لا بديل عن خيار الهدنة
بإعلان الدعم السريع موافقته على مقترح الرباعية بشأن الهدنة الإنسانية، أصبحت الكرة الآن في ملعب حكومة بورتسودان التي ما تزال تحيط موقفها النهائي من المقترح بالكثير من الضبابية والمواقف الملتبسة.
تبني حكومة بورتسودان إستراتيجيتها في التعامل مع مقترح الهدنة على عدد من المحاور. أولها، أنها لا ترفض التعامل مع الجهود الدولية لإحلال السلام في السودان، لكنها وكما قال وزير خارجيتها، محيي الدين سالم، بوضوح ترفض صيغة الرباعية لأنها تضم دولة الإمارات، وأنهم على استعداد للتعامل مع الأعضاء الثلاثة الآخرين على أسس ثنائية. وهنا يتجاهل وزير خارجية الأمر الواقع حقيقتين أولاهما أنه شخصياً التقى بوزير الدولة بوزارة الخارجية الإماراتية، الشيخ شخبوط، في واشنطن وقد أكد الفريق عبد الفتاح البرهان حقيقة اللقاء في حديثه مع حسن إسماعيل. كما أنه يتجاهل حقيقة أن مقترح الهدنة قدمته الولايات المتحدة الأمريكية، وهي التي تتفاوض عليه مباشرة مع طرفي الحرب، وأن أبوظبي ليست طرفاً مباشراً في هذه المفاوضات.
ثاني هذه المحاور، هو أن حكومة بورتسودان مستعدة لمناقشة مقترح الهدنة في حال وافقت الوساطة على شروطها، والتي حددها قائد الجيش في خطابه إلى الأمين العام للأمم المتحدة في شهر مارس الماضي. وقد كان رد الوسطاء على لسان وزارة الخارجية السعودية واضحاً في هذا الجانب أنه يمكن الحديث عن كل التفاصيل بعد إعلان الموافقة على الالتزام بالهدنة الإنسانية التي تمثل نقطة البداية لأي مفاوضات. ومن المؤكد أن الوسطاء واعون إلى استحالة تحقيق شروط القوات المسلحة التي تسعى للوصول عبر التفاوض إلى ما عجزت عن تحقيقه عبر العمليات العسكرية. ولن تساعد مناورة إبداء انفتاح “شكلي” فيما يتعلق بإيصال المساعدات الإنسانية في تغيير أولويات المجتمع الدولي المتمثلة في الموافقة على الهدنة.
المحور الثالث، إطلاق حملات التعبئة والاستنفار والحملات الإعلامية المنظَّمة بغرض حشد الرأي العام السوداني ضد مقترح الهدنة، وإجبار أي أصوات داخل معسكر الحرب قد تراودها فكرة قبول الهدنة بالتراجع الفوري عنها عبر حملات التخوين. لكن من الواضح أن حملات الاستنفار والحشد العسكري لم تَعُدْ تجد نفس الحماس السابق لعاملين؛ أولهما استطالة أمد الحرب ما يدفع الكثيرين للتشكيك في جدوى الحل العسكري خصوصاً بعد ما حدث في الفاشر وبارا، وما قد يحدث في بابنوسة. والعامل الثاني الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعيشها حكومة بورتسودان وتحد من قدرتها على تمويل هذه الحملات. كما تعرضت الحملات الإعلامية لانتكاسات كبيرة خلال الأسابيع الماضي بعد أن أصبح خيار السلام هو الأول بالنسبة لكثير من السودانيين.
تزايد الضغوط الداخلية من أجل القبول بخيار الهدنة يضع حكومة بورتسودان أمام خيارات محدودة، خصوصاً أن قَبول قوات الدعم السريع بمقترح الهدنة. وبغضِّ النظر عن التشكيك المفهوم في نواياها الحقيقية، سيضع كل ضغوط المجتمع الدولي على كاهل قيادة القوات المسلحة. كما أن مقترح توسيع الرباعية لتضم أطرافاً مثل قطر سيحول هاتين الدولتين من داعم بغير شروط للجيش إلى طرف ضاغط لتحقيق السلام، ولعل في تجربة غزة مثالاً حياً.
لم يعُد أمام الفريق عبدالفتاح البرهان من خيارات سوى التقدم على طريق السلام عبر القبول بمقترح الهدنة، لأن رفضها يعني إدخال البلاد في نفق مظلم جديد من الضغوط والعقوبات التي يدفع ثمنها شعب السودان الذي يدفع ثمن الحرب. ولكنه يعني أيضاً دخول الحرب مرحلة جديدة أكثر عنفاً وبطشاً بالمدنيين، وفتح البلاد أمام المزيد من التدخلات الأجنبية، وتحولها لبؤرة توتر قد تقود إلى اشتعال كل الإقليم.
لا للحرب.