شيماء تاج السر، المحامية
في العاشر من ديسمبر من كل عام، يحتفل العالم أجمع باليوم العالمي لحقوق الإنسان، إحياءً لذكرى اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948. يأتي هذا اليوم كتذكير سنوي بالقيم الأساسية للكرامة الإنسانية، والحرية، والعدالة، والمساواة، التي التزمت بها دول العالم.
إلا أن هذا الاحتفاء العالمي يصطدم بواقع مرير في العديد من البقع الساخنة على الكرة الأرضية، ويأتي السودان في صدارتها. فللعام الثالث على التوالي، تمر هذه المناسبة على السودان وهو غارق في دوامة من الانتهاكات الممنهجة التي تقوض كل مبدأ من مبادئ ذلك الإعلان التاريخي. فالبلاد تعاني من شتى أنواع الانتهاكات الواقعة على الإنسان، من قتل وتهجير قسري واعتقالات وتعذيب وعنف جنسي واخفاء قسري وتجويع وحصار، مما يشكل أزمة إنسانية وحقوقية مكتملة الأبعاد.
مشهد الانتهاكات: واقع لا يرحم

منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تحول السودان إلى ساحة مفتوحة للفظائع. لم تعد الانتهاكات مجرد حوادث فردية، بل تحولت إلى سياسة منهجية متبعة في كثير من الأحيان:
– القتل والهجمات على المدنيين: قصف الأحياء السكنية والمستشفيات والأسواق أصبح أمراً يومياً، مما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا الأبرياء، بمن فيهم أطفال ونساء وشيوخ.
– التهجير القسري: نزح أكثر من 10 ملايين شخص داخلياً، ولجأ ما يزيد على مليوني شخص إلى دول الجوار، في واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم. كثير منهم أجبروا على الفرار تحت وطأة القتال أو التهديد المباشر.
– الاعتقالات التعسفية والتعذيب: يستهدف كلا طرفي النزاع الناشطين الحقوقيين والمحامين والأطباء والصحفيين وأي صوت معارض، حيث تتم مداهمات المنازل والاعتقال دون مذكرات قضائية، ويتعرض المعتقلون لصنوف من التعذيب وسوء المعاملة للحصول على “اعترافات” أو لتخويف المجتمع.
– العنف الجنسي كسلاح حرب: انتشرت تقارير مرعبة عن استخدام الاغتصاب والعنف الجنسي الجماعي والممنهج ضد النساء والفتيات، كأداة لترهيب المجتمعات، ومعاقبتها، وتركيع الخصم. وتواجه الناجيات وصمة عار كبيرة وصعوبة بالغة في الوصول إلى الدعم الطبي والنفسي أو العدالة.
– الاختفاء القسري: يختفي الأفراد من الشوارع أو من منازلهم على يد مجموعات مسلحة، تاركين عائلاتهم في دوامة من الغموض والألم، لا تعلم إن كانوا أحياء أم أمواتاً.
– التجويع والحصار كعقاب جماعي: حوصرت مدن ومناطق كاملة، ومنع وصول المساعدات الإنسانية والغذاء والدواء إليها، كتكتيك عسكري لاستسلام السكان. هذا، إلى جانب تدمير المحاصيل ونهب المخازن، دفع البلاد إلى حافة مجاعة واسعة النطاق.
الإطار القانوني الوطني: قوانين حبر على ورق

على الورق، يمتلك السودان ترسانة من القوانين التي من المفترض أن تحمي حقوق المواطن:
الوثيقة الدستورية لعام 2019 (المعدلة): نصت في الفصل الثاني على “الحقوق والحريات والواجبات”، وضمنت الحق في الحياة والكرامة والحرية والأمان، وحرية الاعتقاد والتعبير، وحرية التجمع، وعدم التعرض للتعذيب. كما حظرت الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي. إلا أن حالة الطوارئ وتعطيل المؤسسات المدنية جعلت هذه النصوص عديمة الفعالية.
قانون العقوبات لسنة 1991: يجرم العديد من الأفعال التي تشكل انتهاكات، مثل القتل العمد والاعتداء والخطف والاغتصاب. لكن الثغرات الواسعة في التطبيق، وإفلات الجناة من العقاب، والاستخدام السياسي للقضاء، أفرغته من مضمونه.
قانون الطفل لسنة 2010: يهدف إلى حماية حقوق الطفل، لكنه يصطدم بواقع تجنيد الأطفال واستهداف المدارس وقتل الأطفال.
قانون العمل لسنة 1997: ينظم حق العمل والشروط العادلة، وهي حقوق تبدو كرفاهية في ظل الواقع الحالي.
المشكلة الأساسية ليست في غياب النصوص، بل في ثقافة الإفلات من العقاب الممتدة لعقود، وتقويض سلطة القضاء واستقلاليته، وتغلغل الأجهزة الأمنية والعسكرية في كل مفاصل الدولة، مما يجعلها فوق المحاسبة.
الإطار القانوني الدولي: جدار صامت أمام الفظائع
يُعد السودان طرفاً في معظم المعاهدات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان، مما يفرض عليه التزامات قانونية صارمة:
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948): هذا الوثيقة التأسيسية، التي يُحتفى بها في العاشر من ديسمبر، تنتهَك كلُّ مواده في السودان بشكل فاضح. المادة 3 (الحق في الحياة والحرية والأمان)، والمادة 5 (حظر التعذيب)، والمادة 9 (حظر الاعتقال التعسفي)، والمادة 13 (حرية التنقل)، والمادة 25 (الحق في مستوى معيشي لائق)، جميعها أصبحت ذكرى بعيدة عن واقع السودانيين.
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966): صادق السودان عليه في 1986. وهو يلزم الدولة بحماية الحق في الحياة (المادة 6)، وحظر التعذيب (المادة 7)، وحرية الشخص وأمنه (المادة 9)، وحرية التنقل (المادة 12). تشكل الانتهاكات الجارية انتهاكاً صارخاً لهذه الالتزامات.
اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (1984): صادق السودان عليها في 2021. تفرض الاتفاقية واجب التحقيق في ادعاءات التعذيب ومقاضاة الجناة، وهو واجب غير مفعَّل إطلاقاً.
اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) (1979): انضم السودان إليها بتحفظات. العنف الجنسي الممنهج هو أقصى درجات انتهاك هذه الاتفاقية، التي تهدف إلى حماية المرأة من التمييز والعنف.
اتفاقية حقوق الطفل (1989): صادق السودان عليها. استهداف الأطفال في النزاع، وتجنيدهم، ومنع وصول المساعدات إليهم، يمثل انتهاكاً جسيماً للمواد الأساسية للاتفاقية.
اتفاقية جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية: تنطبق على النزاعات المسلحة غير الدولية. تفرض حماية المدنيين (القاعدة الأساسية للقانون الدولي الإنساني)، وعدم تعريضهم للهجوم، وتوفير الرعاية للجرحى والمرضى، ومعاملة المحتجزين معاملة إنسانية. ما يحدث في السودان هو خرق سافر لهذه القواعد.
نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية: يكيف العديد من الانتهاكات الجارية في السودان، مثل القتل العمد والترحيل والتعذيب والاغتصاب كجرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب. كان السودان تحت تحقيق المحكمة الجنائية الدولية فيما يخص دارفور، ويواجه قادته اتهامات سابقة. يستمر النزاع الحالي في إنتاج جرائم قد تقع تحت ولاية المحكمة.

الفجوة السحيقة بين الالتزام والتطبيق
العبء الأكبر اليوم يقع على المجتمع الدولي الذي يحتفل بيوم حقوق الإنسان. فالشعارات والبيانات الصحفية لا تكفي. لقد فشلت آليات الأمم المتحدة (مكتب المفوضية السامية، والبعثة القُطرية سابقاً)، وفشلت الجهود الدبلوماسية الإقليمية، حتى الآن، في إحداث اختراق حقيقي يضع حداً للمعاناة أو يضمن محاسبة الجناة. يتم استخدام المساعدات الإنسانية كأداة سياسية، وتُعقد الصفقات مع أطراف يتورطون في انتهاكات جسيمة.
أين المخرج؟
في اليوم العالمي لحقوق الإنسان، لا يحتاج السودانيون إلى تهنئة. لكنهم يحتاجون إلى فعل عاجل وحاسم:
– الضغط الدولي الفعال: تحويل البيانات إلى أفعال عبر فرض عقوبات مستهدفة وحاسمة على القادة والمؤسسات الممولة للنزاع، ودعم آليات المساءلة الدولية بشكل جدي.
– إيصال المساعدات الإنسانية: كحق وليس منحة، عبر كل الطرق الممكنة، ووقف استخدام التجويع كسلاح حرب.
– دعم المجتمع المدني السوداني: الذي يخاطر بأرواحه لتوثيق الانتهاكات وإغاثة الضحايا، فهو حصن الدفاع الأخير عن كرامة الإنسان في السودان.
– إعادة بناء العدالة الانتقالية: يجب أن يكون إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب في صلب أي حل سياسي مستقبلي، عبر آليات محلية ودولية مختلطة.
يمر يوم حقوق الإنسان على السودان كيوم عادي من أيام المعاناة. ولكنه يجب أن يكون صرخة مدوية في أذن العالم: أن الاحتفاء بحقوق الإنسان ليس طقساً شكلياً، بل هو التزام عملي بإنقاذ الإنسان حيثما انتهكت كرامته. السودان اليوم هو اختبار حقيقي لمصداقية ذلك الاحتفاء العالمي. فإما أن تتحول تلك المواثيق الدولية إلى درع حامٍ للسودانيين، أو ستظل مجرد حبر على ورق، بينما يموت الناس وينتهكون في صمت العالم المبتهج بنفسه.