من المهنية الصارمة إلى الانهيار الكامل (2/5)

تدهور وزارة الخارجية السودانية وخراب مؤسسات الدبلوماسية (1960–2025)

 

د.العبيد أحمد العبيد

 

يمر السودان اليوم بحالة عزلة غير مسبوقة في تاريخه الحديث. فبلدٌ كان يحظى ذات يوم باحترام إقليمي ودولي واسع، أصبح معزولاً دبلوماسياً، متروكاً لأقداره السياسية والعسكرية، ومحروماً من الحدّ الأدنى من التمثيل الخارجي الفاعل. لقد تعطّلت قنوات الاتصال، وارتبكت الرسائل الصادرة باسم الدولة، وتحوّلت الدبلوماسية السودانية إلى جهازٍ تائهٍ يتخبّط بلا بوصلة، يكرر الشعارات ولا ينتج سياسة، ويمثّل طرفاً في حرب بدلاً من تمثيل دولة.

هذا الضياع ليس عَرَضاً عابراً، بل نتيجة انهيار عميق في المؤسسة التي يفترض أن تقود علاقات السودان بالعالم. فوزارة الخارجية، التي كانت يوماً ما ركيزة المهنية والانضباط، فقدت قدرتها على أداء أبسط وظائفها، وأصبحت صورة لأزمة الحكم والدولة في السودان أكثر مما هي أداة لحلّها. ومن هنا تأتي ضرورة تفكيك هذا المسار التاريخي لفهم كيف وصلت المؤسسة إلى هذا المستوى من التدهور.

لا توجد مؤسسة في الدولة السودانية تُجسد صعودها وانحدارها كما تفعل وزارة الخارجية. فمنذ الاستقلال، ارتبطت صورة السودان في الخارج بشكل مباشر بأداء دبلوماسييه، وبقدرة الوزارة على تمثيل دولة وليست سلطة، شعب وليست جماعة، مصالح وطنية وليست أجندات ضيقة.

لكن هذه المؤسسة، التي بدأت يوماً ما بنواة احترافية متماسكة، انتهت — بعد ثلاثة عقود من حكم الإسلاميين وعهدين من الانقلابات — إلى جهاز متهالك فقد مهنيته، ونزاهته، ودوره، بل جوهر وجوده.

هذا المقال يتتبع هذا المسار: من التعريف النظري للمؤسسة، إلى موقعها في الدساتير السودانية، إلى معنى “النزاهة المؤسسية”، ثم الانهيار التدريجي، وصولاً إلى الخراب الشامل في زمن الحرب.

أولاً: ما هي وزارة الخارجية؟ تعريف الدور وفق الأدبيات الدولية

تعرّف العلوم السياسية وزارة الخارجية بأنها:

الجهاز التنفيذي المركزي المسؤول عن صياغة السياسة الخارجية، إدارة العلاقات الدولية، تمثيل الدولة في الخارج، حماية مواطنيها، والتفاوض باسمها في المؤسسات الدولية.

وبحسب أدبيات الكثير من الكتاب والعلماء تقوم وزارات الخارجية في الدول الحديثة على وظائف أساسية:

  1. تحليل وشرح الخيارات الإستراتيجية لصناع القرار.
  2. صياغة وتنفيذ السياسة الخارجية.
  3. التمثيل الدبلوماسي والقنصلي.
  4. التنسيق مع الوزارات الأخرى لتوحيد توجه الدولة.
  5. الدفاع عن مصالح المواطنين في الخارج.

هذه الوظائف تتطلب:

  • جهازاً مهنياً مستقلاً نسبياً،
  • مسار توظيف يقوم على الكفاءة لا الولاء،
  • بيئة تسمح بالتفكير النقدي وتقديم النصيحة الصريحة،
  • وإدارة مركزية قادرة على اتخاذ موقف موحّد.

لكن هذه الصورة النظرية لم تُطَبَّق في السودان إلا في عقود محدودة، قبل أن ينقلب المشهد رأساً على عقب.

 

ثانياً: موقع الوزارة في الدساتير والقوانين السودانية

منذ دستور 1956 وحتى الوثيقة الدستورية لعام 2019، ظلت الأسس العامة لوزارة الخارجية ثابتة:

  • السياسة الخارجية سلطة قومية،
  • الوزارة جهاز التنفيذ الفني لهذه السياسة،
  • ومهمتها حماية السيادة وتعزيز المصالح العليا للدولة.

وقد أكدت الوثيقة الدستورية لعام 2019 على:

“اتباع سياسة خارجية متوازنة تُحقق المصالح العليا وتبني علاقات الدولة على الاستقلال والمصالح المشتركة”.

هذا يعني أن الوزارة يفترض أن تكون صوت السودان: صوتاً واحداً، متسقاً، متوازناً، يمثل دولة لا مجموعة صفوية ولا سلطة انقلاب. لكن هذا “التصور القانوني” اصطدم في واقع الأمر بنمطين من الانحراف:

  1. تعدد مراكز اتخاذ القرار خارج الوزارة (القصر، الأمن، الجيش، الدوائر الحزبية).
  2. سيطرة الجماعات الإسلامية على مفاصل الدولة (1989–2019) ثم إعادة تدوير ذات القوة بعد 2021. وهكذا بدأت رحلة الانهيار.

ثالثاً: النزاهة المؤسسية والانهيار المؤسسي — المفهوم والممارسة

النزاهة المؤسسية تعني:

  • وجود إجراءات واضحة،
  • فصل بين السلطات،
  • اختيار الكوادر على أساس الكفاءة،
  • قدرة الموظف على تقديم النصيحة المهنية دون خوف،
  • شفافية وقيود على السلطة التنفيذية،
  • وأن تمثل الوزارة “المصلحة الوطنية” لا “مصلحة الحاكم”.

أما الانهيار المؤسسي فيحدث حين:

  • يُفصل المهنيون ويحل محلهم الموالون،
  • تختفي المساءلة،
  • تُستخدم الأجهزة العامة لأغراض خاصة،
  • تفقد المؤسسة دورها الأصلي،
  • ويتحول القرار إلى يد جماعات خارج الإطار الرسمي.

وهذا بالضبط ما حدث لوزارة الخارجية السودانية في عصر الإنقاذ وما بعده.

 

 

رابعاً: التمكين الإسلامي وضرب الجذع — 1989 البداية الحقيقية للخراب

منذ انقلاب 30 يونيو 1989، اتبعت الحركة الإسلامية منهجاً واضحاً: تفكيك مؤسسات الدولة واستبدالها بجهاز حزبي موازٍ.

كانت وزارة الخارجية هدفاً مركزياً:

  1. فصل الكوادر المهنية بالجملة، التقديرات تشير إلى فصل أكثر من 70% من الدبلوماسيين المهنيين خلال أول سنوات من حكم البشير.

هؤلاء كانوا:

  • أصحاب أعلى درجات التدريب،
  • خريجي أعرق الجامعات،
  • نواة العمل الدبلوماسي الحقيقي.

فقدت الوزارة فجأة ذاكرتها المؤسسية.

  1. إحلال الولاء مكان الكفاءة حيث تم تعيين عناصر:
  • بلا خبرة،
  • بلا تأهيل دبلوماسي،
  • بعضها مرتبط بالأمن مباشرة،
  • وبعضها محسوب على التنظيم الإسلامي.

هذا أدى إلى:

  • انهيار اللغة،
  • تراجع التحليل السياسي،
  • غياب الانضباط المهني،
  • انتشار الشعارات محل الحقائق.
  1. تعدد المسارات: الخارجية تفقد سيادتها على ملفات، وأصبح القرار الخارجي يُصنع في:
  • القصر الجمهوري،
  • جهاز الأمن،
  • قيادات الحزب،
  • مكاتب شخصية لا تخضع لأي مساءلة.

تحولت وزارة الخارجية إلى مكتب تجميل لقرارات لم تشارك في صياغتها.

  1. السفارات تتحول إلى أدوات حزبية ولم تعد السفارات تمثل الدولة السودانية، بل:
  • تجمعات تنظيمية،
  • مكاتب للحزب والأمن،
  • منصات للدعاية،
  • قنوات للتمويل غير المشروع.

في بعض الحالات، أصبحت السفارات مرتبطة مباشرة بتجارة الذهب وغسل الأموال وتهريب الموارد عبر شبكات مرتبطة بجهاز الأمن.

  1. الدفاع عن الانتهاكات بدل الدفاع عن الدولة خصوصاً في سنوات حرب دارفور وما بعدها، أصبحت الوزارة:
  • تنكر الجرائم،
  • تشتم المجتمع الدولي،
  • تهاجم حقوق الإنسان،
  • وتعرقل أي مساءلة قانونية.

كان ذلك إعلاناً صريحاً بأن الوزارة لم تعد تمثل السودانيين، بل تمثل سلطة متهمة بجرائم حرب.

خامساً: أمثلة توثيقية للفساد والانحراف (2010 – الحرب الحالية)

–  النرويج (2012): سحب أموال بلا إذن

مذكرة رسمية كشفت سحب مئات الآلاف من الكرونات من حسابات القنصلية بدون أي تفويض. هذا مثال على تحوّل السفارة إلى “حساب شخصي”.

–  لندن (2014): بيع مقر البعثة بسمسرة سياسية

بيع “بيت السودان” بفارق سعر كبير، وسط شبهات بفائد مالية لوسطاء ومسؤولين في الوزارة.

–  جدة (2015–2024): الاعتداء على المواطنين والفساد الإداري وتجلى ذلك في حادثة الاعتداء على المهندس أسعد التاي داخل القنصلية، ثم تقارير متكررة عن:

  • محسوبية،
  • امتحانات مزورة،
  • توظيف الأقارب،
  • رسوم غير قانونية للجالية.

–  مسقط وصنعاء والقاهرة (2010 – 2020): اختلاسات موثقة

  • مئات الآلاف من الريالات العمانية اختفت من حسابات السفارة،
  • ملايين الريالات اليمنية تم الاعتداء عليها،
  • فضائح “نثرية العار” في سفارة القاهرة.

هذه ليست وقائع معزولة — بل نمط متكرر يؤكد انهيار النزاهة المؤسسية.

 

سادساً: مرحلة ما بعد الثورة (2019–2021): محاولة إصلاح لم تكتمل

بعد الثورة، حاولت الوزارة استعادة المهنية:

  • إزالة التمكين،
  • إلغاء التعيينات السياسية،
  • إعادة الدبلوماسيين المفصولين،
  • تحسين الخطاب الدولي،
  • بناء علاقات جديدة.

لكن الانقلاب قطع المسار.

 

 

سابعاً: انقلاب 2021 – إعادة تدوير الخراب بعد 25 أكتوبر:

  • أعاد البرهان الإسلاميين إلى السلك الدبلوماسي،
  • فصل السفراء الذين رفضوا الانقلاب،
  • أعاد قبضة الأجهزة على القرار.

ذكرنا في المقال السابق غياب ثقافة التضامن بين الدبلوماسيين، والذي يعكس انهياراً أخلاقياً قبل أن يكون مهنياً، كما سيوضح مقال الأسبوع القادم.

 

ثامناً: الحرب (2023–2025): الخارجية تتحول إلى “وزارة حرب” منذ أبريل 2023:

لم تعد وزارة الخارجية تمثل دولة، بل تمثل طرفاً في حرب داخلية:

  • خطابها موجَّه للرد على الدعم السريع،
  • بياناتها تصاغ لخدمة “معركة الإعلام”،
  • السفارات أصبحت ساحات انقسام داخل الجاليات،
  • بعض السفراء أصبحوا “جنرالات خارج الحدود” لا موظفين مدنيين.

المثال الصارخ الأول ما حدث في سفارة السودان في رواندا (2025) حيث استخدمت منصة السفارة لإطلاق تهديد بالقتل ضد البرهان. هذا ليس “انحرافاً”، بل دليلاً على تلاشي الحدود بين الدولة والفصيل السياسي.

المثال الصارخ الثاني مثله الاحتفال داخل قنصلية السودان في جدة (2025) بعد أن تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو صُوِّر من داخل مبنى القنصلية في جدة التي شهدت تنظيم عرض عسكري بالزي العسكري للوحدات المختلفة في الجيش السوداني وللمليشيات المساندة له، بحضور مسؤولي القنصلية، ما يعكس مسلكاً ينافي أسس العمل الدبلوماسي والقنصلي، ويعد استفزازاً دولة المضيفة التي هي واحدة من الأطراف الفاعلة في جهود وقف الحرب وعودة السلام للسودان.

المثال الصارخ الثالث تمثله سفارة السودان في مصر (2025) التي تحولت إلى مرتع للفساد والسمسرة والاستهتار بحقوق وأرواح السودانيين بعد تعيين أحد جنرالات البرهان كسفير للسودان بجمهورية مصر العربية.

أما سفارة السودان في العاصمة القطرية الدوحة، فتعتبر حالة استثنائية بعد أن تحولت إلى منصة للدعاية الحربية.

 

تاسعاً: غياب الدبلوماسية الكلاسيكية تماماً

لم يعد من المتصور أن الدبلوماسيين — حتى المهنيين منهم والذين ما يزالون بالخدمة — يمارسون وظائفهم الأساسية:

  • لا يقدمون النصيحة،
  • ولا يحذِّرون من المخاطر،
  • ولا يحلِّلون الملفات،
  • ولا يقودون العلاقات الدولية.

لأن القرار لم يعد عندهم، والبيئة لا تسمح، والثقافة المؤسسية تحوّلت إلى ثقافة الولاء والخوف.

 

خاتمة: كيف نصلح وزارة تحطمت بالكامل؟

لقد انتقلت وزارة الخارجية السودانية من: جهاز محترف، إلى مؤسسة مُسيّسة وأداة حزبية ومنصة دعائية، وأصبحت جهازاً متهالكاً فقد دوره وشرعيته.

هذا الخراب لم يكن صدفة – بل كان سياسة. وإصلاحه لن يكون تجميلياً، بل يتطلب:

  1. تفكيك التمكين من جذوره.
  2. بناء مسار مهني حقيقي للتوظيف والترقي.
  3. صياغة ثقافة مهنية قائمة على الاستقلال والشفافية.
  4. استعادة وظائف الوزارة الكلاسيكية: النصيحة، التحليل، التفاوض، حماية المواطنين.
  5. أهم من ذلك: إعادة تعريف الدبلوماسية كخدمة للشعب لا للسلطة.

هذه المهمة ليست تقنية بل سياسية وأخلاقية.

وهي ستكون محور المقال القادم حول المسؤولية الأخلاقية للدبلوماسي السوداني:

ماذا يعني “الضمير المهني” حين تتحطم المؤسسة؟.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *