بالكيماوي “يا برهان”
عندما خرج الإسلاميون في بداية التسعينيات يهتفون لصدام حسين ويطالبونه باستخدام السلاح الكيمياوي في مواجهته مع التحالف الدولي إبان حرب تحرير الكويت، لم يكن يخطر على بال أحد أنهم سيعودون بعد أكثر من 35 عاماً ويستخدمونه في السودان، ليس دفاعاً عن البلاد في مواجهة عدو خارجي، بل ضمن صراعهم من أجل استعادة السلطة التي صادرتها منهم ثورة ديسمبر المجيدة.
وبعد أن كان الأمر في بدايته مجرد تخمينات وادعاءات، تتراكم منذ شهر يناير 2025 الروايات والشواهد والبراهين التي تشير إلى صحة هذه المزاعم. فبعد التسريبات في الصحف، أعلنت الخارجية الأمريكية رسمياً في شهر مايو 2025 أن لديها أدلة على استخدام الجيش السوداني لغاز الكلور في معاركه في نهاية العام 2024 من أجل استعادة السيطرة على ولايتي الخرطوم والجزيرة.
وعادت واشنطن في يوليو من نفس العام لتبدأ في تطبيق العقوبات على الأفراد والكيانات التي تورطت في هذه الجريمة التي تنتهك القانون الدولي وتنتهك التزامات السودان بموجب معاهدة حظر استخدام الأسلحة الكيميائية، والتي من سخريات القدر أن يحتل السودان مقعداً في المكتب التنفيذي للمنظمة التي تتولى تنفيذ هذه المعاهدة؛ منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
ومنذ بداية هذه الأزمة، تبنت حكومة قائد الجيش استراتيجية تقوم على نكران مزاعم واشنططن، ولجأت عندما اشتدت عليها الضغوط الأمريكية إلى تشكيل لجنة تحقيق وطنية. وانتظر السودانيون والعالم الخارجي طويلاً قبل أن تصدر هذه اللجنة تقريراً سمته بالأولي” خلص إلى أنه لم يجد ما يدعم الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية مع وعد بإصدار تقرير نهائي مفصل.
وبالأمس فقط، كشفت حكومة البرهان وعبر تسريبات، وليس بيان رسمي، أنها قدمت الدعوة للولايات المتحدة لإرسال فريق متخصص للمشاركة في تحقيقات ميدانية وتقديم الأدلة والبراهين التي تثبت هذه المزاعم، وكشفت عن أن الاتصالات تتم عبر دولة “صديقة” للطرفين. وكعادته يسعى قائد الجيش ليستخدم هذه “المزاعم الكارثية” كورقة مساومة في علاقته مع الإدارة الأمريكية.
وضمن هذه التسريبات أيضاً، تضع حكومة قائد الجيش شروطاً للسماح لأي منظمة متخصصة بإجراء تفتيش ميداني، دون أن تسمي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي تتمتع بعضوية مكتبها التنفيذي. وحتى هذه المبادرة – إذا صحت – جاءت متأخرة، والدليل على ذلك أن “واشنطن” سربت جزءاً من الأدلة التي تمتلكها عبر اثنتين من كبريات الصحف الأمريكية، وهناك حديث عن امتلاكها المزيد من الأدلة والبراهين.
استخدام الأسلحة الكيميائية يظل، وبغضِّ النظر عن المبررات، جريمة “مروعة” تستحق العقاب، ويفترض الكشف عن تفاصيلها حتى يتم احتواء تداعياتها الآنية والمستقبلية على البشر والكائنات الحية والبيئة التي نعيش فيها. لذا فلا خيار أمام الفريق البرهان سوى أن يطلب من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وبشكل رسمي وعلني إجراء تحقيق ميداني حتى يثبت صحة ما ظل يردده بأنه لم يستخدم هذه الأسلحة المحرمة دولياً، أو أن يستعد لمواجهة قد تطول مع الولايات المتحدة ودول كثيرة ستنضم إليها في هذه القضية، وفي تجربة الرئيس السوري المخلوع، بشار الأسد، عظة وعبرة.
لا للحرب.