آن األوان لتشكيـــل أحــزاب جــــديدة واالنطـــــالق لمرحلــة االنتقــــال

شهادات مهمة برزت في اآلونة األخيرة شهادات عدد من اإلسالميني غير املنتمني لنظام اإلنقاذ )ممن انفصلوا عن حزب املؤتمر الوطني(، تناولت ديناميكيات تطور الحركة اإلسالمية ً أساسيًا أو واملعطيات السياسية والحزبية التي شكلت عامال فرصة قوية لنجاح الجبهة اإلسالمية وتمددها، واستغاللها لهذه املعطيات لتحقيق أهم أهدافها. من بني أبرز القضايا التي سلطت هذه الشهادات الضوء ِّزًا catalyst عليها مسألة »الفراغ السياسي«، والذي اعتبر محف رئيسيًا أتاح لإلسالميني تجاوز الخطوات التدريجية التي وضعوها للوصول إلى السلطة، ومهد الطريق أمامهم لالنفراد بالحكم لسنني طويلة.. في زمن قياسي قد يكون تجاوز توقعاتهم. فهم عقلية الخصوم والتعلم من الدروس إن فهم عملية تفكير الخصم مسألة مهمة ويشكل ً ا لدحره، ومناعة ضد تكرار مشاكل املاضي أساس ً ا قوي وبناء مستقبل أفضل.. كما أن االستفادة من دروس املاضي واستخالص العبر من األخطاء وفهم عقلية الخصم نهج أثبت جدواه، خاصة في املجال السياسي. ومن الضروري اتباع هذا النهج لتجنب تكرار مشاهد التاريخ السوداني القاتمة التي استمرت لعقود، وجلبت معها الدمار واالنقسامات والتشرذم. وهذا ما يدفعنا للبحث في املنهج والكيفية التي فكرت بها القوى اإلسالمية السياسية التي رسمت مشهدًا سياسيًا استبداديًا عانى منه السودانيون. إذ سيطرت تلك القوى لسنني طويلة بفكرها ورؤيتها األحادية املتطرفة على البالد بدون منازع، بشكل مرتب فكريًا وتنظيميًا. المشهد السوداين التارييخ وتحكم اإلسالميني من خالل شهادات اإلسالميني، يتضح أن »الفراغ السياسي« كان املمكن enabler األكبر لتسريع تحقيق مشروعهم، حيث رأوا أن حالة من الهشاشة هيمنت على الساحة السياسية السودانية، في ظل كيانات سياسية تقليدية فشلت في أن تشكل أرضية لالنتماء السياسي لقطاعات واسعة من السودانيني، حيث لم تنجح هذه الكيانات في تلبية تطلعات مجتمع متنوع ثقافيًا وجغرافيًا وعرقيًا ودينيًا، وانعكست انقسامات األحزاب بشكل سلبي على القواعد التي انقسمت بدورها.. كيانات لم تقدم نفسها كقوة قادرة على قيادة وحكم البلد بخطاب وبرنامج جاذب وشامل لكل مذاهب الحياة السياسية واالقتصادية والفكرية والفنية، بل كان االنتماء لها تحصيل حاصل، والعتبارات تاريخية صوفية أسرية ّ ة، وليست لها عالقة بطموحات الشعب السوداني وتقليدي ومتطلباته الحديثة وفكره املتقدم، مما أفسح املجال لنمو نفوذ التيار اإلسالمي بسرعة مستقطبًا الناس بخطاب إسالمي من الصعب رده حسب تكوين الشخصية السودانية بشكل عام. ُ سهل الفراغ السياسي فقط هيمنة اإلسالميني، بل لم ي أتاح ضعف الدولة السودانية أيضًا سيطرة حكم سلطوي استبدادي، استفاد من ضعف عام في نضج الدولة فكريًا واقتصاديًا، ومستفيدًا كذلك من عدم حداثة الفكر الحزبي التقليدي وضعفه عن مواكبة تطورات فكر واحتياجات َّ عة جغرافيًا ومتعددة الثقافات واإلثنيات، مجتمعات موز ففشلوا في التعبير عن آمال الناس وتطلعاتهم بشكل فاعل، فاتحني بذلك الباب على مصراعيه ملشهد سياسي متأرجح Volatile بني االنقالبات والثورات، والتذمر وعدم الرضا بني كل القطاعات. الفراغ السيايس والمقاومة الشعبية والسيطرة قبل التمكني يرى اإلسالميون أن املشهد السوداني العام والذي وصفوه بـ«الفراغ السياسي« دفعهم لتجاوز أو القفز على مرحلة أساسية من مراحل خطتهم، هي مرحلة التمكني وتسريع وصولهم إلى مرحلة السيطرة املباشرة، مستخدمني أدوات/ نظم القوة لتثبيت أقدامهم في مفاصل الحكم…هذا التحول.. من التمكني إلى السيطرة.. جاء أيضًا بسبب حالة الفراغ السياسي وعجز القوى األخرى عن ملئه ببناء قاعدة سياسية واجتماعية صلبة وليست مشرذمة، بل الذي ساد هو قواعد متأثرة بالتصدعات الحزبية التي طالت األحزاب التقليدية وحتى اليسار، في وقت من األوقات، مما جعل الباب مفتوحًا لإلسالميني للتسلل هم وخطتهم للمشهد السوداني.. دون حساب صحيح من القوى األخرى لحجم اآلثار املترتبة على ذلك. فانتشرت الحركة اإلسالمية بشكل قوي سريعًا بدون لجام مناسب. من املحطات الحاسمة في تاريخ الحركة، بناء على شهادات اإلسالمني أيضًا، تحولها من التركيز على العمل القاعدي ونشر األفكار بني الناس كمرحلة أولى، إلى السعي مباشرة للسلطة. وفي هذا السياق، يؤكد اإلسالميون أن أحد عوامل نجاحهم في تمرير أجندتهم وبسرعة، هو أن الشعب السوداني يعتبر من أقل الشعوب مقاومة لتمدد الحركة، مما دفعها، وعمل كعامل مساعد، إلى تغيير استراتيجيتها والتوسع بسرعة على املستويني األفقي والعمودي، ً لسياساتهم الصارمة. مستخدمني خطابًا دينيًا واجهة ُ عزى ذلك لضعف الوعي السياسي، قلة التعددية ويمكن أن ي السياسية التي لم تفرض نفسها كبديل قوي وثابت في مواقف الشعب السياسية . ضعف الويع بالحكم المدين من املؤلم أن شريحة كبيرة من السودانيني، لم تلتحق بمقاومة تمدد اإلسالميني إال بعد نحو ثالثني عامًا، وكان ذلك بعد أن ترسخت سلطة نظام اإلنقاذ، حيث ظل كثيرون مقتنعني بعدم وجود بديل واقعي، ورأوا أن الوضع القائم أقل سوءًا من الخيارات املطروحة… فتأرجحت األحزاب في مواقفها بني املعارضة ثم التأييد فاالئتالف، مما أفقد الثقة في األحزاب. وهنا يطرح السؤال نفسه: لو سلكت القوى السياسية السودانية طريقًا مغايرًا، فهل كان بمقدورها ملء هذا الفراغ االجتماعي والسياسي، وبالتالي تفادي وقوع البالد تحت سطوة اإلسالميني؟ وتبعات ذلك؟ واإلجابة املباشرة هي: هناك عمل مهم البد من القيام به حاليًا ملنع تكرار ما حدث من اإلسالميني الذين ظلوا يتسللوا للسلطة منذ فترة حكومة مايو وخاصة بعد انقالب ،1971 مستغلني ضعف الدولة وضعف القوى املدنية وضعف مؤسسة الجيش ومعطيات أخرى عملت كعوامل مساعدة وفرص ذهبية لتمددهم وتحكمهم. لذلك، وملجابهة إحدى الركائز األساسية التي اعتمد عليها اإلسالميون في تحقيق أهدافهم، تبرز أهمية وجود استراتيجية سياسية واضحة مللء »الفراغ السياسي« باتخاذ خطوات جادة لتقوية األحزاب الحالية التاريخية، واألهم من ذلك تأسيس أحزاب جديدة قادرة على تقديم نموذج حديث يعبر عن تعداد سكني بأغلبية %60 ممن ً ا، ويسد النوافذ هم بعمر الشباب ما بني 15 و35 عام التي يتسلل منها مختطفو التطور الطبيعي للشعوب وبنائها. وهذه دعوة لتأسيس كيانات تعمل وفق برامج متجددة تعبر عن الحقوق بشكل حديث ويجدها ويراها السودانيون قادرة ومتمكنة من قيادة البلد وحكمها والوصول بها وبهم إلى بر األمان. تاريخيًا، مر السودان بمحطات مهمة أوجدت فرصًا لتأسيس أحزاب جديدة، لكن هذه الفرص لم تشق طريقها بما كان مأمول لها، واقتصر األمر على ظهور قلة من األحزاب الجديدة التي توقف عمل معظمها، وفضل الكثيرون البقاء تحت عباءة األحزاب التقليدية. استمرار الحرب وتأسيس أحزاب جديدة إن ظروف الحرب الراهنة وتداعياتها تتيح فرصة ثمينة إلنشاء أحزاب سياسية جديدة تمأل الفراغ السياسي، وتعزز مناعة البالد ضد تكرار االنتكاسات، والدخول فى الحلقات الشريرة )circles vicious )بتأسيس فضاء سياسي متعدد وحديث يرسخ قنوات ملمارسة املواطنني لحقوقهم املدنية والسياسية، ويضمن بذلك استقرار السودان ما بعد الحرب. االنخراط يف المرحلة االنتقالية اآلن واستباقًا لألحداث، في هذه املرحلة التاريخية والتي تستدعي الديناميكية والتحرك السريع ندعو جميع القوى السياسية العتبار أن املرحلة االنتقالية قد بدأت اآلن.. بالبدء في تهيئة املناخ السياسي، حيث إن الباب مفتوح والوقت مناسب جدًا لتأسيس أحزاب جديدة تفتح املجال لفضاء سياسي رحب متعدد يعمل بمبادئ حديثة، وقادر على ترجمة طموحات الشعب السوداني إلى واقع ملموس عبر ِّ ن استقرار السودان. قنوات سياسية فعالة تؤم مشهد سيايس مرتبك ال يتجاهل هذا املقال تعقيد العوامل أو العوامل املساعدة ّ لت قفزة اإلسالميني إلى السلطة في السودان، لكنه التي سه يركز على نواقص القوى املدنية التي ساعدت على تسلل اإلسالميني للحكم بقبضة من حديد. الخالصة القوى السياسية اإلسالمية اليوم وفي ظل فشلهم في الوصول للدولة اإلسالمية؛ دولة الشريعة اإلسالمية، وما شهدوه من مقاومة قوية لحكمهم بتذمر شعبي قوي أدى لثورة عارمة.. يعيدون تنظيم أنفسهم للدخول إلى املشهد السياسي القادم بشكل جديد ومتجدد.. يظهر وجه آخر ً في بلد متعدد الثقافات لخطاب إسالمي، مرفوض أصال واألديان.. فشلت واستبدت فيه الحركة اإلسالمية بكل أشكالها. لذا فإن فهم منهج تفكير اإلسالميني وظروف الحرب.. وآثارها واستشراف املستقبل يشكلون فرصة وأسبابًا قوية لتأسيس أحزاب جديدة )كيانات سياسية واجتماعية( تعمل على ملء الفراغ التاريخي بتعددية جاذبة لكل القطاعات بتنوعها، وبرامج عمل حديثة مستقاة من تطلعات واحتياجات الشعوب، وتسد الباب وتوصده بقوة أمام احتماالت تكرار دخول اإلسالميني، أو كل من هو غير مرغوب فيه إلى السلطة. غياب التعددية بالديناميكية الحديثة ظل ويظل عائقا أساسيا أمام التحول املدني الديمقراطي واالستقرار مما يدعو إلى بذل جهود عاجلة استباقية العتبار بدء املرحلة االنتقالية األن لبناء كيانات سياسية جديدة قائمة على اسس معاصرة وتعكس التنوع بالسودان. عمليا.. في الوقت الحالي هناك الكثير من العوامل املساعدة التي ستسهل وتنجح عملية تكوين كيانات جديدة.. ومن أهمها انتشار وسهولة استخدام التكنولوجية وأدواتها التي اصبحت في ايدي الكثيرين.. االمر الذي يسهل بشكل قوي التواصل والتشبيك مع القواعد أينما كانت.. وتحريكها وتوصيل املعلومة وايضا االستماع لهذه القواعد في زمن قياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *