خمسة أعوام على انقلابه البرهان وقلق فقدان المكانة

حين تحول الطموح الشخصي إلى تحالف لإجهاض التغيير

سوار الذهب دليل حي على أن “قلق المكانة” ليس قدرًا حتميًا على القادة العسكريين.

في علم الاجتماع السياسي، السلطة ليست هي مجرد القدرة على إصدار الأوامر والتحكم في الموارد؛ وإنما هي أيضًا مصدر للمكانة (Status) والاعتراف (Esteem) والهيبة (Prestige). وفقدانها يمثل تهديدًا يتجاوز خسارة المنصب إلى فقدان الاعتبار الشخصي والموقع الاجتماعي.

الفيلسوف الألماني أكسل هونيث (Axel Honneth) المولود في 1949، يقدم من خلال مفهوم “الصراع من أجل الاعتراف” (The Struggle for Recognition)، مدخلًا لفهم علاقة الحاكم بالمنصب الذي يمنحه قيمة اجتماعية لم يكن يمتلكها من قبل. وعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (Pierre Bourdieu) (1930-2002) يفسر كيف يتحول مثل هذا المنصب إلى “رأس مال رمزي” (Symbolic Capital) يمنح صاحبه الاعتبار والنفوذ، بينما يميز عالم الاجتماع والاقتصاد السياسي الألماني ماكس فيبر (Max Weber) (1864–1920) بين امتلاك القوة (Power) واكتساب الشرعية (Legitimacy).

ومن منظور النظريات الثلاث، تُقدم تجربة عبد الفتاح البرهان حالة جديرة بالدراسة. فالرجل (المجهول تمامًا داخل الأوساط السياسية)، لم يصل إلى رئاسة الدولة بوصفه قائدًا لثورة، أو زعيمًا لحزب جماهيري، أو صاحب مشروع سياسي نال تفويضًا شعبيًا، وإنما هو مجرد ضابط مشاة رفيع الرتبة، (أمضى معظم سنوات خدمته في ميادين القتال. ولم يكن جزءًا من النخبة العسكرية أو السياسية التي تدير شؤون الحكم من العاصمة الخرطوم)، وجد نفسه فجأة في صدر المشهد؛ رئيسًا للمجلس العسكري الإنتقالي (بعد تنازل عوض بن عوف عن رئاسة ذلك المجلس، في 12 أبريل 2019، وبعد 24 ساعة من أدائه القسم، استجابة لضغوط الشارع)، ثم رئيسًا لمجلس السيادة الانتقالي منذ أغسطس 2021 وحتى اليوم. ولدى توليه المنصبين اختار صديقه محمد حمدان (حميدتي) نائبًا له. (في أول حوار تلفزيوني مباشر له بعد توليه رئاسة المجلس العسكري الانتقالي في 21 أبريل 2019، والذي بثه تلفزيون السودان وقناة النيل الأزرق في ذات اللحظة، أعلن أنه قضى معظم مسيرته المهنية في الأقاليم والعمليات الميدانية بعيدًا عن الخرطوم ودوائرها السياسية).

رئاسة البرهان للمجلس السيادي كانت مؤقتة بطبيعتها، ومقيدة باستحقاقات انتقال، محكوم بوثيقة دستورية، يفترض أن ينتهي بإقامة حكم مدني. غير أن الموقع الذي ناله صدفةً وعَرَضًا، ومنحه هيبة ونفوذًا، أصبح عاملًا مؤثرًا في قراراته، وفي نظرته إلى نفسه وإلى مستقبل السلطة والقوى التي تنازعه عليها.

وفي هذا السياق، فإن رواية البرهان عن أن والده حلم بأنه سيصبح رئيسًا للسودان، والتي حكاها في أول لقاء تلفزيوني معه، تكتسب دلالة رمزية خاصة؛ فاستدعاؤها يمكن قراءته بوصفه إضفاءً لمعنى قدري على وصوله إلى الحكم، وتحويل ما أتاحته الظروف إلى تحقق لطموح شخصي منتظر. وإذا اكتسبت الرئاسة في تصور صاحبها هذا المعنى، يصبح التخلي عنها أكثر من انتهاء مهمة سياسية؛ بل يغدو فقدانًا لمكانة ارتبطت بصورة الذات والشعور بالإنجاز.

في ضوء المُدخلات، يمكن قراءة انقلاب أكتوبر 2021 بوصفه محطة حاسمة في انتقال البرهان من ممارسة سلطة مؤقتة إلى محاولة إعادة تأسيس تلك السلطة خارج القيود التي جاءت بها. فالانقلاب أطاح بالشراكة الانتقالية مع المدنيين، وفتح للرجل الباب للاستمرار في موقع القرار دون الالتزام بالمسار السابق الذي تحدد لتداول السلطة. ومنذ تلك اللحظة  تغيرت طبيعة الصراع في السودان، فلم يعد الصراع متعلقًا فقط بمن يحكم السودان، بل بمن يملك تحديد شروط الانتقال وحدود المشاركة السياسية فيه.

غير أن أخطر ما في تجربة البرهان ليس الطموح الشخصي وحده، بل تقاطع هذا الطموح بمصالح القوى السياسية والاجتماعية التي فقدت امتيازاتها ونفوذها بسقوط نظام البشير. فالبرهان، الذي يفتقر إلى قاعدة حزبية وجماهيرية مستقلة، وجد في “شبكات النظام السابق” مصدرًا للإسناد السياسي والتنظيمي والعسكري، فيما وجدت الشبكات المرتبطة بالحركة الإسلامية ونظام الإنقاذ في بقاء البرهان في السلطة واستمرار هيمنة الجيش والأجهزة الأمنية فرصة لاستعادة نفوذها والحد من عودة القوى التي قادت التغيير الثوري.

هكذا نشأت علاقة المصالح المتبادلة بين البرهان؛ الساعي إلى المحافظة على موقعه، والقوى القديمة التي ترى في استمراره حماية لمصالحها وفرصة لاستعادة ما فقدته. هذه العلاقة تعززت مع الحرب، مع عودة مجموعات مرتبطة بالنظام السابق إلى التعبئة العسكرية والحضور العام.

كشفت الحرب أيضًا عن مفارقات أكثر دلالة في طريقة البرهان لاختيار حلفائه وتحديد خصومه.

المفارقة الأولى تجلت في تحالفه مع القوات المشتركة للحركات الدارفورية، وفي مقدمتها “حركة تحرير السودان” بقيادة مني أركو مناوي، و”حركة العدل والمساواة” بقيادة جبريل إبراهيم. هذه الحركات التي خاضت حروبًا طويلة ضد الجيش والدعم السريع، أصبحت اليوم حليفًا للجيش في حربه ضد الدعم السريع. والعلاقة تكشف أن البرهان قادر على تجاوز تاريخ طويل من العداء المسلح عندما تقتضي مصلحته ذلك.

وهذه الدلالة الأخيرة تظهر أكثر وضوحًا عند النظر في تعامله مع مع القادة المنشقين عن قوات الدعم السريع. فقد استقبل كيكل وقواته بعد انشقاقهم في أكتوبر 2024، ورحب بالنور القبة، بعد انشقاقه في أبريل 2026، وأهداه سيارته، واستوعب علي رزق الله “السافنا” في العام نفسه، وغيرهم، دون التحقيق في المسؤولية المحتملة لهؤلاء القادة عن الجرائم الجسيمة المرتكبة خلال وجودهم في الدعم السريع.

وهنا يبرز السؤال؛ كيف يصبح من حمل السلاح ضد الجيش، وارتبط اسمه بانتهاكات جسيمة، قابلًا للاستيعاب والتحالف، بينما يُصنف من المُعارضون مدنيًا خصومًا لا مكان لهم في مستقبل السلطة؟. فقد أعلن البرهان، في أكثر من مناسبة، رفضه عودة حمدوك وحلفائه السياسيين إلى الحكم، وبلغ خطابه ذروة جديدة في أكتوبر 2026 عندما أكد في وادي حلفا أن حمدوك وقوى الحرية والتغيير لن يعودوا، مستخدمًا مفردات التخوين والعمالة تجاه خصومه. وهو خطاب يثير تساؤلًا حول حق البرهان في تحديد من يجوز له ممارسة السياسة قبل الاحتكام إلى إرادة المواطنين.

والتناقض البيّن في موقفه من “حَمَلة السلاح” و”المدنيين”، لا يمكن فهمه بعيدًا عن ما يعانيه الرجل من “قلق فقدان المكانة”، وطبيعة التهديد الذي يمثله كل طرف. فكيكل وقبة وبقال وسافنا وغيرهم، بقبولهم للقتال تحت قيادته يعززون من قوته وموقعه، أما حمدوك وخالد سلك ورشا عوض وغيرهم من المدنيين الذين لا يحملون سلاحًا ويطالبون بإنهاء الحكم العسكري، فهم بطرحهم لتغيير بنية السلطة، يهددون حلمه.. وبهذا المعنى، يصبح معيار القرب أو الإقصاء، مرتبطًا ليس فقط بتاريخ الخصومة أو طبيعة الأفعال، وإنما أيضًا بموقف الطرف من استمرار البرهان في الحكم. فمن يقبل موقعًا داخل ترتيبات القوة القائمة يمكن استيعابه، بينما يصبح من يطالب بتغيير تلك الترتيبات مصدرًا لتهديد سياسي أشد عمقًا.

وهنا تساعد نظرية بورديو في تفسير وظيفة “السلطة الرمزية”؛ أي القدرة على فرض التصنيفات التي تحدد من هو الوطني ومن هو العميل، ومن يستحق المشاركة ومن ينبغي استبعاده. كما تتيح نظرية “الهوية الاجتماعية” عند هنري تاجفيل وجون تيرنر فهم الكيفية التي يتحول بها الولاء للقائد إلى معيار للانتماء الوطني، بحيث تبدو مساءلته اعتداءً على الجماعة أو المؤسسة التي يتماهى معها أنصاره.

هذه التحالفات التي أنشأها البرهان، تكشف أن المسألة أوسع من الطموح الشخصي لرجل وصل إلى الحكم في ظروف استثنائية، فالحرب أعادت تشكيل شبكة المصالح المحيطة به، وجمعت حوله أطرافًا متباينة، بعضها كان عدوًا للجيش، وبعضها ينتمي إلى القوى التي أطاحت بها الثورة، وبعضها انشق عن الطرف الذي يخوض الجيش الحرب ضده. ولكل طرف مصالحه وحساباته ومخاوفه الخاصة.

وهكذا تحول طموح عبد الفتاح البرهان الشخصي للحفاظ على “المكانة” غير المستحقة، المُعززة بحلم والده، إلى تحالف لإجهاض الثورة وإعادة فلول النظام البائد، وإلغاء حق الشعب في المشاركة، وفي اختيار من يحكمه، وواجب الدولة في إفشاء السلام وتحقيق العدالة ومساءلة ومحاسبة من أجرموا في حق الوطن، بدءًا بمخطِّطي ومنفِّذي مذبحة القيادة، ومرورًا بضحايا المواكب المعارضة لانقلاب أكتوبر 2023، وختامًا بتحديد المسؤولين عن إشعال الحرب المدمرة، ومن ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب المستمرة من 15 أبريل 2023.

في كتابه الشهير “قلق السعي إلى المكانة” (Status Anxiety)، يرى الفيلسوف المعاصر آلان دو بوتون (Alain de Botton) أن البحث عن المكانة لا ينبع من الطمع المادي، بل هو سعيٌ حثيثٌ خلف “الحب والتقدير” وخوف وجودي من التجاهل أو السقوط. وعند إسقاط أسباب لظاهرة كما فككها دو بوتون على حالة عبد الفتاح البرهان، نجد ترابطًا وثيقًا يتجلى في ستة محاور رئيسية:

  • الاعتمادية الهشةDependence) ): ذكر دو بوتون أن القلق يشتد عندما ترتبط مكانة المرء بعوامل متقلبة لا يمكنه السيطرة عليها. في حالة البرهان، نجد أن نفوذه مرهون بتقلبات الحرب، والضغوط الدولية، وتآكل الحاضنة السياسية، مما يضاعف قلقه النفسي ويدفعه للتشبث بالسلطة كدرع حماية أخير ضد التهميش.
  • الخوف من غياب التقدير(Lovelessness) : جادل دو بوتون بأن غياب النظرة التقديرية من الآخرين يمثل عقابًا نفسيًا قاسيًا. ومع تزايد العقوبات والعزلة الدولية المفروضة عليه)، ترجم قلقه إلى خطاب سياسي هجومي حاد يتهم فيه الخصوم بالعمالة والخيانة، وكآلية دفاعية لإعادة فرض هيبته ومكانته محليًا.
  • معضلة الجدارة والسقوط (Meritocracy): يرتبط الفشل في الحفاظ على الموقع بشعور مدمّر بالخزي الشخصي. هذا المنظور يفسر لماذا يرى البرهان أي تسوية سياسية قد تزيحه من قمة المشهد العسكري والسياسي بمثابة “انتحار معنوي”، مما يجعل استمرار الحرب بالنسبة له معركة صفرية للحفاظ على اعتراف العالم به كرأس للدولة.
  • الندية الوهمية: يرى دو بوتون أن القلق يرتفع عندما نشعر بتهديد لمكانتنا من قِبل أندادنا. في خطابه الأخير بوادي حلفا في أكتوبر 2026، ركز البرهان بشكل حاد على رفض عودة القوى المدنية كـ”قحت” أو رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك قائلاً: “لا حمدوك بجي ولا قحت بتجي”. هذا الإقصاء اللفظي يعكس رغبة مدفوعة بالقلق لإنهاء أي مقارنة سياسية تسحب البساط من شرعيته العسكرية المنفردة.
  • السيادة والمكابرة كدرع ضد “الخوف من التجاهل: يرى دو بوتون أن الفرد المستعر بقلق المكانة يبحث عن اعتراف بأي ثمن. البرهان، في مواجهة العزلة والضغوط الدولية المكثفة، يعمد في خطابه إلى المبالغة في تأكيد الاستقلالية مثل ترديده لمقولة “نرفض أي إملاءات خارجية”، ويرسل رسائل موازية مثل خطابه إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لبناء خط اعتراف دولي موازٍ يهدئ من روع العزلة.
  • شيطنة الخصوم: الخوف من الفشل يُترجم عند دو بوتون إلى بحث عن مبررات أخلاقية عليا. عندما يصف البرهان خصومه بأنهم “خونة وعملاء ومرتزقة يحملون السلاح من الخارج”، فإنه يحول الصراع من منافسة سياسية على السلطة إلى “معركة وجودية”، وبالتالي يصبح التنازل أو التنحي انتحارًا وطنيًا وأخلاقيًا لا مجرد خسارة.

 

الخلاصة

البرهان يتحرك في مسار نفسي وسياسي يقترب من نموذج “المعركة الصفرية”؛ فهو على عكس سوار الذهب الذي وجد مكانته في التخلي الطوعي والمنظم عن قمة السلطة، يرى في التنازل تجريدًا كاملًا لوجوده، مما يجعله يسير بـ”قلق المكانة” إلى أقصى درجات التصعيد العسكري لحماية موقعه فوق أنقاض الشرعية السياسية التقليدية.

ويظل الراحل سوار الذهب الدليل الحي على أن “قلق المكانة” ليس قدرًا حتميًا على القادة العسكريين، بل هو خيار نفسي وسياسي يرتبط بمدى استعداد القائد لتغليب الرمزية الأخلاقية والتاريخية على حساب المكاسب السلطوية المؤقتة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *