تليين المواقف أو فقدان الوطن: فاتورة التنازلات المستحقة

تليين المواقف أو فقدان الوطن: فاتورة التنازلات المستحقة

 

لواء شرطة د.عصام الدين عباس أحمد

مستشار نظم وتكنولوجيا تحليل البيانات

 

لم يعد تعثّر الحل في الأزمة السودانية ناتجاً فقط عن تعقيدات المشهد العسكري أو تشابكاته الإقليمية، بل بات – في جوهره – تعبيراً عن أزمة عقل سياسي تمترست أطرافه الرئيسة خلف مواقف صفرية جامدة، ترفض المراجعة، وتتعامل مع الصراع بوصفه معركة كسر عظم، وليس كمسار وطني لإنقاذ الدولة. هذه المواقف، مهما بدت مبدئية أو أخلاقية، في نظر أصحابها، لم تعد صالحة لمواكبة تطور الصراع، ولا لحماية ما تبقى من الوطن.

لقد أثبتت التجربة أن المنطق الصفري لا يقود إلى الحل، بل إلى إطالة أمد الزمة، وتعأميق الانقسام المجتمعي، وتآكل الدولة نفسها. ومن هنا، فإن أي أفق واقعي للخروج من المأزق السوداني لا يمكن أن يكون نتاج انتصار كامل لطرف واحد، بل ثمرة تسوية وطنية قد تكون مؤلمة ولكنها ضرورية، تقوم على تنازلات متبادلة، محسوبة، ومسؤولة.

يناقش هذا المقال ضرورة تلك التنازلات، من خلال أربعة فاعلين محوريين في الأزمة: الجيش، الدعم السريع، القوى المدنية، والإسلاميين، انطلاقاً من فرضية أساسية مفادها أن إنقاذ السودان يقتضي التحلل من اليقينيات الصلبة، والتوقف عن التشبث بالمواقف الصفرية.

 

أولًا: الجيش السوداني

يقدّم الجيش نفسه بوصفه العمود الفقري للدولة، ويتمسك بخطاب يربط إنهاء الحرب بالحسم العسكري، أو بخضوع الدعم السريع الكامل لسلطته قبل أي تسوية سياسية. ويؤكد على أولوية الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية، ورفض أي مسار إصلاحي يُنظر إليه باعتباره استهدافاً للجيش أو تفكيكاً له، كما يشدد على ضرورة تحصين المؤسسة من المساءلة، ورفض أي ترتيبات انتقالية تُضعف موقعها السياسي والأمني والاقتصادي.

موقف الجيش الحالي هو العداء المطلق للدعم السريع، وقد توسّع هذا العداء ليشمل حلفاء الدعم السريع المدنيين، وعلى رأسهم تحالف “تأسيس”. وفي السياق نفسه، يروّج حلفاء الجيش من الإسلاميين وبعض الموقعين على اتفاقية جوبا للسلام لخطاب يصنّف القوى المدنية الرافضة للحرب، خاصة تحالف “صمود”، بوصفها جناحاً سياسياً للدعم السريع فقط لأجل الحيلولة دون أدنى تقارب في المستقبل.

ليتحرك قطار السلام خطوة إلى الأمام لابد أن يقدم الجيش كثيراً من التنازلات. التنازل لا يعني – بأي حال – تبرئة مرتكبي الجرائم والانتهاكات، ولا القفز فوق حق الضحايا في العدالة، بل يتمثل في كبح عاطفة الكراهية، والانتقال إلى توافق وطني حول استراتيجية إصلاح أمني وعسكري شاملة بمشاركة الكل وإسناد دولي، تستهدف بناء جيش قومي واحد، وتستوعب من يصلح من الدعم السريع ضمنه وفق معايير مهنية صارمة واستهداءً بتجارب دولية مختبرة في سياق ما بعد النزاعات.

وتزامناً مع ذلك، فإن الجيش مطلوب منه التخلي عن وهم الوصاية السياسية، والقبول الصريح بالانسحاب الكامل من المجال السياسي لصالح إعادة تأسيس دوره المهني كقوة وطنية خاضعة لسلطة مدنية ديمقراطية.

من القضايا التي ينبغي أن يقدم فيها الجيش تنازلات واضحة هي قضية الاقتصاد الموازي. ليس مرفوضاً أن تكون للقوات المسلحة أنشطة تطويرية مثل الصناعات العسكرية والتكنولوجيا القتالية بما يضمن تحديث قدرات الجيش، ولكن تحت إشراف مدني يُخضِع الميزانية والأنشطة للرقابة دون تعريض سرية العمل العسكري للانتهاك، وأن تُحمَى هذه السرية بإطار قانوني صارم.

من الضروري أن يلتزم الجيش بمسار عدالة انتقالية غير انتقامية تقوم على المساءلة الفردية، لا الإدانة المؤسسية، وفك الارتباط مع التحالفات الأيديولوجية، خاصة العلاقة الرمادية مع الإسلاميين التي أضعفت مهنيته وأفقدته ثقة قطاعات واسعة من المجتمع.

هذه التنازلات تتأسس على منطق الحفاظ على المؤسسة، لا على السلطة. فالتنازلات التي أوردناها تشكل الطريق العقلاني لتجنُّب التفكك الداخلي والانقسامات الجهوية وفقدان ما تبقى من الشرعية الوطنية. كما أن وجود ضمانات دستورية واضحة تحمي وحدة الجيش ومهنيته، إلى جانب استعادة الاعتراف الإقليمي والدولي والدعم الفني لإعادة البناء والتحديث، جميعها تقف كمحفزات تدفع المؤسسة العسكرية إلى التعاطي الإيجابي مع هذه التنازلات.

 

ثانيًا: الدعم السريع

يطرح الدعم السريع نفسه بوصفه طرفاً يطالب بإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، مستند إلى خطاب يركز على المطالبة بـ”جيش وطني واحد” عبر إصلاح أمني جذري لا يعيد إنتاج موازين القوة القديمة. كما يتمسك بدوره كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية، ويطالب بضمانات قانونية وسياسية ودولية لعملية الدمج، وبترتيبات انتقالية تعترف بواقع القوة القائم وتمنحها موقعاً تفاوضياً مكافئاً لبقية الأطراف.

ابتداءً لابد أن يقر ويعترف الدعم السريع بأنه قوة عسكرية لا تمثل الجيش الشرعي للبلاد، وأن التشريع الذي أجازته الإنقاذ في العام 2017 ما هو إلا مسعى منها ومحاولة للالتفاف على التساؤلات الدولية التي أطلت برأسها عقب الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها قوات الجنجويد. هذا الإقرار قطعاً لن ينفي حقيقة وجودهم كأمر واقع يسيطرون على مساحات واسعة من الدولة، ولكنه ينفي أحقيتهم في المطالبة بالاعتراف بهم كقوة شرعية تعادل الجيش القومي.

من الأخلاقي والضروري إقرار الدعم السريع بالانتهاكات والقبول بالمساءلة في إطار عدالة انتقالية شاملة. ولأجل استعادة الدولة لولايتها القانونية على الاقتصاد ينبغي أن يتخلى الدعم السريع عن إمبراطوريته الاقتصادية المستقلة – خاصة السيطرة على الذهب وتجارة الحدود – والتوقف عن تكوين حكومة موازية في مناطق سيطرته.

المحفز الرئيس لقبول الدعم السريع تقديم هذه التنازلات يتمثل في مخاطبة سرديات المظالم التاريخية والهيمنة السياسية والوصول لرؤى توافقية حولها، بالذات الجذور الأساسية للصراع والمتمثلة في أزمة الحكم، والهوية، والتنمية الاقتصادية. من المحفزات أيضاً الإقدام نحو خطوات جادة لتفكيك وجود الإسلاميين في الجيش من خلال مشروع إصلاح شامل، بما يضمن الوصول لسياسات إدماج وتسريح مرضية وعادلة، وتوفير بدائل اقتصادية للأفراد المسرَّحين من خلال مشروعات التعويضات وإعادة الادماج الاجتماعي.

 

ثالثًا: القوى المدنية

في المقابل، لا تُعفى القوى المدنية من مسؤولية المراجعة. فهي مطالبة بالتخلي عن مقارباتها الصفرية تجاه الجيش، خاصة في ملف الإصلاح الأمني والعسكري. ويأتي في مقدمة ذلك إسقاط مفردة “تفكيك الجيش” من خطابها السياسي، لصالح التوافق على منظومة إصلاح تهدف إلى بناء جيش قومي مهني، بمشاركة فعلية من المؤسسة العسكرية نفسها، وبإسناد دولي. أما المشروعات الاقتصادية التابعة للجيش، فيجب تناولها ضمن إطار عملي متوازن يحقق هدفين متكاملين: الحفاظ على القدرات الصناعية والتطويرية للمؤسسة العسكرية، وتمكين السلطة المدنية من الإشراف المالي والاقتصادي.

التنازل الجوهري المطلوب من القوى المدنية هو التخلي عن النقاء الثوري الإقصائي، والقبول بالشركاء، والانتقال من خطاب المبادئ المثالية اللاواقعية إلى الواقعية السياسية المسؤولة. ويشمل ذلك الاعتراف بالفشل والانقسام، وإجراء مراجعة نقدية صادقة لتجربة ما بعد الثورة. كما يتطلب تقديم مشروع سياسي متكامل يتجاوز الشعارات إلى رؤية واضحة للدولة والاقتصاد والأمن.

تجد القوى المدنية نفسها، أكثر من أي وقت مضى، أمام حوافز موضوعية تدفعها نحو تقديم تنازلات محسوبة لصالح مشروع السلام. إذ بات واضحاً أن استمرار الانقسام والتمسك بالمواقف الصفرية لا يهددان فرص الانتقال الديمقراطي فحسب، بل يفتحان الباب أمام تجاوزها سياسياً لصالح صفقات عسكرية تُصاغ خارج إرادة المجتمع.

كما أن إنهاك الشارع، وتراجع الثقة الشعبية في قدرة القوى المدنية على تقديم بديل قابل للحكم، يشكلان ضغطاً أخلاقياً وسياسياً لإعادة التموضع من موقع الخطاب إلى موقع الفعل. يضاف إلى ذلك أن الدعم الدولي والإقليمي لإعادة الإعمار، واستئناف المسار الانتقالي، بات مشروطاً بوجود جبهة مدنية متقاربة وقادرة على إدارة الملفات المعقدة، بما في ذلك الإصلاح الأمني والعسكري. وفي هذا السياق، يصبح التنازل الذكي أداة لاستعادة المبادرة والقيادة، ووسيلة لحماية الدور المدني في صياغة مستقبل السودان، بدل تركه لمعادلات عسكرية.

 

رابعًا: الإسلاميون المتطرفون

يتمسك الإسلاميون بخطاب إقصائي يرى الأزمة السودانية من زاوية استعادة السلطة، وليس إعادة بناء الدولة، ويختزل الصراع في ثنائية “نحن، أو فَلْتُرَقْ كل الدماء”، بما يبرر في نظرهم التحالف مع السلاح والانقلاب على المسارات المدنية متى ما هددت مصالحهم السياسية. يقوم هذا الخطاب على إنكار المسؤولية التاريخية عن تفكيك مؤسسات الدولة، وتسييس الجيش والأجهزة الأمنية، ورفض أي مسار عدالة انتقالية حقيقي باعتباره استهدافاً سياسياً. كما يتجسد الموقف في رفض التنازل أو المراجعة، والتعامل مع التسوية بوصفها هزيمة، وهو ما يجعل الإسلاميين أحد أبرز معوقات الانتقال نحو الدولة المدنية.

التنازل الجوهري المطلوب من الإسلاميين يتمثل في الاعتراف الصريح بانتهاء مشروع السيطرة على الدولة باسم الدين، وتحمل المسؤولية التاريخية عن تفكيك مؤسسات الدولة. ويقتضي ذلك إخضاع تجربتهم في الحكم لمراجعات حقيقية وعلنية، والإقرار بالجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق المجتمع والدولة، والابتعاد الذاتي أو الإبعاد القسري عن المشهد السياسي لفترة انتقالية كافية تتيح إعادة بناء الثقة الوطنية، إلى جانب القبول باسترداد الأموال العامة المنهوبة باعتبارها شرطاً أخلاقياً وسياسياً لأي مصالحة ذات مصداقية.

 

خاتمة: التنازلات ليست هزيمة.. بل انتصار للوطن

إن التمسك بالمواقف الصفرية قد يمنح شعوراً زائفاً بالتميز السياسي، لكنه في الواقع يطيل الحرب، ويضاعف المعاناة، ويقود إلى تآكل الدولة. وحدها التنازلات المتبادلة، المؤلمة ولكن الواعية، يمكن أن تفتح باب الخروج من هذا النفق المظلم.

فلا وطن بلا جيش،

ولا جيش بلا دولة،

ولا دولة بلا مدنية،

ولا مستقبل للسودان من دون شجاعة الاعتراف، والاستعداد للتنازل، لأجل خاطر الوطن.

أختم بقول المقنع الكندي:

وَإِن الَّذي بَيني وَبَين بَني أَبي

وَبَينَ بَني عَمّي لَمُختَلِفُ جِدّا

أَراهُم إِلى نَصري بِطاءً وَإِن هُمُ

دَعَوني إِلى نَصرٍ أَتيتُهُم شَدّا

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *