أطفال الحرب المجهولون…
أزمة فاقدي السند في السودان بين ويلات الاغتصاب وصمت المجتمع
شيماء تاج السر، المحامية

في زوايا المستشفيات المزدحمة، أو على عتبات دور الأيتام، بل وأحياناً في حاويات القمامة والأراضي الخالية يعثر المارة على صرخات حياة جديدة لم يُكتب لها أن تعرف دفء عائلة أو هوية أو اسماً. إنهم أطفال الحرب، ثمرة علاقات غير شرعية ناتجة عن الاغتصاب الذي يُستخدم كسلاح حرب في النزاعات المسلحة في السودان، في خضم الحرب الدائرة فيه منذ 15 أبريل 2023 .لا تختصر المأساة على أعداد القتلى والنازحين، بل تمتد لتطال فئة جديدة من الضحايا لم تكن في الحسبان؛ أطفال فاقدو السند، الذين ولدوا نتيجة جرائم اغتصاب ارتكبتها قوات متقاتلة ضد النساء والفتيات. هؤلاء الأطفال الذين أتوا إلى الحياة نتيجة أبشع الجرائم يواجهون الآن مصيراً مجهولاً في بلد تمزقه الحرب ويعاني من انهيار شبه كامل للمؤسسات الخدمية والرعائية.
الاغتصاب كسلاح.. حرب الخلفية الإنسانية للمأساة
منذ الأيام الأولى للحرب تحول الاغتصاب إلى سلاح حرب ممنهج تستخدمه الأطراف المتقاتلة، خاصة في العاصمة الخرطوم وإقليم دارفور وولاية الجزيرة. توثيقات منظمات المجتمع المدني، مثل شبكة (صيحة) ومبادرة (معاً ضد الاغتصاب)، تشير إلى وقوع مئات حالات الاغتصاب والاغتصاب الجماعي، مع تأكيد هذه المنظمات أن الأرقام الموثقة لا تمثل سوى جزء ضئيل من الجرائم الفعلية التي قد تصل نسبتها إلى 2% فقط من إجمالي الانتهاكات.
عندما يتحول جسد المرأة إلى ساحة معركة ويستخدم عرضها كغنيمة حرب فإن الجريمة لا تتوقف عند حدود اللحظة التي يحدث فيها الاغتصاب في مناطق النزاع، فهو ليس مجرد انتهاك جسدي عابر، بل جريمة تمتد آثارها لسنوات، وتتجسد في أطفال يُولدون نتيجة لهذه الجرائم. في الخرطوم وولاية الجزيرة وإقليم دارفور جبال النوبة، ومناطق أخرى من السودان التي شهدت نزاعات مسلحة، وثقت تقارير حقوقية محلية ودولية حالات لا حصر لها من الاغتصاب التي تتعرض لها النساء والفتيات على يد مسلحين من مختلف الأطراف.
العنف الجنسي خلال النزاع القائم أصبح فعلاً إجرامياً منهجياً، وطال النساء من جميع الأعمار بدءاً من الطفلات بعمر 6 سنوات، وصولاً إلى النساء في السبعين. الاعتداءات كانت تحدث في المعتقلات وداخل المنازل وأحياناً في الشارع، حيث كان الجنود يقتحمون المنازل ويأخذون الفتيات تحت سمع ونظر أسرهن.
الحمل القسري بين صدمة الاغتصاب ومعاناة الإنجاب
تمثل حالات الحمل القسري إحدى أكثر النتائج المأساوية لجرائم الاغتصاب. وثق تقرير صادر عن شبكة نساء القرن الأفريقي (صيحة) 14 حالة حمل غير مرغوب فيه، من أصل 244 حالة اغتصاب تم رصدها، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بالأرقام الحقيقية بسبب صعوبة الوصول إلى الضحايا في ظل انقطاع الاتصالات وخطورة طرق السفر.
هؤلاء الأطفال الذين يولدون نتيجة الاغتصاب يحملون في وجوههم مأساة مضاعفة. فهم من ناحية أبناء لضحايا اعتداء، ومن ناحية أخرى يحملون ملامح الجلادين. تواجه الأمهات المعنَّفات معضلة أخلاقية ونفسية هائلة: كيف تنظر إلى طفل يحمل جينات من اغتصبها؟ كيف تربي طفلاً يذكِّرها كل يوم بلحظة الانتهاك الأقسى في حياتها؟.
تقول إحدى الناجيات (تبلغ 19 عاماً)، في شهادة موثقة: “اكتشفت أنني حامل في الشهر الرابع بعد أن نزحت مرتين. أنا الآن في الشهر السابع، وآمل أن تسير الأمور على ما يرام، لكنني لا أعرف ما سيحدث في المستقبل”. وفي شهادة أخرى لامرأة اغتصبها خمسة من مسلحي الدعم السريع في الجنينة بسبب المضاعفات: “اضطررت للذهاب إلى المستشفى وإجراء إجهاض، والحمد لله أنني أفضل الآن”.
عقبات الإجهاض.. خوف ووصمة وغياب للرعاية
تواجه النساء والفتيات اللواتي حملن نتيجة الاغتصاب معضلة أخلاقية ونفسية وصحية معقدة. فمن ناحية يحمل الجنين ذكرى الجريمة وصدمتها، ومن ناحية أخرى يشكِّل الإجهاض في السياق السوداني تحدياً كبيراً. فوفقاً للقانون الجنائي السوداني 1999 المعدل عام 2015 يُسمح بالإجهاض في حالات الاغتصاب خلال أول 90 يوماً من الحمل، لكن الواقع على الأرض مختلف تماماً.
تكشف التقارير الميدانية عن أسباب متعددة تمنع النساء من الإجهاض في الوقت المناسب، أولها الخوف من التصريح بتعرضهن للاغتصاب، وما يتبعه من وصمة اجتماعية تلاحق الناجية وأسرتها. ثانيها الخوف من عملية الإجهاض نفسها في ظل غياب الرعاية الصحية الآمنة. ثالثها عدم توفر المساعدة الطبية، خاصة في الولايات الآمنة التي تفتقر للمرافق الصحية المجهزة للتعامل مع ضحايا العنف الجنسي. ورابعها وصول بعض النساء إلى مراحل متقدمة من الحمل قبل أن يتمكَّنّ من الوصول إلى الرعاية الصحية بسبب ظروف النزوح وانقطاع الطرق.
وتؤكد شبكة (صيحة) أن 7 حالات انتحار موثقة نتيجة الحمل غير المرغوب فيه حدثت في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار، مما يعكس حجم المأساة النفسية التي تعيشها هؤلاء النساء.

أطفال فاقدو السند.. ضحايا الصمت المجتمعي
مع استمرار الحمل حتى الولادة يظهر جيل جديد من الأطفال فاقدي السند مجهولي الأبوين، الذين يعانون من رفض المجتمع والمؤسسات. بعض هؤلاء الأطفال يولدون في مراكز الإيواء أو في العراء أثناء النزوح وتتخلى عنهم أمهاتهم خوفاً من الفضيحة، أو لعدم القدرة على رعايتهم في ظل ظروف الحرب القاسية.
تلجأ الكثير من الأمهات إلى التخلي عن أطفالهن لأسباب متشابكة ومعقدة، أولها وأهمها الوصم الاجتماعي في مجتمع قبلي محافظ مثل المجتمع السوداني يعتبر إنجاب طفل خارج إطار الزواج وصمة عار لا تمحى، ليس فقط للأم بل لعائلتها وقبيلتها بأكملها. تواجه هؤلاء النساء تهديداً حقيقياً بالقتل على يد أسرهن غسلاً للعار أو بالنبذ والطرد من المجتمع.
تعاني الأمهات من صدمة نفسية عميقة تمنعهن من تقبُّل هؤلاء الأطفال والارتباط بهم. كثيرات ينظرن إلى الطفل على أنه ابن المغتصِب وليس ابنهن، فيفضلن التخلص منه لمحاولة طي صفحة الجريمة نهائياً، ظناً منهن أن ذلك سيساعدهن على تجاوز المحنة.
تعيش الغالبية العظمى من ضحايا الاغتصاب في النزاعات المسلحة في فقر مدقع، وغالباً ما يتم تدمير قراهن ويقتل أزواجهن أو أفراد أسرهن، فتجد المرأة نفسها وحيدة لا عائل لها ولا مصدر رزق فكيف لها أن تربي طفلاً في هذه الظروف؟.
الإطار القانوني بين التجريم والحماية
من الناحية القانونية الدولية يعتبر الاغتصاب في أوقات النزاع جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية. وقد أكدت تقارير أممية متعددة ارتكاب أطراف النزاع في السودان لانتهاكات جسيمة بحق المدنيين خاصة النساء والأطفال. القانون الدولي الإنساني، وتحديداً اتفاقيات جنيف، يعتبر الاغتصاب في زمن الحرب جريمة حرب، بل وقد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية أو جريمة إبادة جماعية إذا توفرت النية.
على المستوى المحلي يسمح القانون السوداني بالإجهاض في حالات الاغتصاب خلال الـ90 يوماً الأولى من الحمل. لكن العقبات العملية تحول دون تطبيق هذا النص القانوني، كما أن الأطفال فاقدي السند يعانون من غياب الحماية القانونية، حيث يواجهون صعوبات في الحصول على أوراق ثبوتية مما يحرمهم من الحق في التعليم والرعاية الصحية لاحقاً.
في السودان كانت القوانين الجنائية تستند في جوانب منها إلى الشريعة الإسلامية، حيث تعتبر العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج جريمة زنا، وبالتالي فإن الطفل الذي يولد نتيجة اغتصاب قد يواجه مصيراً قانونياً معقداً. من الناحية النظرية لا ذنب للطفل، وهو بريء من الظروف التي أتى بها، لكن من الناحية العملية غالباً لا يحصل هؤلاء الأطفال على وثائق ثبوتية رسمية. كيف يمكن تسجيل طفل لا تعرف أمه، أو ترفض الاعتراف به، أو هربت تاركة إياه؟. غياب شهادة الميلاد يحرم هؤلاء الأطفال من أبسط الحقوق: الحق في الهوية، الحق في التعليم، الحق في الرعاية الصحية، وحق الانتساب إلى وطن.
إن أبرز ما يشغل بال الأمهات البديلات الآن هو حصول الأطفال على أوراقهم الثبوتية واستخراج أوراق أخرى بدلاً منها، بعد أن فقدوا كل شيء جراء نزوحهم من منطقة إلى أخرى.
المعضلة الإنسانية.. رعاية أطفال بلا هوية
تواجه المنظمات الإنسانية ودور الرعاية في السودان تحديات جمة في التعامل مع هذه الظاهرة. دور الأيتام السودانية خاصة في مناطق النزاع مثل الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان والنيل الأزرق تعاني من نقص حاد في التمويل والكوادر المؤهلة، يصل إليها أطفال في أغلب الأحيان يعانون من سوء التغذية والأمراض، ويحتاجون إلى رعاية نفسية متخصصة بسبب صدمة التخلي عنهم، بالإضافة إلى الرعاية الصحية الأساسية.
لكن التحدي الأكبر هو مستقبل هؤلاء الأطفال عندما يكبرون. يكتشفون أنهم بلا هوية، بلا عائلة، بلا انتماء، وغالباً ما يواجهون نفس الوصم الاجتماعي الذي واجهته أمهاتهم، فيتحولون إلى مهمشين داخل مجتمع مهمش أصلاً. الفتيات منهن معرَّضات لخطر الاستغلال الجنسي مجدداً، والذكور معرضون لخطر التجنيد في الجماعات المسلحة التي قد تكون هي نفسها التي اغتصبت أمهاتهم.
تنقل التقارير الميدانية قصصاً مأساوية لا حصر لها في مخيمات النازحين بدارفور. تتحدث العاملات في مجال الصحة النفسية عن حالات لنساء حملن نتيجة اغتصاب خلال هجمات على قراهن. بعضهن حاولن إجهاض أنفسهن بطرق بدائية كادت تودي بهن. بعضهن أنجبن في الخفاء وتركن أطفالهن عند مساجد أو في الطرقات، وقليلات جداً من احتفظن بأطفالهن ليواجهن حياة من العذاب والنباح المجتمعي.
في تقرير لمنظمة أطباء بلا حدود العاملة في السودان ورد أن العديد من النساء يرفضن حتى الحديث عن تعرضهن للاغتصاب خشية الوصم، مما يعني أن آلاف الحالات لا يتم توثيقها أساساً ويبقى مصير هؤلاء الأطفال مجهولاً.

توصيات للإصلاح نحو حماية فاقدي السند
لمواجهة هذه الأزمة الإنسانية المتفاقمة يمكن تقديم مجموعة من التوصيات.
على المستوى العاجل والإغاثي: إنشاء مراكز إيواء آمنة للأطفال فاقدي السند في الولايات الآمنة مزودة بالرعاية الصحية والنفسية المتكاملة، وتوفير برامج دعم نفسي للأمهات الناجيات من الاغتصاب لمساعدتهن على تجاوز الصدمة، واتخاذ قرارات مناسبة بشأن أطفالهن، وتسهيل وصول المنظمات الإنسانية إلى المناطق المتضررة لتقديم الرعاية الطبية العاجلة خاصة بروتوكول الاغتصاب خلال 72 ساعة.
على المستوى القانوني والحماية: الضغط على الأطراف المتحاربة لفتح ممرات آمنة تسمح بخروج النساء والأطفال من مناطق النزاع، وتفعيل آليات التوثيق والمحاسبة لجرائم العنف الجنسي تمهيداً لمحاكمة دولية لمرتكبيها، والعمل على تعديل القوانين المتعلقة بالأطفال فاقدي السند لتسهيل حصولهم على أوراق ثبوتية تضمن حقوقهم، وتوفير آلية قانونية وإنسانية لمنح هؤلاء الأطفال هوية وحقوقاً وعدم معاقبتهم على جرائم لم يقترفوها.
على المستوى المجتمعي: إطلاق حملات توعية لمكافحة وصمة العار المرتبطة بالأطفال فاقدي السند والأمهات الناجيات، وتشجيع برامج الأسر الحاضنة كبديل آمن لدور الرعاية الجماعية، ودمج قضايا العنف الجنسي وحماية الأطفال في برامج بناء السلام والمصالحة الوطنية بعد انتهاء النزاع، وكسر حاجز الصمت المجتمعي ورفع الوصم عن الضحايا وأطفالهن.
مسؤولية جماعية
إن ظاهرة الأطفال فاقدي السند والمواليد الناتجين عن اغتصابات الحروب في السودان ليست مجرد قصة إنسانية عابرة، بل هي مرآة تعكس فشلاً جماعياً على عدة مستويات؛ فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين ومنع استخدام الاغتصاب كسلاح حرب، وفشل الدولة السودانية في توفير العدالة للضحايا وإنفاذ القانون، وفشل المجتمع في كسر جدار الصمت والخزي المحيط بضحايا الاغتصاب.
يقف أطفال الحرب فاقدو السند في السودان على حافة الهاوية. فبين جريمة الاغتصاب التي أوجدتهم، وصمت المجتمع الذي يرفضهم، وانهيار المؤسسات التي تتخلى عنهم، يبدو مستقبل هؤلاء الأطفال أكثر قتامة من واقع الحرب ذاتها، إنهم ضحايا بلا ذنب، يدفعون ثمن صراع لم يختاروه في بلد لم يعد قادراً على حمايتهم.
هؤلاء الأطفال هم جزء من نسيج السودان، وقد ولدوا هنا دون ذنب. إن لم نستطع منع الحروب ولا منع الاغتصاب فعلى الأقل يمكننا أن نضمن لأطفال الحرب المنسيين حقهم في الحياة الكريمة والهوية والانتماء. إنها أقل واجبات الإنسانية تجاههم. إن إنقاذ هؤلاء الأطفال ليس مجرد واجب إنساني، بل هو اختبار حقيقي لإنسانية المجتمع السوداني والمجتمع الدولي معاً.