مقـاصد ودوافـع إعفـاء النـائب العـام وإعـــادة ً للمحكمـة الدستـورية

ع والثالثني من ديسمبر 2023م خلفًا للنائب العام السابق خليفة أحمد، وأصدر البرهان في األول من فبراير املاضي املرسوم رقم )44( لسنة 2025م والذي نص على تعيني ثالثة مساعدين لطيفور وهم »عامر محمد، ياسر أحمد وأحمد املتكسي«. إقالة غير معلنة رغم أهمية وحساسية موقع النائب العام ومساعديه في ما يتصل بالتحريات والتحقيقات وتمثيل االتهام واالدعاء في قضايا الحق العام، إال أن قرار اإلقالة لم ينشر بشكل رسمي في املنصات الرسمية ملجلس السيادة أو وكالة السودان لألنباء )سونا( أو وزارة اإلعالم، وتم االكتفاء باألنباء املسربة والتأكيدات من جهات حكومية. حيث صرح مصدر حكومي ملوقع )ألترا سودان( بصدور قرار اإلقالة لطيفور وكل مساعديه دون إعطاء مزيد من التفاصيل حول األسباب والدوافع. البحث عن السبب برز مساران لتبرير وتفسير سبب اإلقالة. جنح أحدهما لتصوير ً للعملية التي ابتدرها البرهان باإلعفاءات ً ا مكمال األمر باعتباره جزء األخيرة لقيادات بارزة في الجيش، ثم ألحقها بقيادات أخرى من جهاز املخابرات العامة، مع ورود معلومات تشير لقرب إصدار كشف إحاالت في الشرطة، وشمول اإلجراءات عدد من والة الواليات أبرزهم والة »البحر األحمر، الجزيرة، الشمالية ونهر النيل«. فيما تحدثت مصادر أن التعديالت تشمل ثمانية والة دفعة واحدة. في هذا السياق نجد أن املصدر الحكومي الذي صرح ملوقع )ألترا سودان( نحا صوب هذا االتجاه بإشارته إلى أن قرار اإلعفاء »تم اتخاذه ضمن حزمة إصالحات وتهيئة األوضاع في البالد خالل املرحلة املقبلة«. وأشار ذات املصدر إلى وجود خطوات إضافية ضمن توجهات مجلس السيادة بالعمل على تهيئة البيئة القانونية في البالد وتقوية أجهزة العدالة. ونوه في ذات الوقت إلبداء قائد الجيش مرونة في التعامل مع قضية الحصول على الجوازات والوثائق ُ رموا منها الرسمية بالنسبة لألشخاص الذين ح طيلة الفترة املاضية بسبب البالغات املفتوحة في مواجهتهم، في إشارة للقيادات السياسية واإلعالمية املدنية التي فتحت في مواجهتها بالغات منذ أبريل 2024م. الرواية الثانية ً عن مصادر نجد أن موقع )اآلن نيوز(، نقال صحفية، قدم سردية مختلفة في الرواية أشارت لتلقي النائب العام ومساعديه خطابات اإلقالة الخاصة في وقت متأخر من نهاية الدوام الرسمي يوم األحد املاضي. ومن الواضح أن هذا املوقع على صلة وطيدة بالجهات املتخذة للقرار من واقع نشرهم لخبر إقالة النائب العام األسبق خليفة أحمد قبل )72( ساعة من تسلم النائب األسبق لقرار إقالته. طبقًا للرواية املنشورة بهذا املوقع فإن إقالة طيفور ومساعديه لم تكن لديها عالقة بالصراعات مع اإلسالميني. لكن املوقع أشار لواقعة مختلفة تتمثل في مطالبة بعض اإلعالميني املساندين للجيش بإقالة النائب العام ومساعديه بسبب ظهور أحد منسوبي النيابة العامة في بث إعالمي من مدينة نياال التي يسيطر عليها الدعم السريع، حيث لم تبادر قيادة النيابة العامة بإصدار قرار بفصله أو اتخاذ أي إجراء في مواجهته. ربط املوقع املذكور قرار اإلقالة بإشارتني؛ أوالهما إصدار النيابة العامة أوامر قبض في مواجهة بعض اإلعالميني بسبب قضايا نشر، بجانب إشارة ثانية إلى حديث منسوب ملساعد قائد الجيش الفريق أول ركن ياسر العطا تحدث فيه عن وجود »طوابير« –أي خونة- داخل النيابة العامة يعطلون اتخاذ إجراءات ضد الدعم السريع. األبعاد الكاملة ينظر لطيفور وقائمة مساعديه بأنهم »الذين قدموا خدمات جليلة لسلطة بورتسودان بتوظيف القانون في تصفية الحسابات السياسية مع الخصوم« منذ تسميتهم في مواقعهم بالنيابة العامة. ولعل أبرز اإلجراءات والخدمات تمثلت في فتح البالغات الجنائية ضد القيادات السياسية واملدنية بتهم تتعلق بالحرب، وما تال ذلك من طلب القبض عليهم بواسطة »اإلنتربول« وإجراءات حرمانهم من استخراج الوثائق الثبوتية السودانية الذي ال يزال ساريًا حتى اآلن، رغم التوجيهات التي أصدرها قائد الجيش. َّ ست وفوق ذلك فإن النيابة العامة ارتكبت أخطاء وخطايا سي فيها العدالة وتحولت في عهد طيفور ومساعديه ملجرد »أداة تطويع القانون لصالح رغبات السلطة فذبحت العدالة في حقبتهم«. وبالتالي فإن تصوير إقالة تلك املجموعة باعتبارهم »خونة« أو »معيقني ملخططات السلطة« تكذبه الوقائع والشواهد العملية. ٍ يتمثل في وجود أسباب خاصة يسعى قائد هذا يقودنا لشق ثان الجيش لتحقيقها من خالل هذا اإلجراء. وهذا يقودنا للتقدم خطوة لألمام الستكشاف صلة األمر بالصراع مع اإلسالميني والتمهيد إلبعادهم، نظرًا لصلتهم بالنظام البائد، وهو أمر قد يتسق إذا ما ٍ اعتراه أيضًا قدر كبير من اإلخفاء وعدم نظر إليه بمعزل عن إجراء ثان اإلعالن الرسمي واملتمثل في تعيني –أو بشكل أدق إعادة تعيني- وهبي أحمد مختار الذي أصدر الرئيس املعزول عمر البشير في 11 نوفمبر 2014م مرسومًا جمهوريًا بتعيينه رئيسًا للمحكمة الدستورية، على خلفية استقالة رئيسها السابق عبدالله أحمد عبدالله في أبريل 2014م بسبب فضيحة مشاركته كطرف ثالث في التحكيم بني شركة األقطان السودانية وشركة متكوت خالل قضية فساد شركة األقطان. وباشر مختار مهامه رئيسًا للمحكمة الدستورية اعتبارًا من أداء القسم أمام البشير في 12 نوفمبر 2014م. أزمة »نافع« تسببت املحكمة الدستورية في أزمة قانونية وسياسية بإصدارها حكمًا يقضي بإطالق سراح قادة النظام املدحور وحزبه املحلول في 21 نوفمبر 2019م وإعالنه نهاية اليوم الذي صادف يوم الخميس بعدم دستورية اعتقال القيادي بالحزب املحلول ومدير جهاز األمن السابق نافع علي نافع، ٍ يقضي بإطالق سراحه ما لم تكن بجانب حكم ثان هناك دعوى أخرى في مواجهته، ومنحت النيابة العامة مهلة أسبوعني للرد على هذا اإلجراء. سارع النائب العام حينها موالنا تاج السر الحبر والنيابة العامة بالتقدم بطلب إلدارة سجن كوبر لتسليمها نافع الذي شرعت سلطات السجن في إجراءات إطالق سراحه بناء على قرار املحكمة الدستورية اآلنف، حيث أسست النيابة العامة طلبها على وجود بالغات مقيدة ضد نافع، أبرزها تهمة االشتراك في انقالب الثالثني من يونيو 1989م، وهو اإلجراء الذي جعله يقبع في سجن كوبر حتى إخراجه وكل قيادات الحزب املحلول من السجون بعد اندالع الحرب بالبالد في أبريل 2023م. شهد اجتماع مجلس السيادة املنعقد في 17 يناير 2020م إصدار املجلس قرارًا يقضي بعدم تجديد عقود قضاة املحكمة الدستورية التي يترأسها وهبي أحمد مختار. كان واضحًا أن هذا القرار املتخذ بموجب املادة 1/12 )و( التي منحت مجلس السيادة االنتقالي سلطة اعتماد تعيني رئيس وأعضاء املحكمة الدستورية لكون هذا اإلجراء الخاص باملحكمة الدستورية مرتبطًا بترشيح رئيس القضاء في حال عدم تشكيل مجلس للقضاء. ومن الواضح أن عدم تجديد عقود رئيس

وقضاة املحكمة الدستورية أحدث فراغًا قانونيًا جراء غياب املحكمة الدستورية خالل السنوات املاضية. دوافع أخرى تشير تحليالت أخرى لوجود دوافع أخرى لتسمية رئيس للمحكمة الدستورية بوجوب تكوينها إلكمال الشق القانوني املتصل باملحاكمات واإلجراءات املتخذة في مواجهة طرفني أحدهما قيادات النظام السابق بشطب كل البالغات املفتوحة في مواجهتهم، على رأسها قضية تدبير وتنفيذ انقالب الثالثني من يونيو 1989م، وبالتالي تقليل الضغط القانوني والسياسي على تحركاتهم وظهورهم العلني في املشهد، حسبما يعتقد عضو هيئة االتهام في البالغ القانوني املعز حضرة املحامي، وهذا يؤدي إلكمال اإلجهاز على العدالة بشكل نهائي. ٍ يعتبر أن أحد دوافع يترافق هذا التحليل مع تصور ثان تسمية رئيس للمحكمة الدستورية هو اإلسراع في تنفيذ أحكام اإلعدام الصادرة في مواجهة أسرى الدعم السريع، أو املقبوض عليهم بتهمة التعاون. إال أن التحليل املرتبط بهذا األمر وضع افتراضني؛ أولهما أن الهدف إكمال دائرة التقاضي بتأييد األحكام من املحكمة الدستورية وهو ما يجعل التنفيذ ممكنًا في حال التوقيع عليه من قبل قائد الجيش، مما يتيح فرصة لتنفيذ هذه األحكام. إال أن وجهة نظر أخرى تعتقد أن األمر من الوارد استخدامه في حال تطور املباحثات واملفاوضات مع الدعم السريع بإنهاء هذه األحكام وإبطالها بموجب إجراء قضائي صادر عن املحكمة الدستورية. صحيح أن املحكمة الدستورية في مايو 2016م أصدرت حكمًا نقض إجراءات جهاز األمن الصادر في 15 ديسمبر 2015م بتعليق صدور صحيفة )التيار( اليومية، وهو ما ترتب عليه دخول العامني بالصحيفة وصحفيني متضامنني معهم في إضراب مفتوح عن الطعام استمر ملدة ثالثة أيام، وانتهت األزمة بناء على تواصل والتزام لجنة وساطة صحفية أبلغت الصحفيني املضربني بتفويضهم من قبل الجهات الرسمية إلنهاء أزمة الصحيفة، ويومها كان املخرج هو الحكم الصادر من املحكمة الدستورية الذي أنهى وألغى قرار جهاز األمن في الظاهر، والصادر عن البشير شخصيًا حسب امللمني بالوقائع واألحداث وقتها. الواقعة املشار إليها حول توظيف »الدستورية« للخروج من األزمات السياسية عن طريق اإلجراء القانوني، كما حدث في قضية »التيار«، يجعل سيناريو توظيفها في ذات اإلطار بتوفر السياق لخطوات سياسية ذات صبغة تصعيدية، أو تجنح للتهدئة واردة الحدوث وغير مستبعدة، ال سيما في ظل وجود تجارب مماثلة تختلف في الوقائع والظروف لكن يمكن أن تتطابق على مستوى النتائج. أيًا كانت دوافع ومقاصد إعفاء طيفور ومساعديه من ناحية، وتعيني القاضي وهبي أحمد مختار رئيسًا للمحكمة الدستورية، فإن السياق العام يظهر أن البعد »السياسي« حاضر داخل مشهد هذه التعيينات. أما أي االتجاهات السياسية التي سيتم توظيفها وتتحرك صوبها تطورات األحداث فهذا شأن يبدو غامضًا ومفتوحًا على كل االحتماالت، وستشكف األيام تفاصيلها ودوافعها وأهدافها الحقيقية، و«الغد لناظ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *