بقلم: وليد عنبور
(مضى ما يقارب الأسبوعين على الأول من مايو “يوم العمال العالمي”؛ ذلك اليوم الذي يُثمن فيه دور العمال ويبرز تضحياتهم ونضالاتهم وآمالهم وطموحاتهم واعتزاز المجتمعات بهم)
واحد وستون عاماً، من الغربة المتعمدة في ذاكرة وطن يخشى مواجهة مراياه، مضت ولا يزال شهداء الثامن عشر من مارس غرباء في وجدان الأمة التي شيدوا أعمدتها بعرق الجباه. غاب التأبين الذي يليق بعظمة تلك التضحية عن النقابات العريقة، واختفت سيرتهم من منصات المجتمع السوداني، وسقطت أسماؤهم من مناهج التعليم، وكأن هؤلاء الرجال الذين خضبوا أرصفة ميناء بورتسودان بدمائهم عام 1965م مجرد أرقام هامشية في سجل النسيان الوطني الممنهج.
هذا الغياب استمرار ميكانيكي لمنطق “العقل الأفندي القمعي”؛ ذلك الوريث المخلص للبنية الاستعمارية الذي لا يرى في العامل إلا ترساً قابلاً للاستبدال، ولا يرى في المنتج الحقيقي سوى مادة خام للجباية. المجتمع الذي لا يبكي شهداءه وتخلو ساحاته من نُصُب يخلِّد الدم، هو مجتمع لم يكسر بعد قفص التفكير الذي صنع المأساة أول مرة.
فهم هذا الجحود يقتضي العودة إلى مأساة “عنبر جودة” عام 1956م؛ هناك حيث حشرت الدولةُ “الوطنية” مئاتِ المزارعين في غرفة ضيقة بلا تهوية ليموتوا خنقاً لمجرد مطالبتهم بحسابات عادلة لعرقهم، وسألوا بآدمية: “أين ذهب عرقنا؟”. في ذلك العنبر المظلم ولد العقل الذي يقدس السمسار والمقاول ويحتقر السواعد، وهو العقل نفسه الذي أطلق الرصاص في بورتسودان في الثامن عشر من مارس 1965م.
بدأت الأحداث حين أعلن عمال الشحن والتفريغ إضرابهم الشامل، وتضامن معهم عمال المحلج الحكومي لمنع دخول أقطان طوكر، مطالبين بانتزاع كرامتهم من مخالب “نظام المقاولات” الطفيلي، وتضامن عدد من سكان أحياء بورتسودان ميدانياً مع العمال. واجهت الدولة هذا الصمود بالرصاص الحي، فسقط الشهداء “عثمان حامد إدريس، وحامد موسى مندر، ومحمد نور محمد همد، وإدريس آدم أحمد، ومحمد سعيد حامد تيراي” لأنهم تجرأوا على الانتصاب واقفين في وجه النخب التي تمتص أعمارهم لصالح المركز البعيد.
تشكلت لجنة لإجراء التحقيق. ولكن كعادة كل الحوادث لم تصدر لجنة التحقيق نتائج تحقيقاتها، ولم يتم معاقبة المتورطين في الحادثة. ويستمر هذا الإرث في الحاضر حيث يعمل عمال الشحن والتفريغ في أوضاع هشة تفتقر إلى الضمانات الأساسية من تأمين صحي واستقرار وظيفي وحقوق ما بعد الخدمة، في ظل بنية تشغيل مؤقتة تعيد إنتاج هشاشتهم بوصفهم قوة عمل قابلة للاستبدال.
إن القمع الذي واجهه العمال في جودة وبورتسودان لم يكن فقط عنفاً أمنياً مباشراً، بل كان انعكاساً لبنية اقتصادية ترى المنتِج الحقيقي عبئاً يجب التحكم فيه لا شريكاً في الثروة والقرار. ولهذا فإن أي حديث عن العدالة العمالية يظل ناقصاً ما لم يمتد إلى إعادة التفكير في طبيعة الملكية نفسها وعلاقة العامل بوسائل الإنتاج.
إن محاولات إصلاح حال العمال داخل الصندوق القديم محكومة بالفشل، لأنها تقتضي تفكيك بنية الاستغلال بالكامل. نغرس هنا بذوراً لرؤى استشرافية تضع الباحثين والمختصين أمام مسؤولية إعادة تخيل العلاقة بين العمل والملكية، وذلك في اتجاه تحويل الكيانات النقابية من أجسام مطلبية إلى “صيغ ملكية تعاونية أو مساهمة عمالية”.
تمنح الدولة في هذا التصور امتيازات تشغيل محددة لهذه الكيانات بما يسمح بإعادة توزيع العائدات بصورة أكثر عدالة، بحيث تُعاد هيكلة تدفقات الأرباح نحو صناديق تعاونية تضمن الرعاية الصحية والسكن والتعليم، وتفتح المجال أمام العامل ليكون شريكاً في القرار الاقتصادي ومالكاً لوسائل إنتاجه بعيداً عن جيوب الوسطاء.
النسيان ليس حياداً، بل هو امتداد آخر للعنف. لذلك فإن شهداء مارس 1965م وشهداء جودة يستحقون تخليداً مؤسسياً حقيقياً عبر نصب تذكارية شامخة عند مداخل مدن الإنتاج تذكّر كل عابر بعظمة الذين سقطوا دفاعاً عن كرامة العمل، ونصب كونية في الميادين الكبرى تحول المساحات العامة إلى فضاءات للذاكرة الحية، ومتحف وطني يوثق نضال العامل والمنتج السوداني ضد الظلم التاريخي.
غير أن الذاكرة مهما كانت عادلة تظل ناقصة ما لم تتحول إلى قوة تدفع نحو إعادة بناء العلاقة بين الدولة ومنتجيها الحقيقيين. هذه بذور لرؤى تهدف إلى فتح آفاق التفكير أمام المختصين والباحثين لصياغة واقع جديد يسترد فيه العمال مكانتهم داخل بنية الاقتصاد والدولة بوصفهم شركاء في الثروة والقرار، لا أدوات إنتاج قابلة للاستبدال. وما لم يُعَد الاعتراف بمنتجي التاريخ داخل بنية الدولة سيظل النسيان امتداداً للعنف لا مجرد غياب للذاكرة. شهداء الثامن عشر من مارس سقطوا ليكون العامل السوداني السيد في أرضه والمالك لقراره وصانع مستقبله المشرق.
“الرحمة للشهداء والسيادة لمن يصنعون الحياة بسواعدهم.”