ما بعد (هجليج) هل هناك اتفاقيات تحت الطاولة؟!

تقرير: القسم السياسي

ابتعث رئيس جمهورية جنوب السودان سلفاكير ميارديت مستشاره للشؤون الأمنية الفريق أول توت قلواك، العائد لموقعه بعد فترة أمضاها خارجه، إلى مقر رئاسة سلطة بورتسودان في زيارة امتدت لأربعة أيام (13 – 16 ديسمبر الجاري). وعقد قلواك والوفد المرافق له، المكون من وزير الخارجية والتعاون الدولي ومدير المخابرات الخارجية ووكيل وزارة النفط، لقاءات مع عدد من مسؤولي سلطة بورتسودان، تناولت العديد من القضايا المشتركة بين البلدين، تصدرتها إجراءات استمرار عمليات تصدير النفط، خاصة بعد انسحاب قوات اللواء 90 من حقول هجليج ودخولها جنوب السودان وسيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة.

جاء توقيت الزيارة بالتزامن مع الأوضاع العسكرية والأمنية التي شهدتها منطقة هجليج، التي وصلتها قيادات رفيعة من جيش دفاع جنوب السودان يتقدمهم رئيس الأركان الفريق أول بول نانق، الذي أعلن عن توصل الرئيس سلفاكير لاتفاق مع طرفي الحرب في السودان يقضي بتجنيب المنشآت النفطية التدمير والتخريب، وتولي جيش جنوب السودان مهام تأمين المنطقة النفطية، على أن تنتشر قوات الدعم السريع في محيط المنطقة، دون أن يعطي أي تفاصيل إضافية حول هذا الإجراء.

أنكرت جهات مقربة ومرتبطة بالجيش وجود أي اتفاق ثلاثي ينص على الانسحاب من المنطقة، حتى تلاحظ إصدار الجيش لبيان نفى فيه وجود أي مشاورات للانسحاب من مدينتي كادقلي والدلنج، في ذات الوقت الذي لم يصدر أي توضيح رسمي مكتوب حول تفاصيل الاتفاق الثلاثي بين طرفي الحرب.

شهدت مقابلة مباشرة نظمتها قناة (الجزيرة) عن السودان يوم السبت الماضي عبر اللقاء الذي أداره الإعلامي أحمد طه وجميع فيه بين المتحدث باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) والقيادي بحزب التجمع الاتحادي جعفر حسن والناطق الرسمي باسم الكتلة الديمقراطية وحركة العدل والمساواة محمد زكريا جدلاً حول موضوع الاتفاق الخاص بهجليج، حيث نفى زكريا بشكل مطلق وجود أي اتفاق مع دولة جنوب السودان في ما يتصل بهجليج، معتبراً هذا الأمر “من خيال” المتحدث الرسمي باسم تحالف (صمود) في ذلك اللقاء، بينما تمسك الناطق الرسمي باسم (صمود) جعفر حسن بوجود هذا الاتفاق باعتباره ماثلاً للموجود على مستوى النتائج على الأرض.

 

النقاط فوق الحروف

 

شهد اليوم الثاني لهذه المقابلة التي جمعت حسن وزكريا استضافة قناة (الجزيرة) في ذات البرنامج وزير الإعلام والناطق الرسمي باسم حكومة جنوب السودان أتينج إيم أتينج، حيث أعلن الوزير بشكل واضح تفاصيل الاتفاق الثلاثي الذي توصل إليه سلفاكير من خلال تواصله المباشر مع طرفي الحرب؛ قائد الجيش الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو، وبناء على هذا الاتصال تم الاتفاق على جعل منطقة حقول النفط بهجليج منطقة منزوعة السلاح، والاتفاق على تشغيل حقول النفط وتأمينها من قبل جيش دولة جنوب السودان، على أن تكون قوات الدعم السريع في محيط المنطقة النفطية.

أشار وزير الإعلام بحكومة جمهورية جنوب السودان خلال حديثه هذا لأمرين أولهما أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه ليس مكتوباً، بمعنى أن ما تم التوصل إليه طبيعته أقرب للتفاهم المشترك بين الأطراف بناء على تواصل سلفاكير مع طرفي الحرب، أما النقطة الثانية فهي عدم وجود ميقات زمني لانسحاب جيش جنوب السودان من المنطقة واستمرار وجوده وتأمينه للمنطقة حتى انتهاء الحرب، وهو ما قاله الوزير أتينج بشكل واضح بأنهم سيبقون في المنطقة ويستمرون في تأمينها بعدما اتفق الطرفان على عزلها من الحرب ونزع السلاح وتجنبيها المواجهات والقتال، وضمان استمرار تدفق النفط فيها “حتى انتهاء الحرب بين الطرفين”.

ودعا أتينج طرفي الحرب بالسودان ممثلين في الجيش والدعم السريع والمجموعات المتحالفة معهما للجلوس إلى الطاولة والتفاوض ووضع حد للحرب بوقفها، مبيناً أن بلاده لم تجرِ أي إحصاء لتحديد عدد السودانيين والسودانيات الموجودين فيها، خاصة بعد الحرب لكونهم يعتبرون السودانيين أشقاء لشعبهم ووطنهم ويرحبون بدخولهم وخروجهم دون أي قيود.

 

“نيالا” تؤكد وتنفي

بمجرد انتهاء لقاء وزير إعلام جنوب السودان استضاف ذات البرنامج المستشار القانوني وعضو الوفد التفاوضي للدعم السريع محمد مختار الذي أكد عدم وجود اتفاق مشترك جمعهم مع سلطة بورتسودان في ما يتصل بقرار انسحاب قواتهم الموجودة في اللواء (90) هجليج، أو تأمين أو قسمة الموارد النفطية بالمنطقة، لكنه أقر في ذات الوقت بوجود تفاهمات مع جوبا فيما يتصل بالحفاظ على مصالحها في المنطقة ومراعاتها، بضمان استمرار عملية إنتاج وتصدير النفط الخاص بها والمقدر بـ60 ألف برميل يومياً من حقول ولاية الوحدة.

على ذات المنوال جاءت إفادة الناطق الرسمي باسم تحالف تأسيس ووزير صحة حكومة سلطة نيالا علاءالدين نقد خلال مقابلة لاحقة أجراها معه ذات البرنامج بقناة (الجزيرة) يوم الاثنين تسمك فيها بعدم وجود أي نوع من الاتفاقيات بينهم وبين سلطة بورتسودان، أو أي نوع من أنواع التواصل مع سلطة بورتسودان، مؤكداً أن وجود قوات جيش جنوب السودان غرضه الأساسي مراقبة الجهات التي تقوم باستهداف المنشآت النفطية كقوات مراقبة، مشدداً على سيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة ومباشرتها لمهامها في تأمينها بشكل كامل عقب إكمال سيطرتها عليها.

 

رسم المشهد

 

كشفت مواقع إخبارية جنوب سودانية وإعلاميين بأن سلفاكير ابتدر الاتصالات مع قائد الجيش قبل أسبوع من إعلان الدعم السريع سيطرته على هجليج في أول الشهر الجاري، والذي يوافق إعلان الدعم السريع سيطرته على مقر الفرقة (22) ببانوسة الذي كان محاصراً لفترة تجاوزت العام والنصف.

طبقاً لتلك المعلومات فإن سلفاكير شرع في إجراء مباحثات موازية مع قوات الدعم السريع، وخلال تلك المباحثات تحصل على ضمانات أساسية من الدعم السريع بعدم المساس أو التعرض للمعدات الفنية داخل الحقل، وفي ذات الوقت فإن البرهان منح جوبا ضوءاً أخضر لنشر قوات جنوب سودانية، مع ترتيب إجراءات انسحاب القوات العسكرية الموجودة في اللواء (90) هجليج واستقبالهم في إدارية رووينق، مع التزام الدعم السريع بالانسحاب من حقل هجليج النفطي وتسليم حمايته لجيش جنوب السودان.

وأشارت تلك المنصات الإعلامية لإشراف رئيس أركان الجيش بجنوب السودان الفريق أول بول نانق ومساعديه على رأسهم مساعد رئيس هيئة الأركان لشؤون التعئبة ونزع السلاح جونسون أولنج طوبو المباشر في تنفيذ تلك الترتيبات على الأرض فيما يتصل باستكمال وتنفيذ تأمين حقل هجليج ووجودهم الميداني لحين إكمال هذه المهمة بصورتها النهائية، وضمان إعادة تشغيل الحقل واستمرار ضخ النفط في خط الأنابيب وتصدير نفط جنوب السودان عبر الخط الأول لإنتاج حقول ولاية الوحدة الذي يمر بهجليج ويقدر إنتاجه اليومي ما بين 60-62 ألف برميل.

 

 

قسمة الإيرادات

شهدت الساعات الـ(48) الماضية تداولاً واسعاً لمسألة جديدة تتعلق بتفاصيل الاتفاق الذي عُرف باسم “الاتفاق الثلاثي”، بناء على معلومات أشارت لتقسيم عائدات النفط بين الأطراف الثلاثة، بحيث يستمر تصدير جنوب السودان لنفطه الوارد من حقول ولاية الوحدة المقدر ما بين 60-62 ألف برميل يومياً والذي تتقاضى فيه حكومة السودان مبلغ (11) دولاراً نظير العمليات الفنية وضخ الوقود على الأنبوب وإيصاله إلى ميناء التصدير.

طبقاً لما جاء في تلك الأنباء فإن مبلغ الـ11 دولاراً عن كل برميل من المقرر تقسيمه حسب منطقة سيطرة الطرفين ومرور أنبوب النفط، ويترتب عليه تقسيم الإيرادات فيما بينهما بواقع (7) دولارات لصالح سلطة بورتسودان و(4) دولارات لصالح سلطة نيالا، مع وجود ملاحظة مفادها نقصان (3) دولارات باعتبار أن الاتفاق المبرم الخاص بنقل نفط جنوب السودان يبلغ 14 دولاراً للبرميل الواحد.

حتى اللحظة لم يصدر تعليق على مسألة قسمة الإيرادات النفطية في المنطقة بين طرفي الحرب بالتأكيد أو النفي أو التوضيح أو التفصيل، إلا أن حدوث هذا الاتفاق بقسمة موارد عبور النفط بين أطراف الحرب في السودان قد يكون أمراً متوقعاً باعتباره متسقاً مع السياق الكلى لاتفاقية تأمين المنشآت النفطية واستمرار عملها والوصول إلى صيغة تحقق مكاسب اقتصادية للطرفين.

ولحين معرفة مصير الـ3 دولارات المتبقية من المبلغ الكلي لرسوم ترحيل نفط حقول ولايات الوحدة بجنوب السودان عبر خط أنابيب هجليلج وبناء على حساب متوسط الإنتاج اليومي لنفط جنوب السودان بواقع 60 ألف برميل يومياً فإن الرسوم اليومية بواقع 11 دولاراً للبرميل ستكون في حدود 660 ألف دولار يومياً، ما يعادل 19 مليوناً و800 ألف دولار شهرياً. وبناء على ذلك فإن التقديرات تشير إلى أن نصيب اليومي للدعم السريع ستكون في حدود 240 ألف دولار يومياً بإجمالي 7 ملايين و200 ألف دولار شهرياً، أما بالنسبة للجيش فإن حصيلته اليومية ستكون في حدود 420 ألف دولار أمريكي يومياً أو 12 مليوناً و600 ألف دولار أمريكي شهرياً بموجب هذا الاتفاق.

كالعادة فإن جهات مقربة لسلطة بورتسودان لجأت إلى إنكار وجود اتفاق حول قسمة العوائد البترولية من منطقة هجليج، نافية وجود أي اتجاه لمنح الدعم السريع أي موارد مالية شهرية. لكن كما يقال فإن الحديث عن وجود اتفاق لتأمين منشآت الذي جوبه بالإنكار واتضح لاحقاً أنه موجود “وإن كان على مستوى تفاهمات غير مكتوبة” فإن الشق الثاني المتعلق بتخصيص جزء من العائدات المكمل لهذا الاتفاق ستثبت الأيام صحته من عدمه.

 

اتفاق سابق

توجد سابقة في نوفمبر 2024م تمت الإشارة فيها لوجود اتفاق خاص أبرمته جوبا مع قوات الدعم السريع خلال سيطرة الثانية على مناطق في وسط السودان بولاية الجزيرة والعاصمة والتي تعرف فنياً بالمنطقة الواقعة بين المحطة الثالثة والرابعة ويقدر طولها بحوالي 237 كيلومتر للخط الناقل لبترول عدارييل بأعالي النيل، والذي يقدر إنتاج جنوب السودان اليومي منه بحوالي 100 ألف برميل يومياً، ويتضمن هذا الخط محطة تقوية العيلفون بشرق النيل، بجانب مصفاة الجيلي شمال الخرطوم بحري، وكليهما كانتا تحت سيطرة قوات الدعم السريع بما في ذلك مناطق شاسعة من ولاية الجزيرة.

وكشف تفاصيل هذا الاتفاق مدير شركة خطوط الأنابيب السودانية المهندس محمد صالح عثمان في تصريح لـ(راديو تمازج)، مبيناً أن ذلك الاتفاق تم بشكل مباشر بين جوبا والدعم السريع وتضمن اتفاقاً على تسهيل حركة العاملين في المناطق الخاضعة لسيطرتهم بما يسمح بحركة الموظفين والسماح بنقل الوقود وقطع الغيار وتأمين خط الأنابيب، منوهاً إلى عدم وجود أي اتصالات بينهم وبين الدعم السريع.

خلال تلك الفترة كثر الحديث عن نسب وأرقام تقسيم عائدات النفط بتخصيص نسبة 30% لصالح الدعم السريع مقابل 70% لصالح الجيش –يلاحظ أن ذات النسب هي التي يتردد تطبيقها في اتفاق هجليج الأخير- وكانت قضية استئناف صادرت نفط جنوب السودان البند الرئيسي لزيارة البرهان إلى جوبا في الرابع من ديسمبر الماضي.

وخلال تلك الزيارة أشارت مصادر لطلب البرهان إرجاء إجراءات تصدير النفط عدة أشهر، وهو ما تحفظت عليه جوبا التي كانت تواجه وضعاً اقتصادياً كارثياً بسبب توقف تصدير النفط الذي تعتمد عليه البلاد جراء اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023م، حيث توقف الخط نهائياً عن العمل في فبراير 2024م، ولم يبدأ تشغيل هذا الخط فعلياً إلا بعد مخاطبة وزارة النفط التابعة لسلطة بورتسودان لنظيرتها في أبريل 2025م معلنة استئناف التشغيل، حيث بدأ تشغيل الخط في يونيو من ذات العام بعد إجراء المعالجات الفنية اللازمة لتشغيل الخط.

 

المعارك تؤثر على النفط

 

من الضروري الربط بين وقائع متعددة تزامنت خلال تلك الفترة. فالإعلان عن التوصل إلى اتفاق بين جوبا والدعم السريع بما يمنح الثاني نسبة من عائدات عبور النفط التي كُشف عنها في نوفمبر، وبعدها زيارة البرهان لجوبا في الأسبوع الأول من ديسمبر وطلبه تأجيل استئناف تصدير النفط من حقول عدارييل وأعالي النيل، وتزامن كل ذلك مع تصعيد العمليات العسكرية في ولاية الجزيرة والتي بلغت ذروتها باستعادة الجيش السيطرة على عاصمة ولاية الجزيرة (ود مدني) في 11 يناير 2025م ثم مصفاة الخرطوم في 25 يناير والقصر الجمهوري ووسط الخرطوم في 21 مارس من ذات العام.

صحيح أن تلك المعطيات مرتبطة بجوانب عسكرية وسياسية تتعلق بسير المعارك على الأرض واستعادة النفوذ وبسط السيطرة، لكنها في سياق آخر حملت مؤشرات وارتباطات متصلة بمسألة حرمان الدعم السريع من الحصول على أي موارد مالية جراء أي اتفاقيات متعلقة بتصدير جنوب السودان لنفطه مجدداً عبر الخط الذي يمر بمناطق ولاية الجزيرة والخرطوم التي يسيطر عليها الدعم السريع.

لذلك نجد أن سلطة بورتسودان بمجرد إكمالها السيطرة على المناطق الواقعة على هذا الخط سارعت إلى مخاطبة جوبا في أبريل 2025م مطالبة باستئناف تصدير النفط عبر هذا الخط بعدما تأكدت تماماً من خروج الدعم السريع من معادلة عائدات توزيع النفط بعد إخراج قواته من مناطق وجوده التي يمر بها خط أنابيب صادر النفط.

وحدها الأيام ستثبت ما كان خافياً من حقائق حول ما يتردد عن اتفاقيات لتوزيع عائدات عبور النفط بين أطراف الصراع بناء على مقترحات قدمتها جوبا. فمن المؤكد أن ما قد يخفى الآن سيُكشَف ويُعلَن عنه في الغد بشكل كامل، وحينها تصبح التكهنات والتسريبات حقائق مبذولة وعلى رؤوس الأشهاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *