أزمة الموقف لا (التأشيرة)
عبثاً يسعى الفلول لجعل قضية رفض الولايات المتحدة منح تأشيرة دخول للفريق عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش، للمشاركة في جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة معركة وطنية تتعلق بالسيادة وعدم أحقية واشنطن في منع قادة الدول من المشاركة في أعمال الأمم المتحدة وفق اتفاقية المقر.
لذلك لم يكن مفاجئاً أنهم عادوا لتبني نفس النهج والشعارات التي جربها النظام المباد ورئيسه المعزول عمر البشير في استعداء المجتمع الدولي وتبني خطابات عنترية أدت بالسودان إلى عزلة دولية وعقوبات ما تزال تترك آثارها على البلاد. ويجب أن لا ننسى في ذات الوقت أن الولايات المتحدة سبق لها أن فرضت في يناير 2025 عقوبات على الفريق عبدالفتاح البرهان ومن بينها حرمانه من الحصول على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
ويفسر ذلك الجهود التي قامت بها الأمم المتحدة وعدد من الدول من أجل أن تراجع واشنطن قرارها وتمنح قائد الجيش إذن الدخول، وهي جهود حتى وإن نجحت فسيكون على الفريق البرهان الالتزام بشرط “الموافقة على هدنة لمدة 90 يوماً”، وهو شرط من الصعب أن يقبله قائد الجيش الذي أعاد تكرار موقفه السابق عبر مقاله في مجلة “فورين بوليسي”، والذي أثار غضب الإدارة الأمريكية، ودفعها لإصدار تصريح رسمي من توماس بيغوت، الناطق باسم الخارجية الأمريكية، بتاريخ 22 سبتمبر 2026 لتوضيح دوافع موقفها.
صحيح أن الموقف ليس جديداً في عمومياته، لكنه جاء هذه المرة باسم الرئيس دونالد ترامب ووصف الأزمة الإنسانية في السودان بالأسوأ في العالم، مع وجود نقاط عديدة تستوجب الوقوف عندها:
- نعم لإيقاف الحرب، ولكن على أساس قاعدة سياسية صريحة أنْ لا الجيش ولا الدعم السريع، ولا قائدا الطرفين، يمثلون الحكم الدستوري الشرعي للسودان، أي الفصل التام بين الدولة السودانية وطرفي الحرب.
- الولايات المتحدة لا تفرِّق بين قائد الجيش وقائد قوات الدعم السريع، وتضعهما في ذات الإطار السياسي وتقف على نفس المسافة من كليهما، مع التأكيد على أن سلوك كل قائد من قائدي الفصيلين يجعله غير مؤهل لحكم السودان.
- الهدف من التحرك الأمريكي هو الوصول لهدنة بلا شروط مسبقة، حوار سياسي شامل من ثم الانتقال إلى حكومة مدنية، ما يعني عدم الاعتراف بحكومة مدنية محددة، وعدم تسمية رئيس أو تحالف مدني بعينه.
- واشنطن ستعمل على رفع كلفة استمرار الحرب على الطرفين وشبكات دعمهما، لأنه حتى وإن حقق أحد أطرافها انتصاراً عسكرياً فإن الهدف النهائي يظل إنهاء حكم السلاح والانتقال إلى حكم مدني بما يتسق مع دعوات مجلس الأمن المتكررة إلى عملية سياسية سودانية شاملة تقود إلى حل دائم، مع مشاركة المدنيين.
هذا البيان يمكن اعتباره تحولاً مفصلياً في تطور اللغة الأمريكية تجاه الحرب السودانية، وليس مجرد بيان جديد للدعوة إلى الهدنة. فالجيش ليس هو الحكومة الشرعية التي تمرد عليها الدعم السريع، والأخير لا يمثل بديلاً لسلطة الجيش، والحكم المدني هو الغاية والمبتغى.
ويحمل البيان في طياته رسالة واضحة لقائد الجيش أن أي حوار خارج هذا السياق، بما في ذلك حوار الداخل الذي يسعى للترويج له، لن يكون مقبولاً، ما يضعف أي محاولة لتحويل السيطرة العسكرية إلى شرعية حكم تلقائية.
أزمة تأشيرة الدخول أتاحت لواشنطن نقل جهودها لوقف الحرب إلى مربع جديد تقل فيه هوامش المناورة أمام طرفي الحرب، ويجعل الخيارات محدودة: الانخراط في خارطة طريق الرباعية وجهود الخماسية بجدية، أو الدخول في مواجهة مع المجتمع الدولي.
لكل ذلك فإن الأزمة الحقيقية لقائد الجيش وأنصاره وداعميه الإقليميين ليست متصلة “بالتأشيرة”، وإنما ما هو أبعد من ذلك ويطول كل المشروع الهادف لمنح البندقية مشروعية حكم البلاد مستقبلاً، إذ من الواضح أن مساعي تسويق هذا المشروع سواء عبر مقال (فورين بولسي) أو حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة قد انحسر وتراجع بعد البيان الأمريكي الأخير.
لا للحرب.