حقوق المعلمين في السودان… قضية وطن لا قضية فئة

صفاء الزين

لا تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من ثروات طبيعية أو ترسانات عسكرية، وإنما بقدرتها على بناء الإنسان وصون كرامته، فالإنسان هو أساس التنمية وغايتها، والتعليم هو الأداة التي تصوغ وعيه، وتؤهله للمشاركة في بناء وطنه. وفي قلب هذه العملية تـ/يقف المعلم/ـة، صانعًا للعقول، وحارسًا للمعرفة، وشريكًا في تشكيل قيم المجتمع ورسم ملامح مستقبله، ولهذا، فإن أي انتقاص من حقوق المعلمين/ـات يمتد أثره إلى أحد أهم مقومات الدولة الحديثة.

 

وفي بلادنا، حيث ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على مختلف القطاعات، أصبح التعليم من أكثر المجالات تضررًا، وأضحى المعلم من أكثر الفئات التي دفعت ثمن الصراع، فقد أصابت الحرب المدارس والمرافق التعليمية، وزعزعت الاستقرار المهني والاجتماعي للمعلمين، ودفعت الآلاف منهم إلى النزوح أو مغادرة المهنة، بينما واصل آخرون أداء رسالتهم في ظروف بالغة القسوة، وسط انقطاع الرواتب، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الخدمات الأساسية، وانعدام الأمن في مساحات واسعة من البلاد.

 

ورغم أن التعليم يُعد حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان، فإن هذا الحق يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكرامة من يحمل رسالته، فمن العسير الحديث عن جودة التعليم في بيئة يعجز فيها المعلم عن توفير احتياجات أسرته، كما يصعب الحديث عن تطوير المناهج أو تحسين المخرجات التعليمية في ظل بيئة عمل تفتقر إلى الأمان والاستقرار، ومن هنا تجاوزت قضية المعلمين حدود المطالب النقابية المتعلقة بالأجور والامتيازات، وأصبحت قضية وطنية تتصل بمستقبل الدولة السودانية وقدرتها على النهوض من آثار الحرب.

 

لقد أثبتت تجارب الدول التي خرجت من النزاعات أن إعادة بناء المجتمعات تبدأ من المدرسة قبل أي مؤسسة أخرى. فالمدرسة ليست فضاءً لتلقي المعرفة فحسب، وإنما تمثِّل بيئة لإعادة ترميم الثقة، وتعزيز قيم المواطنة، ومواجهة خطاب الكراهية والانقسام الذي تخلفه الحروب. غير أن هذا الدور يفقد كثيرًا من فاعليته إذا كان المعلم يواجه ظروفًا معيشية ومهنية تدفعه إلى ترك رسالته، أو تحد من قدرته على أدائها.

 

إن حقوق المعلمين/ـات ليست منحة تمنحها الحكومات وفق تقديراتها، ولا امتيازات تخضع لموازين الظروف، وإنما حقوق أصيلة تكفلها مبادئ العدالة الاجتماعية، وتؤكدها المواثيق الدولية ذات الصلة بالحق في التعليم والعمل اللائق. ويأتي في مقدمة هذه الحقوق: الحق في أجر عادل ومنتظم، والحق في بيئة عمل آمنة، والحق في الرعاية الصحية، والحق في التنظيم النقابي، والحق في التعبير السلمي عن المطالب المهنية، وفوق ذلك صون حقوق المعاشيين وحق الضمان الاجتماعي والتأمين على الصحة. وتمثل هذه الحقوق جزءًا أصيلًا من منظومة حقوق الإنسان، ولا يجوز الانتقاص منها تحت أي ذريعة سياسية أو اقتصادية.

 

غير أن الواقع السوداني يكشف اتساع الفجوة بين هذه المبادئ وما يعيشه المعلمون على الأرض. فقد أدى استمرار الحرب إلى انهيار أجزاء واسعة من المنظومة التعليمية، وأغلقت مدارس كثيرة أبوابها، وتحولت مدارس أخرى إلى مراكز لإيواء النازحين، أو تأثرت مباشرة بالعمليات العسكرية، وبعض المدارس أصبحت بين ليلة وضحاها مراكز للتدريب تسيطر عليها الكتائب الجهادوية، كما اضطر آلاف المعلمين إلى النزوح داخل البلاد، أو اللجوء إلى دول الجوار، بينما غادر آخرون المهنة بحثًا عن مصدر رزق يوفر الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

 

ولا تقتصر آثار هذه الأزمة على المعلمين وحدهم، وإنما تمتد إلى ملايين الأطفال الذين حُرموا من حقهم في التعليم المنتظم. فكل معلم يغادر الفصل الدراسي، وكل مدرسة تتوقف عن أداء رسالتها، تمثل خسارة مباشرة للمجتمع، لأن التعليم استثمار طويل الأجل في مستقبل الدولة، وما يُفقد اليوم من سنوات التعليم قد يحتاج إلى عقود لتعويضه، خاصة في بلد يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية بالغة التعقيد.

 

ومن هنا فإن الدفاع عن حقوق المعلمين يمثل دفاعًا عن حق المجتمع في التنمية، وعن حق الأطفال في مستقبل أفضل، وعن قدرة السودان على تجاوز آثار الحرب وبناء دولة تقوم على المعرفة والعدالة، فالمعلم هو الحلقة الأولى في سلسلة بناء الإنسان، وإذا أصاب الضعف هذه الحلقة، امتد أثره إلى بقية حلقات التنمية والإصلاح.

 

إن استمرار تدهور أوضاع المعلمين لا يمثل أزمة مهنية فحسب، وإنما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الاجتماعي والتنمية المستدامة. فالمعلم الذي يفتقد إلى الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والنفسي تتراجع قدرته على أداء رسالته بالكفاءة المطلوبة، والطالب الذي يفقد معلمه، أو ينقطع عن الدراسة، يصبح أكثر عرضة للتسرب، والاستغلال، والعنف، بما ينعكس أثره على المجتمع بأسره. ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في المعلم لا يندرج ضمن الإنفاق الاستهلاكي، وإنما يمثل استثمارًا في رأس المال البشري، وهو الثروة الحقيقية التي تقوم عليها نهضة الأمم.

 

كما أن النزاعات المسلحة لا تقتصر آثارها على الدمار المادي، وإنما تمتد إلى إضعاف المؤسسات التي تحفظ تماسك المجتمع، ويأتي التعليم في مقدمة هذه المؤسسات، لأنه يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الجهل، والتطرف، وخطاب الكراهية. ومن هنا فإن حماية المعلمين والمؤسسات التعليمية ينبغي أن تكون جزءًا أصيلًا من أي رؤية وطنية لحماية المدنيين وإعادة بناء الدولة، وأحد الملفات ذات الأولوية في مسارات التعافي الوطني.

 

ولا يمكن الحديث عن مستقبل التعليم في السودان دون الاعتراف بأن المعلمين تحملوا، طوال سنوات الحرب، أعباءً تجاوزت حدود طاقتهم، فقد واصل كثير منهم أداء رسالتهم في ظل انقطاع الرواتب، أو تراجع قيمتها بصورة حادة، ووسط ظروف أمنية ومعيشية بالغة الصعوبة، مدفوعين بإيمانهم بأن التعليم يمثل آخر الحصون التي ينبغي أن تصمد في حياة الشعوب، وهذا الصمود يستحق التقدير والدعم، ويستوجب استجابة وطنية ترتقي إلى حجم التضحيات.

 

ومن هذا المنطلق فإن المسؤولية الوطنية والمهنية تفرض الوقوف إلى جانب المعلمين، والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي مقدمة هذه الحقوق، ضمان صرف رواتب عادلة ومنتظمة تكفل لهم ولأسرهم حياة كريمة، وتوفير بيئة عمل آمنة تمكنهم من أداء رسالتهم بعيدًا عن مخاطر الحرب والعنف، وتأمين الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، باعتبارها حقوقًا أصيلة تشكل أساس الاستقرار المهني والإنساني.

 

كما تقتضي هذه المسؤولية الوقف الفوري لجميع أشكال الملاحقات أو التضييق التي قد يتعرض لها المعلمون بسبب نشاطهم المهني أو النقابي، وضمان احترام حقهم في التعبير السلمي عن مطالبهم، ورفض أي إجراءات تعسفية تمس استقرارهم الوظيفي أو كرامتهم الإنسانية. فاحترام حقوق المعلمين يعكس احترام سيادة القانون، ويجسد القيم التي يفترض أن تقوم عليها مؤسسات الدولة.

 

ويقع على عاتق منظمات المجتمع المدني، والمنظمات الحقوقية الوطنية والإقليمية والدولية، دور لا يقل أهمية، عبر توثيق الانتهاكات التي يتعرض لها العاملون في قطاع التعليم، وتسليط الضوء على أوضاعهم، والدفع نحو توفير الحماية اللازمة لهم، باعتبار أن الحق في التعليم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحماية من يحملون رسالته. كما أن دعم المبادرات المجتمعية الرامية إلى استعادة العملية التعليمية يمثل استثمارًا في مستقبل السودان، ويعزز فرص التعافي الوطني، ويتجاوز كونه استجابة إنسانية مؤقتة.

 

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في تجاوز آثار الحروب حققت ذلك عبر إعادة الاعتبار للإنسان، وجعل التعليم محورًا لبرامج التعافي الوطني، فالمعلم هو الذي يصنع الطبيب، والمهندس، والقاضي، والصحفي، والباحث، وصانع القرار، وهو الذي يغرس في الأجيال قيم الحوار، والتسامح، واحترام القانون. ومن هذا المنطلق، فإن أي مشروع لإعادة إعمار السودان يظل قاصرًا ما لم يجعل إعادة الاعتبار للمعلم، وتحسين أوضاعه، وصون حقوقه، في مقدمة أولوياته.

 

واليوم يقف السودان أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز وقف إطلاق النار، وتمتد إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة قوامها العدالة، والكرامة، والمواطنة المتساوية، وتحقيق هذا الهدف يقتضي وضع التعليم في صدارة الأولويات الوطنية، والتعامل مع قضايا المعلمين باعتبارها جزءًا من مشروع استعادة الدولة، لا ملفًا قابلًا للتأجيل، فالمعلم شريك في صناعة السلام، وحارس للوعي، وباني الأجيال التي ستقود السودان في المستقبل.

 

إن الدفاع عن حقوق المعلمين يمثل دفاعًا عن حق كل طفل سوداني في التعليم، وعن حق كل أسرة في مستقبل أكثر استقرارًا، وعن حق الوطن في امتلاك أجيال قادرة على تجاوز آثار الحرب، وبناء دولة يسودها القانون والعدالة. وإذا كانت الحروب تهدم الأوطان بالقوة، فإن المعلمين يعيدون بناءها بالعلم، والمعرفة، والقيم. ولهذا، فإن إنصافهم يمثل ضرورة وطنية وأخلاقية، ويشكل أحد الأسس التي يقوم عليها أي مشروع جاد للنهوض بالسودان.

 

ويتعين أن تنظر الدولة إلى المعلم باعتباره ركيزة من ركائز الأمن القومي المدني، لأن المدرسة تمثل خط الدفاع الأول عن تماسك المجتمع، والمعلم يقود عملية بناء الوعي الجمعي، ويحمي الأجيال من الجهل، والتطرف، والانقسام. وكل استثمار في أوضاع المعلمين ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الاجتماعي، والنمو الاقتصادي، وجودة المؤسسات، وقدرة الدولة على التعافي بعد النزاعات.

 

كما أن المرحلة المقبلة تستدعي إطلاق ميثاق وطني لحماية التعليم والمعلمين، تشارك في صياغته مؤسسات الدولة، والقوى السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والشركاء الإقليميون والدوليون، ويؤكد تحييد المؤسسات التعليمية عن الصراعات المسلحة، وصون حقوق العاملين فيها، وضمان استمرار العملية التعليمية في جميع الظروف، باعتبارها مسؤولية وطنية وإنسانية مشتركة.

 

إن كرامة المعلم من كرامة الوطن، وحماية حقوقه حماية لمستقبل السودان، وكل خطوة تُتخذ لإنصافه تمثل خطوة نحو تعليم أفضل، ومجتمع أكثر وعيًا، ودولة أكثر قدرة على تجاوز جراح الحرب وصناعة السلام. فالأوطان التي تكرِّم معلميها تؤسِّس لمستقبلها، وترسخ دعائم نهضتها، وتصنع أجيالًا قادرة على حمل مسؤولية البناء والتنمية.

 

ومن بين أكثر القضايا إلحاحًا، تبرز أوضاع المعلمين في المناطق التي انقطعت عنها الخدمات منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م، فهناك آلاف المعلمين/ـات وجدوا أنفسهم في مواجهة معاناة مركبة؛ انقطعت مرتباتهم، وتعطلت مؤسساتهم، وفقدوا مصادر دخلهم، في وقت ظلوا فيه يحملون مسؤولية أسرهم ومجتمعاتهم المحلية وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة، وقد واصل كثير منهم أداء رسالتهم بوسائل بدائية، وأنشأوا فصولًا مؤقتة، أو شاركوا في مبادرات مجتمعية للحفاظ على الحد الأدنى من استمرار العملية التعليمية، إدراكًا منهم أن ضياع التعليم يعني ضياع مستقبل أجيال كاملة، واجتهدوا لتنظيم امتحانات تكفل للطلاب المحرومين فرصة التقدم الدراسي.

 

وتزداد خطورة المشهد في المناطق التي ارتبط فيها حرمان المعلمين من حقوقهم بالتصنيفات السياسية أو الجغرافية، أو خضع لتقديرات الحرب وتقلبات السيطرة العسكرية. فالمعلم مواطن يؤدي رسالة وطنية، والتعليم حق عام لا يجوز أن يتأثر بخريطة النزاع أو موازين القوة على الأرض، وربط المرتبات أو الخدمات التعليمية باعتبارات الصراع يفتح الباب أمام تمييز خطير يقوض مبدأ المواطنة المتساوية، ويعمق الفجوات بين أبناء الوطن الواحد، ويغذي مشاعر الإقصاء والغبن التي تمثل أحد أهم أسباب عدم الاستقرار في المدى البعيد، ودوننا حرمان معلمي المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) لعقود طويلة من المرتبات والمعاش ومع ذلك واصلوا دون انقطاع رسالتهم تحت الجبال وفي “الكراكير” في ظروف بالغة التعقيد.

 

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تبني سياسة وطنية عاجلة تضمن صرف مرتبات جميع المعلمين في أنحاء السودان دون استثناء، وتأمين حقوقهم الوظيفية كاملة، بصرف النظر عن مواقعهم الجغرافية أو الجهة المسيطرة على مناطقهم، فالدولة مسؤولة عن جميع مواطنيها، والمعلم لا يفقد حقوقه بسبب الحرب، كما أن الطالب لا يفقد حقه في التعليم بسبب موقع مدرسته على خريطة الصراع.

 

إن أي مشروع جاد لإعادة بناء السودان يبدأ بإعادة الاعتبار للمعلم في كل ولاية، وكل مدينة، وكل قرية، دون تمييز أو انتقائية، فالوحدة الوطنية لا تُبنى بالخطابات، وإنما تُبنى بالعدالة في توزيع الحقوق، والمساواة في تحمل الدولة لمسؤولياتها تجاه مواطنيها. والمعلم، أينما كان، يمثل خط الدفاع الأول عن بقاء المجتمع، وصيانة الهوية الوطنية، وإعداد الأجيال التي ستتولى مهمة إعادة بناء السودان بعد أن تضع الحرب أوزارها.

 

لا للحرب… نعم لكرامة المعلم، ونعم لتعليم يصنع السلام، ويحفظ للوطن مستقبله، وللإنسان السوداني حقه في المعرفة، والكرامة، والأمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *