البنادق لا تغيّر عنوانها من كيكل إلى السافنا: كيف أعاد البرهان تدوير المليشيات تحت راية الدولة؟

تقرير خاص: (ديسمبر)

 

في نهاية أبريل الماضي، قطع قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، نحو خمسمائة كيلومتر ليصل إلى مدينة دنقلا في أقصى الشمال. ذهب لمصافحة عدوّ سابق: النور القبة، أحد أبرز قادة قوات الدعم السريع الميدانيين، الذي أعلن انشقاقه وقطع الصحراء بسبع وأربعين عربة قتالية في ساعات الفجر الأولى، قادماً من منطقة كتم على بُعد نحو ثمانمائة كيلومتر. صافحه البرهان بابتسامة عريضة، وتنازل له عن سيارته الرئاسية.

ما الذي يستحق كل هذا الاحتفاء؟ الإجابة تكشف شيئاً أعمق من انتصار ميداني عابر.

لم تكن قضية القبة الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة. قبله، في أكتوبر 2024، انشق أبو عاقلة كيكل، الوجه الذي أعطى الدعم السريع امتداداً اجتماعياً في ولاية الجزيرة، ثم علي السافنا في مايو. وفي كل مرة، جرى الاستقبال بالاحتفاء ذاته، والخطاب ذاته عن «العودة إلى حضن الوطن». منذ مطلع 2024، باتت الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع ظاهرة متكررة، يُقدّمها الجيش بوصفها مقدمةً لحسم وشيك. لكن ثمة قراءة مغايرة تماماً يطرحها محللون وسياسيون: هذه الانشقاقات ليست نهاية الحرب، بل ربما تكون بداية طورها الأكثر خطورة.

تبديل اللافتات

يقول المحلل السياسي عزت خيري في حديثه لـ(ديسمبر) إن قراءة هذه الانشقاقات بوصفها انتصارات تستدعي الاحتفاء تغفِل حقيقة جوهرية في طبيعة الحروب الأهلية. مضيفاً: “في الحروب الأهلية لا يبدّل القائد المسلح موقعه غالباً لأنه اكتشف فضيلة الدولة. يفعل ذلك لأن ميزان القوة تغيّر، أو لأن الموارد شحّت، أو لأن راعياً قديماً لم يعد يدفع ما يكفي”.

يدعم هذا الحكم ما توصّل إليه باحثون متخصصون في ديناميكيات الصراع السوداني. فقد خلص الباحث الكندي لي سيمور، في دراسة معنية بتبدّل ولاءات الفصائل في الحروب الأهلية السودانية، إلى أن هذه التحولات لا تحكمها الآيديولوجيا، بل المنافسة المحلية وشبكات الرعاية والحاجة إلى السلاح والمال والحماية. وفي السياق ذاته، ترى الباحثة الألمانية سابين أوتو، المتخصصة في سلوك الجماعات المسلحة، أن انتقال هذه الجماعات بين المعسكرات ليس خروجاً من الحرب بل أحد أنماط استمرارها، خاصة حين تصبح الولاءات مورداً قابلاً للبيع وإعادة التفاوض. والأهم في كلتا الدراستين أن هذه التحولات لا تختصر الحروب في الغالب، بل تُطيلها.

يضيف خيري بُعداً آخر لا يقل أهمية: فكل قائد ينشق لا يحمل معه مجرد مقاتلين، بل شبكاته القبلية ومعرفته بخطوط الإمداد وذاكرة العنف ومطالبه المؤجلة في السلطة. الجماعات المسلحة، كما يُلاحظ الباحث الأمريكي بول ستانيلاند في دراساته حول التمرد المسلح، تتحرك كشبكات اجتماعية متماسكة لا كأفراد معزولين. لذلك، حين يُقدَّم انشقاق كيكل أو القبة بوصفه ضربةً للدعم السريع، يكون التوصيف دقيقاً جزئياً فحسب: الضربة حقيقية، لكن ما أُضيف إلى معسكر الجيش ليس أقل تعقيداً مما نُزع من الطرف الآخر.

ضربتان مختلفتان

لفهم حجم انشقاق كيكل، لا بد من فهم ما كان يمثّله داخل الدعم السريع. فهو لم يكن مجرد قائد ميداني، بل كان أحد الوجوه التي مكّنت قوات الدعم السريع من اختراق وسط السودان اجتماعياً لا عسكرياً فقط. حين تمدّدت القوة داخل ولاية الجزيرة، اعتمدت بدرجة كبيرة على تحالفات محلية وشخصيات ذات امتداد اجتماعي، كان كيكل أبرزها. انشقاقه، بالتالي، كان ضربةً لمشروع بناء نفوذ مستدام خارج حواضن الدعم السريع التقليدية في دارفور. وقد عكست الهجمات الانتقامية التي أعقبته في بعض مناطق الجزيرة حجم الارتباك الذي أحدثه، وإن كشفت في الوقت ذاته عن هشاشة الضمانات الأمنية التي قُدِّمت لسكان المناطق التي أُعلن تحريرها.

أما القبة، فطبيعة انشقاقه مختلفة. فقد لعب دوراً محورياً في حصار مدينة الفاشر قبل سيطرة الدعم السريع عليها، وهي السيطرة التي صاحبتها انتهاكات واسعة بحق المدنيين وثّقتها جهات حقوقية محلية ودولية. وتُشير مصادر صحفية إلى أن البرهان كان على تواصل مع القبة منذ الأيام الأولى للحرب بغرض تحييده. الاستقبال الشخصي في دنقلا، والتنازل عن السيارة الرئاسية، ليسا مجرد بروتوكول ـ بل مقياس للثمن الذي كان الجيش مستعداً لدفعه.

وفي كلتا الحالتين، يتكشّف نمط مشترك: الجيش لا يكتفي بانتظار المنشقين، بل ينسّق ـ وفق ما تشير إليه تقارير متعددة ـ عمليات استخباراتية وحوافز مالية لتسهيل خروج قادة من مناطق سيطرة الدعم السريع. الانشقاق بات أداةً في معركة موازية تستهدف تفكيك البنية الداخلية للخصم وإضعاف الثقة بين قياداته.

إشكالية سياسية

لكن هذه الانتصارات الميدانية تطرح إشكالية سياسية حادة لم يُعالجها خطاب الجيش بعد. يرى القيادي في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)، خالد عمر، في حديثه لـ(ديسمبر) أن هذه الانشقاقات كشفٌ عن تناقض جوهري: “الخطاب الرسمي روّج لفكرة أن هؤلاء القادة عادوا وفق شروط الدولة، غير أن الوقائع تكشف أنهم لم يُجرَّدوا من قواتهم أو نفوذهم، بل احتفظوا بتشكيلاتهم المسلحة واستقلاليتهم السياسية والعسكرية بعد انضمامهم”.

يشير عمر إلى أن الفصائل المتحالفة مع الجيش، بعض الحركات المسلحة وقوات (درع السودان)، بما فيها المنشقون الجدد عن الدعم السريع، تواصل ترقية قادتها ومنح الرتب داخل تشكيلاتها بصورة منفصلة عن المؤسسة العسكرية النظامية. والأشد حدةً في قراءته أن بعض هؤلاء القادة ارتبطت أسماؤهم باتهامات وانتهاكات أوردتها تقارير حقوقية وشهادات محلية خلال المعارك في الجزيرة والفاشر والخرطوم وكردفان ـ وهي الانتهاكات نفسها التي استُخدمت سابقاً لتبرير رفض أي تسوية مع الدعم السريع. يقول عمر: “معيار القبول أو الرفض لم يكن مرتبطاً بمسألة العدالة والمحاسبة، وإنما بموقع هذه القوى داخل توازنات السلطة والحرب”.

تتقاطع الصحفية والمحللة السياسية، رشا عوض، في حديثها لـ(ديسمبر) مع هذه القراءة من زاوية تاريخية. تستحضر عوض محاولات صناعة الانشقاقات داخل الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق، وداخل حركات دارفور المسلحة، مشيرةً إلى أنها لم تُفضِ في أي من الحالتين إلى تفكيك تلك الحركات، بل دفعتها نحو إعادة إنتاج قيادات جديدة واستعادة توازنها والاستمرار في القتال. وترى أن “الاحتفاء الواسع بانضمام بعض قادة الدعم السريع يكشف تناقضاً واضحاً: بينما يُرفض التفاوض مع الدعم السريع بحجة انتهاكاته، يُستقبل من شارك في تلك الانتهاكات نفسها بمجرد انتقاله إلى المعسكر الآخر”.

ولا يمكن فهم هذه الانشقاقات بمعزل عن البُعد الإقليمي للحرب. فمنذ اندلاع النزاع، اعتمدت قوات الدعم السريع على شبكات إمداد وتمويل عابرة للحدود عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان، إلى جانب اقتصاد حرب قائم على الذهب والتهريب والجبايات المحلية، وفق تقارير أممية وتحليلات دولية متعددة. في هذا السياق، تبدو بعض الانشقاقات أكثر من مجرد تحولات سياسية أو قبلية؛ فهي تعكس أيضاً ضغوطاً متزيدة على البنية الداخلية للدعم السريع مع تراجع الموارد وتصاعد المنافسة على النفوذ واضطراب شبكات الإمداد.

عفو وإدانة

تباينت الآراء في وسائل التواصل الاجتماعي والنقاشات العامة بين رافضين للخطوة ومؤيدين لها. فقد اعتبرت جهات، مثل لجان المقاومة في الفاشر، أن القِبّة ومن انضموا للجيش من قادة الدعم السريع “مسؤولون عن جرائم جسيمة”، وطالبت بتجريدهم من السلاح وتقديمهم للمحاكمة. وجاء في بيان لها: “ما ارتُكب بحق إنسان دارفور والسودان ليس أخطاءً عابرة يمكن تجاوزها بقرار سياسي أو عفو عام، بل جرائم موثّقة تشمل القتل والنهب والترويع وانتهاك الكرامة الإنسانية، وأقل ما يمكن هو تجريدهم من السلاح، وهو الحد الأدنى الذي لا يرقى إلى مستوى العدالة المطلوبة”. كما قارن البعض بين مئات الأشخاص ـ من بينهم بائعات شاي ـ حُكم عليهم بالإعدام بعد اتهامهم بالتعاون مع قوات الدعم السريع، وبين قادة مُنحوا العفو رغم اتهامهم بارتكاب انتهاكات واسعة.

في المقابل، يرى آخرون أن من يترك السلاح وينضم إلى المسار السلمي ينبغي الترحيب به، وهو ما عبّر عنه البرهان خلال استقباله للقبة، مؤكداً أن “الأبواب مشرعة لكل من يلقي السلاح وينضم إلى مسيرة البناء الوطني”. كما اعتبر رئيس تحرير صحيفة (التيار) عثمان ميرغني أن استقبال القائد المنشق عن الدعم السريع يستند إلى قاعدة “درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة”، موضحاً أن “كل بندقية تُسلم طوعاً تسهم في تقليل نزيف الدماء”، وأن “الأمر لا يتعلق بمكافأة على جرائم، بقدر ما هو محاولة لمنع المزيد منها، وتسريع إنهاء الحرب بأقل كلفة بشرية ممكنة”.

سؤال الشبكات

تنبع خطورة هذا النمط من كونه ليس جديداً على السودان. من الدفاع الشعبي إلى الجنجويد، ومن المليشيات المحلية إلى الحركات المنشقة، ظلّ المركز يظنّ أنه يشتري بندقيةً مؤقتة لخدمة أهداف آنية، ثم تكتشف البلاد لاحقاً أن تلك البندقية صارت شريكاً، ودائناً، وصاحب حق في السلطة.

ما تصفه تقارير غربية متعددة بـ”استراتيجية البرهان” يبدو، من هذه الزاوية، أقل كونه بناءً لجيش وطني، وأكثر كونه توسيعاً لمعسكر عبر شبكات ولاء متحركة. الجيش السوداني يضم اليوم، إلى جانب مؤسسته التقليدية، حركات مسلحة وكتائب إسلامية وقوات محلية ومنشقين عن الدعم السريع، في بنية تتعدد فيها مراكز القرار وتتشابك فيها الولاءات. هذا لا يُنهي ظاهرة تعدد الجيوش، بل يُعيد ترتيبها تحت مظلة واحدة.

وتُحذّر رشا عوض من المبالغة في تفسير هذه الانشقاقات بوصفها مقدمةً لانهيار الدعم السريع الذي لا يزال يحتفظ بسيطرة واسعة في دارفور وأجزاء من كردفان، ويواصل استخدام الطائرات المسيّرة والاستفادة من شبكات تمويل وإمداد ممتدة. الانشقاقات تكشف تآكلاً داخلياً حقيقياً، لكنها لا تُشير إلى نهاية وشيكة. والمدخل الواقعي لإنهاء الحرب، كما ترى، لا يقوم على إعادة تدوير التحالفات المسلحة، بل يستلزم عملية سياسية شاملة تتضمن تفاوضاً مباشراً وترتيبات حقيقية لدمج القوات وتسريحها، وبناء جيش مهني موحد بعيد عن النفوذ السياسي والاقتصادي.

وهم الدولة

يبقى السؤال الأصعب معلّقاً: ليس هل سيضعف الدعم السريع بفعل هذه الانشقاقات ـ فقد يضعف فعلاً ـ بل: هل ستقوى الدولة؟

يُلخّص خيري الإشكالية بوضوح: “الخطر أن البرهان لا يبني جيشاً أكثر تماسكاً، بل يوسّع معسكره بشبكات ولاء متحركة. وهذا لا ينهي تعدد الجيوش، بل يعيد ترتيبه. لا يغلق سوق السلاح، بل ينقل بعض تجاره من دكان إلى آخر. لا يعيد القانون فوق البندقية، بل يوسّع القانون حتى يتسع للبندقية”.

أما العدالة الانتقالية فهي، بحسب خالد عمر ورشا عوض معاً، أول ضحايا هذا النمط من الاستيعاب. حين يُكافأ القائد المسلح فقط لأنه غيّر معسكره، وتصبح العدالة انتقائية ـ المجرم هناك مجرم، والمجرم هنا حليف. وهذه ليست عدالة، بل إدارة سياسية للإفلات من العقاب.

ومهما يكن من أمر، لن يولد السلام في السودان من تبديل مواقع المقاتلين. التجربة التاريخية، ومنطق الحروب الأهلية، والشهادات المتقاطعة للمحللين السودانيين تقول شيئاً واحداً: الدولة لا تعود بجمع البنادق في يد رجل واحد، بل بكسر القاعدة التي جعلت البندقية طريقاً إلى السلطة. وكل مشروع لا يبدأ من هذه الحقيقة سيُعيد إنتاج الحرب، ولو رفع راية الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *