البرهان ونتنياهو..
صداقة انتهازية؟ أم عداوة أيديولوجية؟
تقارير – (ديسمبر)

وصف “ملتبسة” هو الوصف الأكثر ملاءمة للعلاقة بين القائد العام للجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان ودولة إسرائيل. هذا الالتباس تؤكده وقائع العلاقة نفسها، ولعل أبرز محطاتها لقاء البرهان ببنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي في مدينة عنتيبي اليوغندية في 2020. ورغم ذلك يرجح كثيرون أن الضربة التي استهدفت مواقع حيوية في بورتسودان قبل عدة أشهر كانت من نيران إسرائيلية، وإن لم تعلن تبنيها صراحة.
ويكشف تتبع الصحافة الإسرائيلية عن هذا الالتباس، فهي بعد أن وصفته بالحليف أيام انخراطه في الحلف الإبراهيمي، وذات الصحف وصفته بأنه يمثل خطراً على إسرائيل بسبب تحالفه مع إيران.
العسكر وود إسرائيل
كسب المكون العسكري معركة التنافس على ود إسرائيل التي كانت محتدمة بينهم والمكون المدني أيام الشراكة قبل انقلاب 25 نوفمبر 2021، وفعلياً باللقاء الذي جمع البرهان ونتنياهو حسمت المعركة لصالح العسكريين، كما أن تمنع بعض المدنيين ورفض البعض الآخر للتطبيع كلياً أكد للإسرائيليين أن قرارهم في المضي مع العسكريين كان صائباً، إلا أن إسرائيل لم تنظر إلى العسكريين في السودان على أنهم كتلة واحدة، بل نظرت إليهم كقوتين عسكريتين منفصلتين؛ جيش ودعم سريع، لذا تولت وزارة الخارجية الإسرائيلية ملف الجيش السوداني، بينما تولى رجال المخابرات في “الموساد” ملف قوات الدعم السريع.
علاقة إسرائيل مع الجيش والدعم السريع تجلت مظاهرها في الحرب الدائرة على الأرض اليوم. حرصت إسرائيل، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية، على إكمال التطبيع مع السودان قبل تسليم المكون المدني مقاليد الحكم، للدرجة التي طلبت فيها إسرائيل من العسكريين الانضمام إلى “منتدى النقب”. وكشفت قناة “13” الإسرائيلية، قبيل تفجر المواجهات بين البرهان وحميدتي، أن حكومة بنيامين نتنياهو وإدارة الرئيس جو بايدن حاولتا إقناع السودان بالانضمام إلى منتدى “النقب”، الذي يضم إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، كلاً من مصر والإمارات والمغرب والبحرين. وحسب القناة، فقد تحرك الإسرائيليون والأمريكيون بالفعل لإقناع القيادة العسكرية السودانية بالمشاركة في اجتماع وزراء خارجية دول “منتدى النقب” والذي كان مقرراً أن يعقد في الرباط شهر مايو، إلا أن الحرب قطعت الطريق أمام تطبيع العسكريين مع إسرائيل.
“الحارس المفترس”.. الدعم السريع يستفيد

كشفت صحيفة (هآرتس) العبرية في فبراير 2024، أن قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، نائب رئيس مجلس السيادة وقتها، حصل على أجهزة تجسس متطورة، نقلتها إلى الخرطوم طائرة مرتبطة ببرنامج التجسس الإسرائيلي، تجلب تكنولوجيا المراقبة من الاتحاد الأوروبي. وتمت عملية نقل الشحنة على وجه السرعة من قبل الدعم السريع إلى دارفور. غير أن الفيلم الذي أنتجته (لايت هاوس ريبورتس) مع (إنسايد ستوري) اليونانية و(هآرتس) الإسرائيلية، كشف تفاصيل حصول الدعم السريع على أجهزة تجسس متقدمة من إسرائيل.
تفاصيل رحلة “الحارس المفترس”
يكشف فيلم “رحلة المفترس” النقاب عن أكبر فضيحة برمجيات تجسس في أوروبا. تبدأ الأحداث في الخرطوم، حيث تُخبرنا المصادر كيف تم تسليم تكنولوجيا المراقبة المطورة إلى قوات الدعم السريع، ثم نتابع الطائرة إلى قبرص واليونان، حيث نستكشف كيف أنشأ ديليان وشركاؤه، هربًا من القانون، شبكة معقدة من الشركات الوهمية في أنحاء أوروبا وجزر فيرجن البريطانية. ومع انتقال الطائرة إلى براغ وإسرائيل، نلقي نظرة فاحصة على صناعة المراقبة في معرض تجاري مرموق يُقام بدعوات خاصة، ونتتبع تداعيات أنشطة شركة إنتليكسا في موطنها الجديد، اليونان، حيث أثارت برامج التجسس الخاصة بها فضيحة عندما كشف أن الشحنة تم تفريغها في مطار الخرطوم وتسلمتها قوة يرافقها الرجل الثاني في الدعم السريع عبدالرحيم دقلو، الأخ غير الشقيق لحميدتي، وتم إفراغ الشحنة على عجل. وجاء في التحقيق الذي لم تعره الصحافة السودانية أو السياسيون اهتماماً كافياً أنه “ووفقاً لثلاثة مصادر مستقلة، كانت الشحنة عبارة عن تكنولوجيا مراقبة متطورة، مصنّعة في الاتحاد الأوروبي، ولها القدرة على تغيير موازين القوى في السودان بفضل قدرتها على تحويل الهواتف الذكية إلى أجهزة استخبارات سمعية وبصرية عن أصحابها. وعندما وصل نبأ وصولها إلى خصوم حميدتي، اعتُبرت هذه المعدات بالغة الخطورة، لدرجة أن قائداً في قوات الدعم السريع، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، قال إنها هُرّبت من الخرطوم إلى معقل المليشيا في دارفور لمنع الجيش من مصادرتها.” واتفق عدد من الخبراء العسكريين أن أجهزة التجسس التي حصل عليها الدعم السريع بناءً على علاقته مع إسرائيل كسب منها تفوقاً استخباراتياً لعب دوراً حاسماً في تقدم الدعم السريع في الأيام الأولى للمعركة.
وبالعودة إلى علاقة البرهان بإسرائيل نجده، وعلى الرغم من أنه من فتح الباب، لم يفلح في استثمارها لصالح الجيش على أقل تقدير.
مبعوثو البرهان
كشف مصدر في بعثة السودان الدبلوماسية في واشنطن لـ(ديسمبر) أن علاقة البرهان مع إسرائيل لم تنقطع، على الرغم من أنها تشهد فتوراً في أوقات كثيرة، وأن إسرائيل في الأيام الأولى للحرب كانت حريصة على عدم تمددها واحتوائها في وقت مبكر.
يجيئ حرص إسرائيل من منطلق علاقتها مع طرفي الحرب؛ الجيش والدعم السريع، وأكثر من ذلك حرصها على إكمال انضمام السودان إلى الحلف الإبراهيمي، وكان من المقرر أن ينضم السودان إلى منتدى النقب بعد شهر واحد من اندلاع الحرب. وكشفت تقارير صحفية عن لقاء جمع مبعوث البرهان الخاص الفريق الصادق إسماعيل مع ممثلين للإدارة الإسرائيلية في ألمانيا. إلا أن معلومات حصرية حصلت عليها (ديسمبر) أماطت النقاب عن إرسال الفريق أول عبد الفتاح البرهان مبعوثاً خاصاً به إلى الولايات المتحدة الأمريكية نهاية أكتوبر 2025، وحُصرت مهمته في إقناع الإدارة الأمريكية عبر مؤثرين في الكونغرس، بمساندة البرهان للضغط على قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو حميدتي للقبول بخارطة الحل المقدمة من قائد الجيش، إضافة إلى تنشيط العلاقة مع إسرائيل عبر اللوبي الإسرائيلي في أمريكا، بحسب المصدر.
ووصف المصدر الدبلوماسي، في بعثة السودان بأمريكا، مبعوث البرهان بأنه “غير رسمي”، وقال: “هو مبعوث غير رسمي على الرغم من أنه جاء يحمل جواز سفر دبلوماسياً”، إلا أن المصدر تحفظ عن ذكر اسم مبعوث البرهان، وقال: “الاسم سيعرف للجميع مع الوقت”.
وأشار المصدر إلى أن مبعوث البرهان التقى عدداً من مجموعات الضغط (اللوبيات) المرتبطة بالنواب في الكونغرس الأمريكي، وأطلعهم على خطة البرهان واستعداده للتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة الأطماع الروسية والصينية في السودان وأفريقيا، كما أكد لهم حرص البرهان على المضي قدماً في التطبيع مع إسرائيل والانضمام للحلف الإبراهيمي بالكامل.
وكشف المصدر، الذي طلب حجب اسمه، أن مبعوث البرهان جاء ضمن وفد وزير الخارجية محيي الدين سالم الذي زار واشنطن نهاية أكتوبر الماضي، وقال: “انخرط الوفد الحكومي في مباحثات رسمية مع مسؤولين أمريكيين حول إنهاء الحرب، بينما تفرغ مبعوث البرهان الخاص إلى اللقاءات الجانبية مع اللوبيات الإسرائيلية والأمريكية”.
وأشار المصدر إلى أن المقال الذي نُشر باسم الفريق أول عبد الفتاح البرهان في صحيفة (وول ستريت جورنال) جاء متضمناً كثيراً من الأفكار التي ناقشها مبعوث البرهان الخاص مع مجموعات الضغط، ومن بينها استعداد البرهان لحراسة وخدمة المصالح الإسرائيلية. ولم يستبعد المصدر أن يكون مبعوث البرهان وراء كتابة المقال ونشره باسم البرهان. ونُشرت صحيفة (وول ستريت جورنال) الأمريكية في 26 نوفمبر 2025 مقالًا باسم البرهان تضمن مفاهيم تدور حول إدراك الحكومة السودانية في ظل قيادته لأهمية الدور الإسرائيلي في المنطقة، مذكّرًا فيه الإدارة الإسرائيلية أنه هو من بادر بخطوات التطبيع والدخول في الحلف الإبراهيمي وأنه حريص على الاستمرار فيها، في محاولة للفت الانتباه إلى ضرورة الحفاظ على وجوده في معادلة السلطة بعد الحرب التي يطلب دعمها لإنهائها لصالحه.
ولم يتبين إن كان مجهود مبعوث البرهان الخاص قد أثمر، إلا أن المعلومات المتوفرة لدى بعثة السودان في واشنطن تشير إلى أن اللقاءات التي أجراها المبعوث لم تتعدَّ ناشطين في مجموعات الضغط، ولم يفلح في لقاء نواب أو مسؤولين رسميين في إدارة دونالد ترمب، غير أنه أكد على حرص البرهان وتمسكه بالحلف الإبراهيمي، كما تعهد بزيارة البرهان إلى إسرائيل متى قُدمت له الدعوة من تل أبيب.
وفيما يتعلق بالمبعوث، قال المصدر إنه لا يستطيع ذكر اسمه، وقال: “هو شخص قريب من البرهان وظل يعمل كمستشار متطوع ولم يُعلن عن تعيينه في أي وظيفة، واستُخرج له جواز سفر دبلوماسي للحصول على تأشيرة ضمن وفد وزير الخارجية محيي الدين سالم”. وأضاف أن مبعوث البرهان ظل يعمل كمستشار سياسي في الأشهر الأخيرة.
البرهان “خطر وجودي على إسرائيل”
اللقاء الذي جمع الفريق الصادق إسماعيل، مبعوث البرهان الخاص، كان بخصوص لوم إسرائيل على عدم مساندتها الجيش في حربه ضد الدعم السريع، غير أن إسرائيل أبدت تخوفها من علاقة بورتسودان مع إيران، خاصة أن علاقة طهران مع الإسلاميين في السودان قديمة، فضلاً عن علاقتهما مع حماس عدو إسرائيل الأول. وقال تقرير لصحيفة (جيروزاليم بوست) الإسرائيلية، في 3 يوليو 2025 إن قائد قوات بورتسودان، عبد الفتاح البرهان، بات يمثل خطراً وجودياً على إسرائيل، ويجب التحرك للقضاء على نظامه. وتُتَّهم إسرائيل بأنها وراء استهداف منشآت حيوية في مدينة بورتسودان – شرق السودان- التي اتخذها البرهان عاصمة مؤقتة. فقد تعرضت المدينة في الرابع من مايو 2025م، لسلسلة ضربات جوية بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع مدنية وعسكرية، من بينها مطار المدينة الدولي، ومستودعات الوقود، ومحطة الكهرباء، والقاعدة الجوية العسكرية، وقاعدة القوات البحرية، إضافة إلى عدد من الفنادق والمنازل في وسط الأحياء، ولم يعلن الدعم السريع مسئوليته عن هذه الهجمات، والتي تم تنفيذها بدقة عالية وفشلت المضادات الأرضية في التصدى لأيٍّ منها.
ويرى محللون سياسيون أن البرهان كان حريصاً على أن يعرض نفسه من خلال المقال الذي نشره في الصحيفة الأمريكية (وول استريت جورنال) على أنه حريص على مصالح إسرائيل ويمكن أن يكون راعياً لها، على أن تتعامل معه إسرائيل كصديق وحليف وتدعمه في حربه ضد قوات الدعم السريع، إلا أن المؤكد أن ذلك لم يحدث حتى اليوم.
ولكن ظهور الإسلاميين في مشهد المعركة واستخدام الجيش أسلحة إيرانية عمَّقا العداوة الأيدلوجية بين البرهان ونتنياهو.