جديدة، لن تكون سوى «استراحة محارب» تمهد لانهيار جديد، وتترك الشعب السوداني يدفع الثمن الأكبر مرة أخرى.
إذا كان هذا هو المصير الذي يُعدّ لمن ساندهم في أوقات الحسم، فإن الرسالة واضحة لمن يعارضهم أو يقف على الحياد: لا مكان في هذه المعادلة إلا لمن يملك قوة على الأرض، أو شرعية شعبية لا تقبل المساومة.