إطلاق سراح السجينات واستمرار الانتهاكات… حريات (تداوي) و(تفلِّق)
تقرير: القسم السياسي

حينما أكملت إدارة سجن النساء بمدينة أم درمان إجراءات تنفيذ إجراءات إطلاق سراح عدد من السجينات، استجابةً لتوجيهات صادرة عن قائد الجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بالإفراج الفوري عن أربعمائة نزيلة، من بينهن أمهات محتجزات برفقة أطفالهن، مع إسقاط جميع الغرامات المرتبطة بقضايا الحق العام، فإن الصورة الكلية للمشهد لم تكن وردية وإنسانية بشكل كامل. فرغم إيجابية هذه الخطوة فإن مشاهد قاتمة في مواقع أخرى كانت حاضرة.
يومها شملت التوجيهات الصادرة عن قائد الجيش حصر أوضاع المحكومات والمنتظرات في قضايا الحق العام، ودراسة ملفاتهن القانونية، مع التزام الدولة بسداد الغرامات المالية المفروضة على المحكومات تمهيدًا لإطلاق سراحهن فورًا، مع إعطاء أولوية خاصة للأمهات المصحوبات بأطفالهن.
قتل (الحريات)
في مفارقة لافتة، وفي ذات البلاد التي يوجّه رئيسها بإسقاط الحق العام عن (السجينات) في أم درمان، بدوافع إنسانية فرضتها ظروف الحرب، يتم في المقابل توظيف هذه الظروف العامة ذاتها لممارسة أوسع نطاق من الانتهاكات بحق المدنيين السودانيين، استنادًا إلى واقع حرب تحولت، بحسب توصيف منظمات دولية، إلى أكبر كارثة إنسانية في العالم. وعند النظر لهذه المفارقة تبدو الحريات والإنسانية تلك تعيش حالة التناقض بين ما يداويها (بإطلاق سراح النساء المتهمات)، ثم (يفلقها) محدِثاً فيها جرحاً غائراً جراء الانتهاكات المتزايدة التي أخذت مناحي شتى من الاعتقال التعسفي، بما في ذلك التعذيب الوحشي، وصولاً للبلاغات الكيدية والسياسية والمحاكمات مختلة المعايير وفاقدة النزاهة والحيادية.
اتخذت الانتهاكات أشكالًا متعددة، تكاد تتماهى مع وقائع الحرب نفسها وتحولات ميادينها على الأرض. فقد انطلقت منذ بداياتها بعمليات القتل والتصفية المباشرة، وعلى أسس عرقية وإثنية، وبالطبع على أساس المواقف السياسية، والموقف من الحرب ذاتها ومن عبثيتها، دون أن تستثني الانتهاكات المرتبطة بعمليات النهب والسلب، كإحدى المنهجيات التي تبنتها أطراف الصراع، إلى درجة بات فيها المواطن يفقد حريته مقابل ثمن مادي، فيما تُعد ممتلكاته غنيمة حرب.
وبينما تبدو خطوة الإفراج عن السجينات من سجن أم درمان لدواعٍ إنسانية خطوة مرحّبًا بها، إلا أن الدافع الحقيقي وراءها يظل مرتبطًا بظروف الحرب التي تعيشها البلاد. فالحرب، بوصفها الأب الحقيقي لكل هذه التجاوزات، يظل إنهاؤها هو الخطوة الأولى والأساسية لتجفيف منابع الانتهاكات.
شاكٍ يرهب المحكمة

شهدت الولاية الشمالية، التي لم تصل فيها الحرب إلى مستوياتها العنيفة كما حدث في مناطق أخرى، وحيث تُوصَف تلك المناطق بأنها (آمنة)، يبرز سؤال آخر أكثر إلحاحًا حول معنى الأمان نفسه وحقيقته.
ففي عاصمتها؛ مدينة دنقلا، واجه المواطن الدكتور أحمد الشفا، وهو صيدلاني، تهمة التسبب في سقوط مدينة الفاشر. والقصة هنا لا تبدو ضربًا من الخيال، بل هي واقع يرويه الشاكي، وهي مجموعة (البراء بن مالك)، التي ترى أن أحمد تسبب في سقوط الفاشر لأنه قال “لا للحرب”، وبالتالي – بحسب ادعائهم – أثّر سلبًا على عملية الدفاع عن المدينة. ولا تمثل حكاية الصيدلاني الشفا سوى حالة واحدة من آلاف الحالات لمواطنين كُتب عليهم تجرّع مرارة الظلم ودفع فاتورة الحرب، حتى بعد أن يردد من أشعلوها أن الحرب “انتهت”.
شهدت الجلسة الأولى لمحاكمة دكتور الشفا عدة انتهاكات. فقد تحولت ساحة وقاعة المحكمة لجو مشحون بالإرهاب، فالجهة الشاكية ممثلة في مليشيات (البراء بن مالك) لم تكتف بفتح بلاغها المثير للدهشة والحيرة، لكن أفرادها تعمدوا احتلال ساحة المحكمة، وحضروا بالعربات المدججة بالمدافع والأفراد المسلحين الذين استعرضوا قوتهم العسكرية داخل فناء المحكمة، وحاصروا القاعة بأسلحتهم ومنعوا بعض الحضور من دخول قاعة المحكمة. أما داخل القاعة فإن ملثمين من عناصر هذه المليشيا حضروا وقائعها وترصدوا الموجودين، وأشاعوا جواً من الإرهاب بقصد التأثير على المحكمة والشهود وفريق الدفاع والمتهم نفسه. حدثت هذه الوقائع وسط صمت قاضي المحكمة المغلوب على أمره جراء استباحة المليشيات كل البلاد وليس قاعته أو محكمته فقط.
بين “التعاون” و”الكوزنة”
غير أن الحرب التي يُعلن عن انتهائها سرعان ما تبدأ انتهاكاتها في أماكن أخرى، تحت لافتة (التعاون)، أي التعاون مع قوات الدعم السريع. وتتم عمليات القبض على المتهمين بالتخابر أو التعاون دون اتباع الإجراءات القانونية السليمة، حيث يُودَع المتهمون في السجون لفترات طويلة تمتد لأشهر عدة، وبعضهم تجاوزت مدد حبسهم عامًا كاملًا، في مخالفة صريحة لضمانات المتهم القانونية خلال مرحلة التحري، كما نص عليها قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991.
ففي مناطق سيطرة الجيش، تقابل تهمة (التعاون) ذاتها بتهمة موازية لدى قوات الدعم السريع، تحت عناوين (موالاة) الفلول أو (التبعية) للاستخبارات العسكرية، ليعيش آلاف المواطنين أزماتهم الخاصة خلف المعتقلات أو كضحايا لها، باسم (العدالة).
وتكمن المفارقة في أن من يتهِمون غيرهم بأنهم فلول النظام البائد (كيزان)، هم في ذاتهم نتاج تلك (الكوزنة). ولا تتوقف المفارقة عند هذا الحد، بل تتعمق حين يتبين أن من يتولى حراسة المتهمين بالتعاون مع الدعم السريع هم منسوبون لقوات كيكل، التي فتحت أبواب الجزيرة لدخول الدعم السريع نفسه. وما يجري على الأرض يؤكد فرضية واحدة مفادها أن الانتهاكات هي الفعل الوحيد الذي تتقنه أطراف الحرب.

المؤبد لـ(بحيري) والمجد لـ(كيكل)
أصدرت محكمة جنايات ود مدني حكمًا بالسجن المؤبد على الكاتب والمؤرخ خالد بحيري، بعد أن أدانته بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع. ويبلغ خالد بحيري من العمر 70 عامًا، وهو كاتب ومؤرخ متخصص في توثيق تاريخ مدينة ود مدني.
أدين بحيري بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع أثناء فترة سيطرتها على المدينة، حين انسحب الجيش منها، مطارَداً باتهامات ترك المدنيين فريسة سائغة للمليشيات. يومها شُكّلت لجنة للتحقيق في انسحاب الفرقة الأولى، غير أن نتائجها لم تُعلن حتى اللحظة.
حين اجتاحت قوات الدعم السريع ولاية الجزيرة، اختار بحيري البقاء في مدينته، وأسّس مبادرات طوعية لإسناد السكان العالقين وسط أتون المعارك في ود مدني، فوفّر الطعام ومياه الشرب، وأسهم في تقديم الخدمات العلاجية في زمنٍ عزّ فيه الغوث.
إن محاكمة بحيري بالمؤبد تعيد، في جوهرها، محاكمة مفهوم (التعاون) مع الدعم السريع ذاته، بوصفه حالةً قابلة للقياس من داخل مدني نفسها. فبأي مبررات تُفتح أبواب المدينة لاحتضان (أبو عاقلة كيكل) الذي قاد الجيوش، وتُفتح في المقابل أبواب السجون لـ(بحيري)؟ شتّان بين فعلٍ وفعل.
ولا تقف المفارقة عند حدود مدني، بل تمتد إلى الخرطوم، حيث يستعد (إبراهيم بقال) للعودة، وهو الذي شغل منصب الوالي وكان يحمل سلاحه مع الدعم السريع. ودعك من بقال، فحتى عبد اللطيف الأمين، رئيس الإدارة المدنية المعين لولاية الخرطوم، يجلس اليوم في منزله مكرّماً معززاً.
حرب من؟.. ولمصلحة من؟
خالد بحيري، المحكوم عليه بالمؤبد اليوم، هو أحد الذين واجهوا عسف سلطة الإنقاذ التي أنجبت الدعم السريع، وهو من المشاركين بفاعلية في مواكب رفض انقلاب العسكر، حين كان الدعم السريع يُقدَّم بوصفه جناحاً (ثورياً) من رحم الجيش. تلك المفارقة نفسها هي التي قادته إلى السجن المؤبد، وقدّمت الإجابة الموجعة على سؤال: حرب من؟.
لقد شكّل غياب سلطة القانون في ظل الحرب السودانية بيئة خصبة لارتكاب انتهاكات واسعة النطاق دون محاسبة، مع ضعف أو انهيار قدرة الدولة على تطبيق القوانين وحماية الحقوق ومساءلة المخالفين. وقد تجلى ذلك بوضوح في تعطّل مؤسسات العدالة، مثل المحاكم والشرطة، لتحل القوة والسلاح محل القانون، وسط انتشار الفوضى وتزايد الانتهاكات ضد الأفراد والممتلكات.
في حالة بحيري، لا تتجلّى التناقضات في تحديد من يُحاكَم بتهمة التعاون فحسب، بل يتحول القانون ذاته إلى مطية، يستخدمها منسوبو النظام المعزول لتصفية حساباتهم، ويعتليها آخرون لتحقيق تطلعاتهم الذاتية. ويؤكد ذلك ما نشرته صحيفة (دروب) في نوفمبر 2025، إذ أفادت بأن الاستخبارات العسكرية في ود مدني ألقت القبض على المتحري في قضية الكاتب والمؤرخ خالد بحيري، المعتقل لدى الجيش منذ عشرة أشهر، بعد العثور على مبالغ مالية طائلة في حسابه المصرفي، يُشتبه في جمعها من رِشاً تلقاها بحكم عمله في التحقيقات الشرطية مع متهمين في المدينة، وفق مصادر موثوقة للصحيفة.
ولم يقتصر الأمر على غياب القانون، بل جرى توظيف القانون وأجهزته نفسها في ارتكاب المزيد من الانتهاكات، وفي مواجهة المزيد من الأشخاص. هنا تتجلى بوضوح قضية منيب عبد العزيز، الموقوف بمدينة دنقلا، والذي يواجه عددًا من المواد القانونية. وتمثل قضية منيب صورة واضحة لانهيار العدالة، كما تطرح إجابة موجعة على سؤال: حرب من؟.. وضد من؟.
واقعة (منيب)
منيب عبدالعزيز شاب أجبرته الحرب على مغادرة الخرطوم إلى دنقلا، دون أن تفقده إيمانه بثورة ديسمبر وقيمها، باعتبارها طريق خلاص السودان من أزمات الماضي. ففي التاسع عشر من ديسمبر، استعاد منيب ذاكرة انتصار جيله، حاملاً علمه، وداخل مسجد وبعد الصلاة، احتفى بديسمبر وشعاراتها، وعلى رأسها شعار تفكيك المليشيات. وخاطب المصلين بقوله: “ما في مليشيا بتحكم دولة”، مؤكدًا أن الجيش الواحد المهني المحترف هو المطلوب، لا فقط لحسم الحرب، بل لحسم كل الأزمات الموروثة من الانقلابات وغياب مدنية الدولة.
لم يكن مستغربًا، في هذا السياق، أن ينتهي الأمر بمنيب معتقلًا، يواجه اتهامات بموجب المواد (26، 50، 51) من القانون الجنائي، وهي مواد تتعلق بالمعاونة، وتقويض النظام الدستوري، وإثارة الحرب ضد الدولة، وهي تهم تصل عقوبتها إلى الإعدام.
وأطلق ناشطون ومنظمات مجتمع مدني حملة حقوقية وإعلامية واسعة للمطالبة بالإفراج الفوري عن الناشط المدني منيب عبد العزيز. وقالت مجموعة محامي الطوارئ إن عملية اعتقال منيب شابتها جملة من الانتهاكات الحقوقية والقانونية الخطيرة، التي تكشف عن تحويل إجراءات العدالة إلى أدوات للتضييق والقمع. وأوضحت المجموعة، في بيان اطلعت عليه (ديسمبر)، أن منيب اعتُقل دون إبراز مذكرة قانونية صادرة عن جهة مختصة، في مخالفة صريحة لأبسط الضمانات الإجرائية التي تكفلها القوانين الوطنية.
وأكدت أن الاعتقال تم في غياب تام للشفافية بشأن الجهة المسؤولة عن الاحتجاز، قبل أن يُحال الملف لاحقًا من الشرطة إلى الاستخبارات العسكرية، في مشهد يعكس تخبطًا قانونيًا واضحًا، ويثير تساؤلات جدية حول مشروعية الإجراءات المتبعة.
ووصفت المجموعة البلاغات التي دُوّنت في مواجهة منيب عقب اعتقاله بأنها ذات طابع كيدي، مثل بلاغ (الإزعاج العام) الذي وُجّه إليه دون سند قانوني، ما أدى إلى شطبه لاحقًا. وأضافت أن الجهات المعنية لجأت، بعد شطب البلاغ، إلى تدوين بلاغات أشد خطورة، دون الاستناد إلى وقائع أو أدلة جديدة، واعتبرت ذلك أحد أخطر أشكال التحايل على القانون، ووسيلة واضحة لتمديد الحبس التعسفي.
كما أدانت المجموعة حرمان منيب وأسرته من حقهم في التواصل المنتظم، ومن معرفة طبيعة التهم الموجهة إليه في المراحل الأولى من الاحتجاز، معتبرة أن ذلك يشكل انتهاكًا صريحًا لحقوق المحتجزين، ويقوض حق الدفاع، ويضاعف المعاناة النفسية والمعنوية لأسرته في ظل غياب المعلومات واليقين القانوني.
إن اعتقال منيب لا يمثل مجرد إجراء أمني، بل هو رسالة ترهيب لكل من يحمل إرث ديسمبر، ومفارقة صارخة تضع السلطة في مواجهة مباشرة مع شعاراتها؛ فكيف يُعتقل من ينادي بذات الأهداف التي يقاتل من أجلها الثوار اليوم جنبًا إلى جنب مع الجيش؟.
قضاة رمزيون لا متهمون
في وقت لم يهتف بحيري للمليشيا، لكنه تعامل معها بفقه الواقع لإنقاذ الناس والمرضى وتوفير المياه. لم يكن دليلاً لنهب البيوت، ولا مصدراً للمعلومات الاستخبارية. لقد كان إنساناً في زمن انعدمت فيه الإنسانية، ورجلاً حينما غابت الرجولة، وحكيماً حينما غابت الحكمة. أما من حاكموه، فكان منطقهم أن يموت الناس ليتاجروا بقضيتهم، بعد أن هربوا وأمّنوا أنفسهم وأسرهم.
غير أن السؤال يجد إجابته سريعًا في واقع معيش مثقل بالانتهاكات، يؤكد تهاوي أركان العدالة في السودان تحت وطأة قرارات تعسفية وتوجهات سياسية تهدف إلى خنق الأصوات الديسمبرية، ويعيد التأكيد على حقيقة أن الانتهاكات هي الفعل المشترك لأطراف الحرب، وأن ضحاياها الحقيقيين هم دعاة السلام، المؤمنون بديسمبر وشعاراتها الخالدة: حرية، سلام، وعدالة.
إن الشفا وبحيري ومنيب ليسوا متهمين في قفص الاتهام، بل تحوّلوا، في ميزان التاريخ والضمير، إلى قضاة رمزيين يحاكمون من يحاول محاكمتهم. يقفون شاهدين وحكماء، يضعون السلطة في سجن تناقضاتها الأبدي؛ ذلك السجن الذي لا تُفتح أبوابه بعفو، ولا تُخفف أحكامه بالتبرير، لأن قضيته ليست نصاً قانونياً قابلاً للتأويل، بل حقيقة أخلاقية صريحة.