الدبلوماسية السودانية بعد الحرب: تفكيك التمكين وأولويات الإصلاح  (5/5)

الدبلوماسية السودانية بعد الحرب: تفكيك التمكين وأولويات الإصلاح  (5/5)

د.العبيد أحمد العبيد

 

هذا المقال هو خاتمة لسلسلة من خمس مقالات تناول، كلٌّ من زاويته، انهيار الدبلوماسية السودانية. في المقال الأول ناقشنا أزمة الشرعية والتمثيل: من يتحدث باسم من، وبأي حق. في المقال الثاني وقفنا عند انهيار وزارة الخارجية مؤسسيًا وتحولها إلى واجهة بلا ذاكرة. في المقال الثالث واجهنا السؤال الأخلاقي الأصعب: حدود الطاعة، وحدود الصمت، ومسؤولية الدبلوماسي الفرد. وفي المقال الرابع تعرضنا لما يمكن تسميته بالدور الدبلوماسي للدعم السريع.

هذا المقال الخامس لا يضيف تشخيصًا جديدًا بقدر ما ينظّم ما سبق في مقترحات إصلاحية وعملية لما بعد الحرب، لا لسلطة اليوم البائسة، وبوعي كامل أن الإصلاح لن يكون ممكنًا إلا إذا سمّينا الأشياء بأسمائها، وربطنا النقد بالاقتراح، والغضب بالعمل.

 

أولًا: السياق العام – لا دبلوماسية بلا دولة

لا يمكن إصلاح الدبلوماسية السودانية بمعزل عن إصلاح الدولة نفسها. الدبلوماسية ليست جهازًا تقنيًا محايدًا، بل الامتداد الخارجي لعقد اجتماعي داخلي. وحين ينهار هذا العقد، تتحول السياسة الخارجية إلى أداة بقاء للسلطة، لا أداة تمثيل للشعب. هذا ما حدث في السودان منذ عقود، وبصورة متسارعة منذ انقلاب 1989: لم تُسيَّس الدبلوماسية فقط، بل أُعيد تعريفها بوصفها ذراعًا تنظيمية وأمنياً للحركة الإسلامية. منذ ذلك الحين، لم يعد الدبلوماسي يُقيَّم على التحليل أو المهنية، بل على الولاء، والصمت، والاستعداد لتبرير ما لا يُبرَّر.

لذلك، فإن أي إصلاح دبلوماسي حقيقي سيكون بالضرورة:

  • تدريجيًا لا فجائيًا؛
  • مرتبطًا بعملية الانتقال المدني؛
  • ومشروطًا بتفكيك التحالف الإسلاموعسكري الذي اختطف الدولة.
  • ومرتبطاً بالاستفادة القصوى من الخبرات الدبلوماسية المهنية خاصة التي انتهت فترة عملها الرسمية.

 

ثانيًا: القضايا الموضوعية – إعادة بناء مضمون السياسة الخارجية

علمت من الكثير من الزملاء انه هنالك العديد من الانشطة التي تمت على مستوي الوزارة واثناء الفترة الانتقالية وكانت خلاصتها تقرير حوي رؤية متكاملة لسياسة خارجية تتوافق مع مبادئ ثورة ديسمبر المجيدة. كل محاولاتي للوصول على هذا التقرير او اهم مخرجاته باءت بالفشل. عدد من الزملاء الذين لديهم علاقة مباشرة تزرعوا بمتطلبات السرية الوظيفية واخرين للأسف فقدوا كل معلوماتهم المكتوبة بسبب الحرب واخرين اعطوني شعور ذا علاقة أكثر بثقافة احتكار المعلومة. أتمنى ان تتاح لي الفرصة مستقبلا للتوسع في هذه الجزئية عند توفر هذه المعلومات.

  1. المصلحة الوطنية: من شعار فارغ إلى مرجعية حاكمة

أحد أخطر ما أصاب السياسة الخارجية السودانية هو تفريغ مفهوم “المصلحة الوطنية” من مضمونه. لم تعد هذه المصلحة تُعرَّف انطلاقًا من حاجات الشعب أو استقرار الدولة، بل انطلاقًا من بقاء النظام، أو مصالح التنظيم الإسلامي، أو حسابات التحالف العسكري، أو إملاءات الرعاة الإقليميين أو المصالح الفردية الضيقة.

الإصلاح يبدأ بإعادة تعريف المصلحة الوطنية الانتقالية حول أولويات واضحة: حماية المدنيين، إنهاء الحرب، استعادة الدولة، دعم الانتقال المدني الديمقراطي. هذه ليست شعارات، بل معايير يجب أن تُحاسَب البعثات والسفراء على أساسها، في تقاريرهم، وخطابهم، وتحركاتهم.

 

  1. من الارتجال إلى الإستراتيجية

فقدت السياسة الخارجية السودانية أي تماسك استراتيجي. المواقف تتبدل، التحالفات تتناقض، والخطاب يناقض الممارسة. المطلوب بعد الحرب وثيقة سياسة خارجية انتقالية مكتوبة، تحدد الأولويات الجغرافية والموضوعية، وتمنع التناقض العلني بين ما يُقال وما يُفعل.

 

  1. إفريقيا: العمق الذي أُهمل ثم فُرض

الحديث عن “العودة إلى إفريقيا” ليس مسألة هوية ثقافية، بل ضرورة استراتيجية. حين اندلعت الحرب، فتحت دول إفريقية فقيرة حدودها للسودانيين، بينما أغلقت دول عربية وإسلامية كثيرة أبوابها. هذا الواقع يجب أن يُقرأ سياسيًا، لا عاطفيًا. كما كتب جمال محمد أحمد، قبل عقود، فإن تجاهل إفريقيا لصالح أوهام “العروبة السياسية” كان خطأً استراتيجيًا فادحًا. الإصلاح يتطلب إعطاء إفريقيا أولوية عملية في التمثيل والموارد، والاستثمار الجاد في الاتحاد الإفريقي والإيقاد، واختيار دبلوماسيين ذوي معرفة حقيقية بالإقليم، لا مجرد تعيينات شكلية.

 

  1. الموارد الإستراتيجية: سياسة خارجية بلا أدوات

الذهب، الصمغ العربي، الثروة الحيوانية، والمعادن الأخرى ليست ملفات اقتصادية فقط، بل أدوات سياسة خارجية. ما حدث للذهب—تحوله إلى وقود مباشر للحرب—هو فشل سياسي وأخلاقي. الأخطر هو الصمت الدبلوماسي عن تهريبه وغسله، خصوصًا عبر الإمارات، حيث أصبح الذهب السوداني موردًا مشتركًا لطرفي الحرب. المطلوب ربط هذه الموارد بخطاب دبلوماسي صريح، ومواجهة شبكات التهريب، وتحويل الموارد من عبء أخلاقي إلى أداة نفوذ مشروع.

 

  1. إعادة هيكلة الوجود الدبلوماسي

ليس عدد السفارات معيارًا للنفوذ. المطلوب مراجعة شاملة للبعثات، وإغلاق أو دمج غير المجدي منها، وتركيز الموارد في عواصم ومحافل ذات أثر حقيقي. هذا ليس تقشفًا أعمى، بل تفكير استراتيجي. ولقد تم إنجاز خطوات مهمة في هذا الاتجاه، حيث قامت لجنة مكونة من مداخل وزارة الخارجية باقتراح إغلاق 16 سفارة، وقد تم بالفعل إغلاق 7 سفارات، ولم يتم إغلاق السفارات المتبقية بسبب قيام الانقلاب.

 

ثالثًا: الإصلاح المؤسسي – استعادة وزارة الخارجية بوصفها عقل الدولة الخارجي

من بين كل أوجه الانهيار التي أصابت الدبلوماسية السودانية، يظل الانهيار المؤسسي لوزارة الخارجية هو الأكثر خطورة على المدى الطويل. فالوزارة لم تتحول فقط إلى مؤسسة ضعيفة أو مثقلة بالفساد، بل تحولت—بفعل سياسات متراكمة—إلى مؤسسة بلا ذاكرة، وبلا دور، وبلا حماية. فُصلت الكفاءات، أُدخل غير المؤهلين، هُمِّشت وظيفة التخطيط والتحليل، وتحوّلت الوزارة تدريجيًا من مركز لصياغة السياسة الخارجية إلى جهاز تنفيذي هامشي، يتلقى التعليمات من خارجها وينفّذها دون نقاش.

منذ 1989، جرى تفريغ وزارة الخارجية من مضمونها المهني عبر مسارين متوازيين:

الأول هو التسييس المباشر، حيث خضعت التعيينات والترقيات لمنطق الولاء الأيديولوجي والتنظيمي.

والثاني هو الأمننة، حيث جرى سحب الملفات الحساسة—وأحيانًا القرار نفسه—من الوزارة إلى الأجهزة الأمنية أو مكاتب سيادية مغلقة. والنتيجة أن الوزارة فقدت تدريجيًا قدرتها على التفكير الإستراتيجي، وعلى تقديم النصح، وحتى على الدفاع عن اختصاصها الطبيعي.

هذا الوضع لم يُعالَج بجدية حتى بعد 2019. خلال الفترة الانتقالية، استمر التهميش المؤسسي للوزارة، واستُخدمت أحيانًا كواجهة لإضفاء شرعية شكلية على قرارات لم تشارك في صنعها. ومع اندلاع الحرب، بلغ هذا التهميش ذروته، حيث باتت الوزارة غائبة فعليًا عن إدارة أخطر أزمة خارجية في تاريخ السودان الحديث.

إصلاح هذا الوضع لا يعني تغيير الوزير فقط، ولا تعديل الهياكل الشكلية، بل إعادة بناء وزارة الخارجية بوصفها “عقل الدولة الخارجي”: المؤسسة التي تجمع المعلومات، تحللها، تقترح الخيارات، وتدافع عن المصلحة الوطنية أمام بقية مؤسسات الدولة، لا أن تكون مجرد ناقل أوامر أو متلقٍ سلبي للتوجيهات.

 

توصيات عملية موسَّعة

1/ إعادة تعريف دور وزارة الخارجية داخل الدولة

o       نص سياسي وقانوني صريح يؤكد أن وزارة الخارجية هي الجهة المختصة بتخطيط وتنفيذ السياسة الخارجية.

o       إلزام أي مؤسسة سيادية أخرى (عسكرية أو أمنية) بالمرور عبر الوزارة في الملفات الخارجية.

o       توضيح أكثر للعلاقة مع وزارة المالية لتمكين وزارة الخارجية من مكافحة الفساد الناتج عن الإيرادات المالية للسفارات (خاصة القسم القنصلي كما سيأتي لاحقاً).

  • النتيجة المتوقعة: استعادة الاختصاص، وإنهاء تشتت القرار الخارجي.

2/ استعادة وظيفة التخطيط والتحليل الإستراتيجي

o       إنشاء أو إعادة تفعيل إدارة تخطيط سياسي قوية داخل الوزارة.

o       تكليفها بإعداد:

      أوراق سياسات قصيرة (policy briefs)،

      تقديرات موقف،

      وسيناريوهات بديلة للقرار.

  • النتيجة المتوقعة: انتقال السياسة الخارجية من الارتجال إلى الإستراتيجية.

3/ حماية حق الدبلوماسي في تقديم النصح المهني

لمواجهة ثقافة الخوف والعقاب غير المعلن لكل رأي مهني مخالف، كما هو الحال الآن، المطلوب:

o       نصوص إدارية واضحة تحمي الدبلوماسي الذي يقدّم رأيًا مهنيًا مكتوبًا.

o       منع استخدام التقارير المهنية ضد أصحابها في التقييم أو النقل.

  • النتيجة المتوقعة: إعادة بناء ثقافة داخلية تسمح بالتفكير لا التلقّي فقط.

4/ الفصل المؤسسي بين الوزارة والأجهزة الأمنية

o       تحديد مكتوب لحدود التنسيق مع الأجهزة الأمنية.

o       حظر أي توجيه مباشر للسفراء أو البعثات من خارج الوزارة.

  • النتيجة المتوقعة: إنهاء الأمننة، واستعادة الطابع المدني للسياسة الخارجية.

5/ إعادة بناء الهرم الإداري والمهني داخل الوزارة

تعرضت المسارات الوظيفية للتشويش بفعل التسييس والاستثناءات، لذلك يفترض:

o       مراجعة شاملة للهياكل التنظيمية.

o       إعادة الاعتبار للتدرّج المهني القائم على الكفاءة والخبرة.

  • النتيجة المتوقعة: استقرار إداري، وتراكم خبرة حقيقي.

6/ ضبط العلاقة بين المركز والبعثات الخارجية

o       نظام تقارير دوري إلزامي، نوعي لا شكلي.

o       آليات متابعة وتقييم أداء السفارات والقنصليات.

  • النتيجة المتوقعة: وحدة الخطاب والممارسة الخارجية.

 

7/ مكافحة الفساد المؤسسي داخل الوزارة

o       وحدات رقابة داخلية مستقلة.

o       ربط النزاهة المؤسسية بالترقي والتعيين.

o       التعاون مع ديوان المراجع العام بغرض تقويم العمل المالي وتنفيذ الإجراءات واللوائح المالية والمحاسبية للدولة.

  • النتيجة المتوقعة: كبح اقتصاد الظل داخل الوزارة.

 

8/ استعادة مكانة الوزارة داخل الدولة والمجتمع

o       تمكين الوزارة من مخاطبة الرأي العام بانتظام.

o       شفافية نسبية في السياسات والقرارات.

  • النتيجة المتوقعة: إعادة بناء الثقة في الوزارة كمؤسسة عامة واستعادة هيبتها أمام الرأي العام.

الإصلاح المؤسسي لوزارة الخارجية ليس ترفًا إداريًا، بل شرط لبقاء الدولة نفسها. فالدولة التي لا تمتلك مؤسسة قادرة على التفكير باسمها في الخارج، وتحليل المخاطر، وصياغة الخيارات، هي دولة تُدار بردّ الفعل، وتُستدرج بسهولة إلى المحاور والابتزاز. استعادة وزارة الخارجية هي استعادة للعقل، قبل أن تكون استعادة للمظهر.

 

رابعًا: الموارد البشرية – تفكيك إرث 1989 وإعادة بناء الإنسان الدبلوماسي

إذا كان انهيار السياسة الخارجية قد ظهر في المواقف المتناقضة، وفي الخطاب المرتبك، وفي العزلة المتزايدة، فإن الجرح الأعمق والأطول أثرًا في الدبلوماسية السودانية كان—ولا يزال—في الموارد البشرية. ما جرى منذ انقلاب 1989 لم يكن مجرد فصل تعسفي واسع النطاق، بل كان مشروعًا سياسيًا متكاملًا لإعادة تشكيل السلوك المهني للدبلوماسي السوداني: ماذا يقول، ومتى يصمت، وأين يضع حدود ضميره، وكيف يفهم “الواجب”.

في السنوات الأولى للإنقاذ، شهدت وزارة الخارجية فصل عدد كبير من الدبلوماسيين المؤهلين، لا بسبب قصور مهني، وإنما نتيجة لاعتبارات سياسية وأيديولوجية. لكن الأخطر من الإقصاء كان ما جرى لمن بقوا. فقد خضع هؤلاء، بمرور الوقت، لعملية تطويع طويلة:

الصمت أصبح مهارة مهنية، وتجنّب الرأي المكتوب صار دليل “حكمة”، والطاعة— لا الكفاءة— أضحت طريق النجاة والترقّي.

ومع الزمن، لم تعد المشكلة محصورة في إدخال غير المؤهلين، بل في تحويل بعض المؤهلين أصلًا إلى أدوات تبرير أو صمت. كثيرون ممن دخلوا الخارجية بجدارة حقيقية وجدوا أنفسهم، تحت ضغط الخوف أو المصلحة الشخصية، إمّا منحنين للواقع، أو متواطئين معه، أو صامتين صمتًا لا يقل أثرًا عن التواطؤ. وهكذا، تشكّلت داخل الوزارة طبقة من “المهنيين الصامتين” الذين ينجون فرديًا، لكنهم يساهمون جماعيًا في استمرار الخراب. أرجو التأكيد هنا على أن هذا الوصف ينطبق على بعض وليس كل الدبلوماسيين. لقد لفت نظري أحد قدامى البلوماسيين (الذي أكنّ له جلَّ الاحترام) أنه كانت هنالك مجموعة من الدبلوماسيين المهنيين فضّلوا الصمود والعمل تحت نظام الإنقاذ كنوع من المقاومة “من الداخل ليس تماهياً مع الظلام الحالك الذي حل علينا منذ يونيو1989″، ولكن كشعور “بواجبنا أن مهنتنا التي امتلكتنا فامتلكناها، ولن نرضى لها تشويهاً وضياعا.” وأنا شخصياً أعرف بعضاً من الدبلوماسيين الذين دفعوا ثمناً باهظاً لهذا الصمود.

الأخطر من ذلك أن هذا الإرث لم يُفكَّك بجدية حتى بعد سقوط نظام البشير في 2019. واحدة من أكبر إخفاقات الفترة الانتقالية كانت التردّد في معالجة ملف الموارد البشرية داخل وزارة الخارجية. باسم “الاستقرار الإداري” و”عدم تفريغ الوزارة”، جرى الاحتفاظ بدبلوماسيين لعبوا أدوارًا محورية في ماكينة النظام السابق:

من خدموا في مكاتب قياداته،

ومن تولّوا أدوارًا دعائية وتبريرية في أحلك فترات القمع،

ومن صاغوا الخطاب الخارجي الذي برّر العزلة والانتهاكات.

بعض هؤلاء لم يكتفِ بالبقاء بعد 2019، بل أعاد التموضع بسرعة بعد انقلاب البرهان، ثم خلال الحرب، وواصل أداء الدور نفسه باسم “الدولة” أو “السيادة”. استمرار هذه الشخصيات في مواقع قيادية -بعضها في عواصم إقليمية حسّاسة- أرسل رسالة مدمّرة للوزارة وللرأي العام:

أن الانتهاك الأخلاقي لا تترتب عليه تبعات،

وأن تغيير الأنظمة لا يعني تغيير قواعد اللعبة داخل الخدمة الدبلوماسية.

ولا يمكن هنا تجاهل ظاهرة أخرى عمّقت الأزمة: عسكرة الدبلوماسية. تعيين عدد كبير من الضباط العسكريين في مناصب دبلوماسية عليا، خارج إطار الملحقيات العسكرية المعروفة، لم يكن مجرد خطأ بروتوكولي، بل خللًا بنيويًا. هؤلاء، بحكم تكوينهم، يميلون إلى تجاهل اللوائح المالية والإدارية، ولا يعترفون بسلسلة القيادة المدنية داخل الوزارة، بل يتبعون أوامر قياداتهم العسكرية أو السياسية. والنتيجة أن بعض السفارات تحولت إلى امتداد للثكنة، لا بعثة دبلوماسية تمثل دولة مدنية. تزامن دخول العسكر والإسلامنجيين إلى الخارجية مع تبلور دكتاتورية السفير.

 

متطلبات الإصلاح الجذري في ملف الموارد البشرية

توصيات موسَّعة وقابلة للتنفيذ

  • الإزالة الكاملة لكل التعيينات السياسية منذ 1989 وحتى اليوم، دون استثناءات مبنية على القرب أو العلاقات أو “الحاجة المؤقتة”. هذه الخطوة ليست انتقامًا، بل شرطًا لقطع سلسلة إعادة تدوير الوجوه.
  • إعادة تقييم صارمة وشاملة لكل من دخلوا الخدمة خلال فترة الإنقاذ، بمن فيهم من دخلوا عبر مسارات وُصفت آنذاك بأنها “مهنية”. التقييم يجب أن يشمل:

o       الكفاءة المهنية الفعلية،

o       السجل الأخلاقي والسلوكي،

o       الدور الذي لعبه الفرد—قولًا أو صمتًا—في فترات القمع والحرب.

o       مراعاة زيادة نسبة التمثيل النسائي في السلك الدبلوماسي بغرض الاقتراب من النصف.

  • إنهاء تعيين العسكريين في المناصب الدبلوماسية المدنية، باستثناء الملحقين العسكريين عند الضرورة، وبضوابط مكتوبة. أي استثناء خارج ذلك يجب أن يكون مسببًا ومعلنًا.
  • وقف استخدام السفارات كمكافآت للولاء السياسي أو مواقع للإثراء الشخصي، عبر:

o       معايير شفافة للتعيين والترقية،

o       تدوير إلزامي في البعثات الحسّاسة،

o       تدقيق مالي دوري للبعثات عالية المخاطر.

  • إعادة بناء مسارات الدخول والترقية داخل الوزارة على أساس مهني صارم، يقطع مع ثقافة “الصمت المجزي” ويكافئ التحليل والكفاءة.
  • الاستفادة المنهجية من خبرات الدبلوماسيين السابقين—داخل السودان وخارجه—ممن أُقصوا أو استقالوا أو اختاروا الصمت دون تواطؤ، للمساهمة في:

o       إعادة تصميم امتحانات الدخول،

o       بناء برامج تدريب وتأهيل حقيقية،   استعادة الذاكرة المؤسسية التي فُقدت.

  • إعادة الاعتبار للتدريب المتخصص، خصوصًا في:

o       العمل القنصلي وحماية المواطنين،

o       جمع المعلومات وصياغة التقارير،

o       الدبلوماسية العامة والإعلام الخارجي،

o       التعاون الاقتصادي والتجاري،

o       تخطيط السياسة الخارجية،

o       تطوير اللغات والمعرفة الثقافية.

  • ربط الترقية والتعيين القيادي بالسجل الأخلاقي، لا فقط بعدد السنوات أو العلاقات. فلا معنى لخارجية “مهنية” تُدار بعقول فقدت بوصلتها الأخلاقية.

إصلاح الموارد البشرية ليس بندًا إداريًا بين بنود أخرى، بل قلب مشروع الإصلاح كله. من دون تفكيك إرث 1989 في العقول والسلوكيات، ستبقى كل القوانين والهياكل مجرد واجهة. إعادة بناء الدبلوماسية السودانية تبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان الدبلوماسي: كرامته، استقلاليته، وإحساسه بأن ما يفعله ليس مجرد وظيفة، بل خدمة عامة لها معنى وحدود ومسؤولية.

 

خامساً: الفساد القنصلي: حين تتحوّل السفارة من خدمة عامة إلى اقتصاد ظلّ

من أخطر مظاهر انهيار الدبلوماسية السودانية وأكثرها التصاقًا بحياة الناس اليومية الفساد القنصلي المنهجي. هذا ليس فسادًا عرضيًا أو حالات فردية، بل نمط مستقر تشكّل عبر سنوات، حتى تحوّلت بعض السفارات والقنصليات إلى اقتصاد ظلّ تُجبى فيه الأموال خارج القانون، وتُدار الخدمات عبر وسطاء وسماسرة، ويُبتز فيه المواطن باسم الدولة التي يُفترض أن تحميه.

خطورة هذا الفساد لا تكمن فقط في الأموال المنهوبة، بل في أثره الرمزي والسياسي العميق: حين تصبح السفارة مصدر خوف لا ملاذًا، ويتعامل المواطن مع دولته كعبء إضافي لا سند، تكون فكرة الدولة نفسها قد تصدّعت.

القاهرة: القنصلية كـ”سوق خدمات” مفتوح

في مصر، حيث يعيش أكبر عدد من السودانيين في الخارج، تحوّل العمل القنصلي إلى منظومة سمسرة شبه علنية:

  • رسوم غير قانونية على الجوازات والوثائق؛
  • سماسرة معروفون يعملون كوسطاء بين المواطن والموظف؛
  • “خدمات مستعجلة” غير منصوص عليها قانونًا تُباع بمبالغ باهظة.

هذا الواقع ترسّخ بفعل ضعف الرقابة، وتطبيع الفساد كـ”حل عملي”، وتواطؤ بعض الموظفين مع شبكات خارجية. هنالك نماذج أخرى كثيرة.

لماذا هذا الفساد خطير سياسيًا، لا إداريًا فقط؟

  • لأنه يُقوّض الثقة بين المواطن والدولة؛
  • لأنه يحوّل الدبلوماسية من أداة تمثيل إلى أداة ابتزاز؛
  • لأنه يربط الخارجية مباشرة باقتصاد الحرب والفساد؛
  • ولأنه يُفرغ أي خطاب عن “الإصلاح” من مضمونه العملي.

 

توصيات إصلاح عملية وعاجلة للفساد القنصلي

خارطة طريق تنفيذية مختصرة

أولًا: الشفافية الكاملة في الرسوم والإجراءات

  • نشر الرسوم القنصلية بوضوح في مقار السفارات والمنصات الرسمية؛
  • تجريم أي “خدمة مستعجلة” غير منصوص عليها قانونًا.

ثانيًا: أتمتة الخدمات القنصلية الأساسية

  • تقليل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف؛
  • حجز المواعيد وتتبع الطلبات إلكترونيًا، بما يحدّ من السمسرة.

ثالثًا: تفكيك شبكات السماسرة

  • تحقيقات مستقلة في البعثات عالية الشكاوى؛
  • نقل أو فصل أي موظف يثبت تواطؤه؛
  • تعاون محسوب مع السلطات المحلية دون التفريط في السيادة.

رابعًا: آلية شكاوى مستقلة وآمنة

  • قنوات شكوى خارج تسلسل السفارة؛
  • حماية المبلّغين؛
  • نشر تقارير دورية عن النتائج.

خامسًا: تدقيق مالي دوري للبعثات عالية المخاطر

  • بعثات مثل: مصر، الإمارات، السعودية، بريطانيا، الصين، تركيا، ماليزيا؛
  • فرق تفتيش مستقلة؛
  • ربط نتائج التدقيق بالترقيات والاستمرار في المنصب.

سادسًا: إعادة تعريف دور القنصلية

  • القنصلية ليست مكتب جباية، بل خط الدفاع الأول عن المواطن وواجهة الدولة الأخلاقية؛
  • إدراج هذا المبدأ صراحة في لوائح العمل القنصلي.

سابعًا: ربط الإصلاح القنصلي بالإصلاح الأخلاقي

  • أي إصلاح إداري بلا مساءلة أخلاقية سيفشل؛
  • محاسبة الموظف القنصلي على السلوك واللغة وطريقة التعامل، لا الإجراء فقط.

إصلاح الفساد القنصلي ليس تفصيلًا إداريًا، بل شرطًا أساسيًا لاستعادة معنى الدولة. فالدولة التي تبتز مواطنيها في الخارج، أو تراقبهم، أو تتخلّى عنهم، لا يمكن أن تطالب بالاحترام في المحافل الدولية. استعادة الدبلوماسية تبدأ—ببساطة مؤلمة—من استعادة كرامة المواطن عند شباك القنصلية.

 

سادسًا: الإصلاح القانوني والأخلاقي – من النصوص المُفرَّغة إلى المساءلة الحقيقية

من أكثر الأوهام شيوعًا في النقاش حول الدبلوماسية السودانية الاعتقاد بأن المشكلة تكمن في غياب القوانين. الحقيقة أن القوانين موجودة: قانون السلك الدبلوماسي، لوائح الخدمة، قوانين الحصانات والامتيازات، بل وحتى مسودات مدونات سلوك. هنالك ما يكفي من القوانين واللوائح التي يمكن أن تعتبر نقطة بداية جيدة للكثير من الإصلاحات المقترحة هنا.  المشكلة لم تكن يومًا في النصوص، بل في تفريغ هذه النصوص من معناها، وتحويلها إلى أدوات حماية للأفراد بدل أن تكون أدوات ضبط للمؤسسة.

الإصلاح القانوني المطلوب بعد الحرب لا يعني ترقيعًا أو تعديلات شكلية، بل إعادة تأسيس كاملة للإطار القانوني والأخلاقي الذي يحكم الدبلوماسية السودانية، على ثلاثة مستويات مترابطة:

أولًا: قانون جديد للسلك الدبلوماسي

القانون الحالي—حتى مع تعديلاته—لم يعد يعكس واقع الدولة ولا طبيعة التحديات. المطلوب قانون جديد:

  • يعرّف بوضوح طبيعة الخدمة الدبلوماسية بوصفها خدمة عامة مدنية، لا امتدادًا لجهاز أمني أو تنظيم سياسي؛
  • يربط التعيين والترقية بالكفاءة والسجل المهني والسلوكي، لا بالأقدمية وحدها أو القرب السياسي؛
  • يحدّد بدقة واجبات الدبلوماسي وحدود سلطته، ويمنع التداخل غير المشروع مع أجهزة أخرى.

ثانيًا: إعادة تعريف فلسفة الحصانات والامتيازات

الحصانة ليست امتيازًا شخصيًا، بل حماية وظيفية. هذا التمييز البسيط جرى تدميره عمليًا في التجربة السودانية. الإصلاح يتطلب:

  • نصوصًا صريحة تؤكد أن الحصانة لا تحمي الفساد المالي، ولا إساءة استخدام المنصب، ولا التحريض على العنف أو الكراهية؛
  • آليات واضحة لرفع الحصانة داخليًا عند الاشتباه الجدي، دون انتظار فضيحة خارجية؛
  • تعاونًا مؤسسيًا مع أجهزة العدالة الانتقالية لاحقًا، حيثما اقتضى الأمر.

ثالثًا: مدونة أخلاق ملزمة لا وعظية

الحديث عن الأخلاق في الدبلوماسية غالبًا ما يُختزل في خطاب مثالي فضفاض. المطلوب هو مدونة أخلاق مهنية ملزمة، مرتبطة بآليات تطبيق حقيقية. هذه المدونة يجب أن:

  • تميّز بوضوح بين ما هو مسموح، وما هو مرفوض، وما هو محل مساءلة؛
  • تحظر صراحة:

o       تضليل الرأي العام،

o       تجريم الضحايا،

o       تبرير العنف ضد المدنيين،

o       استغلال المنصب للإثراء أو الابتزاز؛

  • تربط المخالفة بعقوبات إدارية واضحة، تصل إلى الفصل عند اللزوم.

وهنا لا بد من توضيح نقطة جوهرية: الدبلوماسي ليس ناشطًا سياسيًا، ولا يُطلب منه أن يكون معارضًا علنيًا أو ثوريًا. لكنه أيضًا ليس آلة صمّاء تُعفى من أي مسؤولية أخلاقية. هناك حد أدنى من الكرامة المهنية والانضباط الإنساني لا يمكن التنازل عنه باسم “التعليمات”.

كل اختيار يتخذه الدبلوماسي—ما يقوله، وما يبرّره، وما يصمت عنه—له تبعات. قد يختار البعض تجنّب المسؤولية الأخلاقية، لكنهم لا يستطيعون تجنّب تبعات هذا الاختيار: النقد العلني، فقدان الاحترام المهني، أو المحاسبة اللاحقة. الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بهذه الحقيقة.

 

سابعًا: المسؤولية الفردية – درس 1985 بوصفه سابقة مهنية

في خضم هذا النقاش عن القوانين والأخلاق، تبرز تجربة أبريل 1985 بوصفها سابقة عملية تُفنّد الادعاء الشائع بأن “الدبلوماسي لا خيار له”. حين اندلعت الانتفاضة الشعبية ضد نظام جعفر نميري، لم يتردد السفير إبراهيم طه أيوب، سفير السودان في كينيا آنذاك، في إدانة العنف الممارس ضد المدنيين، وفي إعلان انحيازه الواضح لإرادة الشعب.

هذا الموقف لم يكن سهلًا، ولا خاليًا من المخاطر. لكنه كان اختيارًا مهنيًا وأخلاقيًا واعيًا. والأهم أنه كسر مقولة أن أي خروج عن خطاب السلطة يعني نهاية المسار الوظيفي. على العكس، بعد سقوط النظام، لم يُقصَ السفير أيوب، بل أصبح وزيرًا للخارجية في الفترة الانتقالية التي أعقبت انتفاضة 1985.

هذه الواقعة ليست قصة رومانسية تُروى للحنين، بل درس مهني بالغ الأهمية:

  • أن الانحياز لكرامة الشعب في اللحظات المفصلية لا يُقصي بالضرورة؛
  • أن التاريخ المؤسسي—مهما طال القمع—يحتفظ بذاكرة؛
  • وأن المسؤولية الفردية ليست نقيضًا للمهنية، بل شرطًا لها.

المقارنة هنا ليست أخلاقوية ساذجة. ظروف اليوم أشد قسوة، والحرب أكثر وحشية، ومساحات المناورة أضيق. لكن المبدأ يبقى قائمًا: الاختيار كان، ولا يزال، ممكنًا، ولو في حدوده الدنيا. ليس مطلوبًا من كل دبلوماسي أن يكرر تجربة 1985 حرفيًا، لكن المطلوب الاعتراف بأن الصمت والتبرير ليسا قدرًا محتومًا، بل قرارًا.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الإصلاح لما بعد الحرب:

لا يمكن بناء دبلوماسية جديدة بعقول اعتادت تبرير كل شيء باسم “الوظيفة”. استعادة الدبلوماسية السودانية تمرّ عبر استعادة الإحساس بالمسؤولية الفردية، وبأن الخدمة العامة ليست حيادًا أخلاقيًا، بل التزامًا بحدود واضحة، حتى في أحلك الظروف.

 

ثامنًا: أولويات إسعافية لما بعد الحرب

ما الذي يجب فعله فورًا.. قبل أن يُعاد إنتاج الخراب

إذا كان هذا المقال قد ركّز على إصلاحات عميقة وبنيوية تمتد زمنيًا، فإن ذلك لا ينفي حقيقة أساسية: الأشهر الأولى التي تلي وقف الحرب ستكون حاسمة. في تلك اللحظة الهشّة، لن يكون الخطر الأكبر هو نقص الرؤية بعيدة المدى، بل خطر التراخي، والتسويات السريعة، وإعادة تدوير الوجوه نفسها باسم “الضرورة” و”الاستقرار”. لذلك، لا بد من إجراءات إسعافية واضحة، تُنفّذ بسرعة وحزم، وتُرسل إشارة لا لبس فيها بأن ما بعد الحرب ليس امتدادًا لما قبلها.

1/ تطهير الوزارة من رموز الحرب وتبريرها

ومن الإجراءات ذات الأولوية العمل على مراجعة الأدوار التي ارتبطت بخطاب الحرب خلال الفترة الماضية، بما يشمل من ساهموا في الترويج لها أو غض الطرف عن انتهاكاتها. ولا يستهدف ذلك إطلاقاً التشهير أو اتخاذ مواقف انتقامية، وإنما اعتماد معالجات إدارية مهنية وموضوعية، تستند إلى معايير واضحة، من بينها:

  • السجل العلني للدبلوماسي بما في ذلك الخطاب العام والبيانات والتصريحات الصادرة عنه؛
  • طبيعة دوره الوظيفي ومسؤولياته خلال فترة الحرب؛
  • مدى التزامه بالمعايير المهنية خاصة فيما يتعلق بالتعاطي مع الضحايا واحترام حقوقهم وكرامتهم.

وجود هذه الشخصيات في مواقع قيادية بعد الحرب لن يكون مجرد خطأ إداري، بل نسفًا أخلاقيًا لفكرة الإصلاح نفسها.

2/ وقف فوري وحاسم لكل التعيينات السياسية

أي تهاون في هذا الملف سيعني عمليًا إعادة فتح الباب للتمكين بأشكال جديدة. المطلوب:

  • قرار سيادي انتقالي يجمّد فورًا كل التعيينات السياسية في وزارة الخارجية والبعثات؛
  • مراجعة عاجلة لكل التعيينات التي تمت خلال الحرب؛
  • حظر استخدام السفارات كمكافآت ولاء أو أدوات احتواء سياسي.

هذه الخطوة ليست تقنية، بل رسالة سياسية وأخلاقية: أن الخارجية لن تعود غنيمة.

3/ تدقيق مالي عاجل للبعثات عالية المخاطر

لا يمكن الحديث عن استعادة الثقة دون مواجهة الواقع المالي. بعثات مثل مصر، الإمارات، السعودية، بريطانيا، الصين، تركيا، وماليزيا يجب أن تخضع فورًا لـ:

  • تدقيق مالي مستقل؛
  • مراجعة شاملة للإيرادات القنصلية؛
  • فحص أنماط الصرف والتحويلات؛
  • إيقاف أي ممارسات مشبوهة فورًا، حتى قبل اكتمال التحقيق.

التأجيل هنا يعني ضياع الأدلة، واستمرار نزيف المال العام، وتكريس الإفلات.

4/ إصلاح فوري للعمل القنصلي بوصفه واجهة الدولة الأولى وحامياً لحقوق المواطنين بالخارج

لا يجوز انتظار اكتمال الإصلاح المؤسسي لمعالجة ما يعانيه المواطن يوميًا. المطلوب فورًا:

  • نشر الرسوم القنصلية رسميًا وبوضوح؛
  • إلغاء كل “الخدمات الاستثنائية” غير القانونية؛
  • فتح قنوات شكوى عاجلة ومستقلة؛
  • تغيير إدارات قنصلية ثبتت ضدها شكاوى متراكمة.

القنصلية هي أول مكان يختبر فيه المواطن معنى الدولة. وإذا فشلت هناك، فشل كل خطاب عن السيادة والكرامة.

5/ توحيد الخطاب الخارجي حول السلام والانتقال المدني

في مرحلة ما بعد الحرب، لا يحتمل السودان تعدد الأصوات وتناقض الرسائل. المطلوب:

  • خطاب خارجي واحد واضح: لا تبرير للعنف، لا مساواة بين الضحية والجلاد، لا غموض حول أولوية السلام والانتقال المدني؛
  • منع أي دبلوماسي أو بعثة من استخدام لغة تحريضية أو تبريرية باسم “الواقعية السياسية”؛
  • إعادة تعريف “السيادة” بوصفها حماية الإنسان والدولة معًا، لا حماية السلطة.

هذه الإجراءات الإسعافية ليست بديلًا للإصلاح العميق، لكنها شرط لتهيئة البيئة التي تسمح ببدئه دون أن يُجهض منذ اللحظة الأولى.

 

خاتمة: لماذا هذه التوصيات؟

الدبلوماسية السودانية ليست مهنة فاشلة بطبيعتها، بل مهنة أُفسدت عمدًا، عبر التسييس، والأمننة، والتمكين، وتطبيع الصمت. ويمكن استعادتها، لا عبر تغيير الشعارات، بل عبر مواجهة الحقيقة، وتحمل الكلفة الأخلاقية للإصلاح.

الدول لا تموت حين تُهزم عسكريًا، بل حين تكذب على نفسها، وحين تبرّر ما لا يُبرَّر، وحين تعاقب من يقول الحقيقة وتكافئ من يزيّفها. هذا المقال—وما سبقه—محاولة لقول الحقيقة كما هي، لا شماتةً ولا حنينًا، بل تمهيدًا لطريق مختلف، إن توفّرت الإرادة.

ولعل أنسب ما تُختَم به هذه السلسلة كلمات منصور خالد، الذي خبر الدولة من داخلها، وعرف كيف تُبنى وكيف تُفسَد، حين كتب ذات يوم:

“أخطر ما يصيب الدولة ليس فشل سياساتها، بل اعتياد نخبها على تبرير هذا الفشل، حتى يصبح الكذب على النفس فضيلة، والصمت عن الخطأ حكمة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *