السودان.. حين تصبح الحقيقة ساحة قتال

حرب بلا خرائط

السودان.. حين تصبح الحقيقة ساحة قتال

تقرير: خاص (ديسمبر)

 

في وقتٍ يحتفل فيه العالم بـ«اليوم العالمي لحرية الصحافة» تحت شعار بناء مستقبل يسوده السلام، تبدو المفارقة في السودان أكثر حدّة: فالمشكلة لم تعد في تقييد تدفق المعلومات، بل في طبيعتها. سرديات متنافسة، وحقائق متآكلة، وفضاء رقمي تحوّل إلى جزء من بنية الحرب نفسها. وتُظهر تقارير ميدانية حديثة أن التضليل وخطاب الكراهية لم يعودا هامشيين، بل عاملين يعيدان تشكيل الولاءات ويقوّضان التماسك الاجتماعي ويعقّدان أي مسار نحو السلام.

ومع إكمال (ديسمبر) عامها الأول، يطرح هذا التقرير سؤالاً يتجاوز دقة الأخبار إلى جوهر الصراع: كيف يمكن إنهاء حرب أو بناء مجتمع حين تصبح الحقيقة ساحة قتال وتغيب المرجعية المشتركة؟ في السودان، لم تعد المعلومة وصفاً للحرب، بل أداةً فيها، ضمن بيئة معلوماتية تحوّلت إلى ساحة مواجهة لا تقل ضراوة عن الميدان.

سيطرة دلالية

في السودان، لا يعني فقدان الأرض بالضرورة فقدان الموقع. منذ أبريل 2023، أدركت أطراف النزاع أن السيطرة على الخرائط فصل واحد، والأهم هو السيطرة على وصف الأحداث. يمكن تقديم الانسحاب كـ«إعادة تموضع تكتيكي»، وتصوير الجمود كـ«تقدم إستراتيجي». لم يعد المهم ما يحدث فحسب، بل من يحدد معناه.

هذا التحول جعل منصات مثل «فيسبوك» و«إكس» جبهة موازية لا تنقل الحرب فحسب، بل تُنتجها. تتدفق روايات متضاربة للحدث ذاته خلال دقائق، كل منها مُصمَّم لجمهور مستهدف، منها داخلي لحشد المشاعر وخارجي لاستجلاب الشرعية الدولية. وكما يوضح تحليل أستاذ الصحافة الأمريكي فيليب سيب لم تعد المعلومات تعكس الصراع فحسب، بل أصبحت شرطاً لاستمراره، فهي تُعيد توزيع المسؤولية والشرعية، وتُعيد تعريف مفهوم النصر ذاته. النتيجة ليست ارتباكاً عابراً، بل تفتتاً بنيوياً يغدو معه الاتفاق على «ما حدث» شرطاً مستحيلاً لـ«ما يجب أن يليه».

ثمة بُعد آخر لهذه السيطرة الدلالية، فالمعلومات تتدفق بصورة غير متكافئة تبعاً للغة. المحتوى بالعربية كثيراً ما يحمل سرديات مختلفة كلياً عن تلك المتداولة بالإنجليزية، ليخلق خطابين محلياً ودولياً متوازيين. تُصنَّع الشرعية الدولية سلعةً بالإنجليزية، فيما يُعاد رسم الولاءات المحلية بالعربية، ولا يلتقيان إلا نادراً.

في خطابه بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة يضيف المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك التوظيف القانوني لمفهوم «التضليل». فقوانين مكافحة التشهير والجرائم الإلكترونية والإرهاب باتت تُستخدم، وفق توثيق مكتبه، لحماية من هم في السلطة من الرقابة، فتتحول المحاكم إلى أدوات ترهيب. إذ لا تُقيّد الدولة الحقيقة بالقوة فحسب، بل تُعيد تعريف ما هو «تضليل» عبر القانون، وهو شكل أرقى وأخطر من السيطرة الدلالية.

 

اقتصاد سردي

كما للحرب اقتصاد مادي قائم على الموارد والممرات، لها اقتصاد معلوماتي قائم على الانتشار والتأثير. لا تُقاس قيمة السردية بدقتها، بل بقدرتها على التعبئة وتشويه الخصم. تعزز خوارزميات المنصات هذا المنطق تجارياً، فالمحتوى المُشحون بالغضب أو الخوف ينتشر أسرع من التقارير المتزنة، مما يحول البيئة الرقمية إلى سوق يكافئ التطرف على الحياد، ويُعمّق الانقسامات الاجتماعية بدلاً من معالجتها.

كشفت مؤسسة طومسون فاونديشن عن الحجم المنظم للسوق، إذ رُصد بين سبتمبر وأكتوبر 2025 وحدهما أكثر من 6300 منشور تلاعبـيٍّ استهدف نحو 890 مليون مستخدم. وتعمل كل منصة بآلية محددة في هذا السوق، فيضخّم «فيسبوك» الاستقطاب، ويوجّه «إكس» الخطاب السياسي عبر وسوم منسّقة، ويخلط «تيك توك» الترفيه بالتضليل الموجه للشباب، بينما يعمل «يوتيوب» كمستودع يُستنزف منه المحتوى لإعادة تدويره مجتزأً. 

في هذا السوق، المعلومة المبكرة تبيع أكثر من الصحيحة، والمؤثر الخارجي يشارك الفاعل المحلي في تشكيل المعنى، مما يحول الصراع إلى حرب مرجعيات دولية متنافسة على عقل المواطن السوداني. وتكشف آليات «غسيل السرديات» كيف يُضخَّم التضليل عبر منصات متعددة لخلق وَهمِ إجماع، مستعيناً بمقاطع من نزاعات خارجية. ويُعيد الذكاء الاصطناعي رسم حدود هذا السوق. فعقب سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر 2025، قدّر أحد المتابعين الميدانيين أن ما يقارب 90% من الصور ومقاطع الفيديو المتداولة في تلك الحقبة كانت مُولَّدة اصطناعياً لا حقيقية، مما أتاح للأطراف المسلحة إنكار الوقائع وتغبيش الأدلة في آنٍ واحد.

والأخطر من ذلك أن هذا الاقتصاد السردي يستهدف أصوات السلام تحديداً. يوثّق تقرير طومسون كيف تتعرض كل جهة أو فرد يدعو إلى الحوار أو يتبنى مواقف غير عنيفة لهجمات ممنهجة من حسابات آلية تصنّفه خائناً أو عميلاً، ما يجعل الاقتصاد المعلوماتي في السودان مُصمَّماً في جوهره لإطالة أمد الحرب لا لوصفها.

رقابة خوارزمية

لكن السوق لا يعمل بحريةٍ، بل يُصمَّم عبر من يملك أدوات الوصول والحصانة. تكشف تحقيقات ميدانية، منها عمل الصحفية أوما كاجينار حول سياسات «ميتا»، كيف تحوّل إدارة المحتوى إلى سلاح خفي. تقول كاجينار لـ(ديسمبر): “يواجه الصحفيون السودانيون ووسائل الإعلام المستقلة حذفاً عشوائياً، وتعليق حسابات، وتقليص وصول، غالباً دون مبررات واضحة أو آليات استئناف فعّالة. وتخلط الخوارزميات بين التغطية الصحفية والدعاية، بينما تستغل أطراف النزاع أنظمة التبليغ لإسكات الأصوات المعارضة”.

النتيجة إجبارية وتحويلية، فيضطر الصحفيون لتعديل لغتهم، وتجنب مصطلحات محددة، أو الانتقال لقنوات أكثر هشاشة، أحياناً على حساب الدقة في توثيق الانتهاكات أو تحديد الجهة المسؤولة. المعلومة الأهم تصير الأصعب نشراً. في المقابل، تتمتع الجهات المدعومة بامتيازات الرقابة الذاتية المؤسسية، والترويج المدفوع، وشبكات الذباب الإلكتروني. وهو ما يهدم المرجعية المهنية عماد الثقة العامة، ليحل محلها فراغ تملؤه السرديات الممولة والخوارزميات.

تُترجم الأرقام هذا الواقع بقسوة لا تحتمل التأويل، فقد قتل 34 صحفياً منذ اندلاع الحرب بحسب نقابة الصحفيين السودانيين، من بينهم 5 صحفيات. وبلغ إجمالي الانتهاكات الموثقة ضد الصحفيين والعاملين في الإعلام 680 انتهاكاً، شملت القتل والاعتقال والتشريد والإخفاء القسري والاعتداء الجسدي ومصادرة المعدات والاستهداف المباشر للمؤسسات. وبحسب النقابة فقد نحو 80% من الصحفيين وظائفهم، ما أفضى إلى فراغ مهني ملأته وسائل التواصل الاجتماعي بمحتواها غير المدقق، وهو ما حقق بشكل مثالي عملية السيطرة على إنتاج وتوزيع المعلومات.

ولا تعمل الرقابة في فراغ، بل في بيئة يعصف فيها إفلات من العقاب. وترصد اليونسكو لعام 2026 أن نسبة الإفلات من العقاب على هذه الجرائم تبلغ 85% على المستوى العالمي، وأن معدلات الرقابة الذاتية ارتفعت بنسبة 63% منذ 2012. يعمل الصحفي الناجي لا بحرية، بل تحت وطأة الخوف.

تُضاف إلى الرقابة الخوارزمية رقابةٌ بنيوية من نوع آخر، وهي انقطاع الاتصالات. منذ فبراير 2024، سيطرت قوات الدعم السريع على مزودي الإنترنت في الخرطوم مُفتعلةً انقطاعاً شاملاً في أرجاء البلاد، ثم فرضت الحكومة قيوداً على مكالمات واتساب منذ يوليو 2025. فأدى ذلك إلى تضخّم المحتوى المضلل في الفضاء الذي لا يزال متاحاً، كـ«فيسبوك لايت» على شبكات محدودة، فيما تعثّر توثيق الانتهاكات وتعطّل التواصل الإنساني.

 

عنف رقمي

الأخطر من تشويش الحقيقة هو توظيفها كمهدّئ للدم. وثّق تقرير طومسون حالات تُظهر بدقة مرعبة كيف يسبق التلاعب المعلوماتي العنف ويُهيئ له، مما يحول الحرب المعلوماتية من أداة دعائية إلى سلاح هجين ذي عواقب ملموسة على النسيج المجتمعي. في «الحلفايا»، سبقت حملة خطاب كراهية أسبوعية دخول القوات، وأعقبتها عمليات إعدام جماعي.

وفي «الجنينة»، استهدف تضليل ممنهج مجتمع المساليت قبل مجازر أودت بحياة الآلاف. وفي «الجزيرة»، وُسم السكان محلياً بـ«المتعاونين» في الفضاء الرقمي قبل وقوع الانتهاكات ضدهم.

هذا النمط لا يواكب العنف فحسب، بل يُشرّعه اجتماعياً. يشير تقرير أممي حول خطاب الكراهية إلى أن نزع الإنسانية عن فئات معينة عبر السرديات الرقمية يخلق بيئة خصبة للعنف الجماعي، وهو ما تحذر تجارب تاريخية من تكراره. في السودان، يتآكل تدريجياً الفاصل بين الهدف العسكري والهوية المدنية، مما يحوّل الجوار أو الانتماء أو حتى موقع السكن إلى تهديد أمني في العقل الجمعي الرقمي. وهنا بالضبط يتجلى أعمق تآكل للتماسك الاجتماعي، إذ لم يعد الخصم سياسياً أو عسكرياً فحسب، بل أصبح وجوده نفسه «تهديداً» يُبرّر إقصاءه أو محوه في الوعي العام.

فراغ مؤسسي

في الأنظمة المستقرة، توجد مؤسسات وقنوات تحقق رسمية يمكنها، نظرياً، حسم الجدل حول الوقائع. في السودان، غابت هذه المراسي. المؤسسات الرسمية إما مُعطّلة أو محل نزاع، وآليات التحقق المستقلة محدودة، ولا تمتلك أي جهة ما يكفي من الثقة الاجتماعية لفرض رواية موثوقة. النتيجة هي تعدد الحقائق دون حسم، مما يجبر الجمهور على أن يصبح شريكاً في إنتاج الواقع، فيختار ما يصدّق، ويعيد التفسير، ويُضخّم ما يتوافق مع هويته أو مخاوفه.

الفائض المعلوماتي لا ينتج معرفة هنا، بل يقيناً زائفاً متضارباً. كل طرف يعيش في غرفة صدى رقمية يظنها الواقع الكلي، غير مدرك أن روايته مُنتجة في سوق مشوّه يعطي الأولوية للانتشار على الصحة، والمبكر على الموثوق. لذلك فإن قيمة المعلومة لا تكمن في توفرها، بل في القدرة على تحليلها وتفسيرها وسط الفوضى. في السودان، تتآكل هذه القدرة يومياً، والفجوة تتسع بين البيانات والمعرفة، وبين المعرفة والفهم المشترك. وحين تنهار المرجعية، تتحول كل حقيقة إلى رأي، وكل رأي إلى هوية، وكل هوية إلى خط أحمر لا يُناقش.

تؤكد نقابة الصحفيين أن هذا الفراغ المؤسسي ليس حادثةً عارضة بل نتيجةً لاستهداف ممنهج، مؤكدةً أنه “لم تدمّر الحرب البنية التحتية فحسب، بل استهدفت المجال العام وحرية التعبير”. وتُحذّر النقابة من أن أي مسار للحوار أو الانتقال الديمقراطي لن ينجح دون ضمان استقلالية الإعلام ووضعه في قلب العملية، لا هامشها.

ولا تملأ الصحافة البديلة هذا الفراغ فحسب، بل يملؤه «تحالف غير مقدس» بين قوى سياسية وإعلامية، يضرب الديمقراطية ويُعمّق الاستقطاب. شركات التكنولوجيا في نظر فولكر تورك ليست أدوات محايدة، بل أطراف مسؤولة مطلوب منها اتخاذ “إجراءات ملموسة لمكافحة الإساءة والتضليل”.

سلام مستحيل

إنهاء الحرب في السودان لا يبدأ بوقف إطلاق النار وحده، بل بحدّ أدنى من الاتفاق على ما جرى، ومن المسؤول عنه. غير أن اقتصاد المعلومات القائم يعمل في الاتجاه المعاكس، فهو يكافئ التجييش على حساب التوازن، والسرعة على الدقة، والانقسام على التماسك. وهكذا، من يفرض سرديته لا يكتفي بوصف الواقع، بل يعيد تشكيله، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. وبينما ينشغل العالم بالهدن والمساعدات، تستمر معركة أعمق بصمت، وهي معركة المعنى. لم يعد السؤال من ينتصر عسكرياً، بل ما إذا كان يمكن إنقاذ حقيقة مشتركة، أو حتى مساحة للحوار، تتيح إنهاء الحرب وإعادة بناء ما تهدّم. لهذا، لا تبدو دعوات حماية الصحفيين، وإنهاء الإفلات من العقاب، ودعم الإعلام المستقل، مطالب مهنية فحسب، بل شروطاً أولية لأي سلام ممكن. فالحرب على الأرض قد تتوقف، لكن الحرب على الحقيقة إن تُركت بلا مواجهة، ستعيد إنتاج الصراع بأشكال أخرى. السودان هنا ليس استثناءً، بل إنذاراً مبكراً. ففي عالم يكافئ التضليل، تتحول الحروب إلى صراعات على الإدراك قبل أن تكون صراعات على الأرض.  وفي حرب بلا خرائط، قد لا تكون الخسارة الأكبر فقدان الأرض، بل فقدان القدرة على الاتفاق على ما حدث أصلاً. هنا فقط يتحدد إن كان السلام ممكناً، أو مجرد هدنة مؤقتة فوق واقع لم يُفهم بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *