خطاب الكراهية وأثره في تمزيق السودان: الحرب أولها كلام

صفاء الزين

 

يمر السودان اليوم بواحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، إذ تتداخل الحرب المسلحة مع حرب أخرى لا تقل خطورة عنها، بل قد تكون أكثر تدميرًا على المدى البعيد، وهي حرب خطاب الكراهية. فبينما تحصد الأسلحة الأرواح وتدمِّر البنية التحتية، يعمل خطاب الكراهية على تدمير النسيج الاجتماعي، وزرع الشكوك بين أبناء الوطن الواحد، وتحويل الاختلافات الطبيعية إلى صراعات وجودية تهدد مستقبل البلاد ووحدتها.

لقد أثبتت التجارب الإنسانية عبر التاريخ أن الحروب لا تبدأ دائمًا بإطلاق الرصاص، وإنما تبدأ غالبًا بكلمات تحرِّض وتشيطن وتقصي الآخر. وعندما تتحول الكلمات إلى أدوات للتعبئة ضد جماعة أو قبيلة أو منطقة أو عرق، فإنها تخلق بيئة خصبة للعنف والانقسام، وتجعل المصالحة أكثر صعوبة بعد انتهاء النزاعات. وفي السودان، حيث التنوع الثقافي والإثني والديني يمثل أحد أهم مصادر الثراء الوطني، يصبح انتشار خطاب الكراهية تهديدًا مباشرًا لفكرة الدولة نفسها.

وماهية خطاب الكراهية أنه كل تعبير أو خطاب أو محتوى يهدف إلى التحريض على الكراهية أو التمييز أو العداء أو العنف ضد أفراد أو جماعات بسبب انتمائهم العرقي أو القبلي أو الديني أو الجهوي أو الثقافي، أو أي صفة أخرى مرتبطة بهويتهم. ولا يقتصر هذا الخطاب على التصريحات السياسية أو الإعلامية، ولكنه يمتد إلى المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، والتعليقات، والشائعات، والرسائل المتداولة بين الناس، بل حتى أهازيج وأغاني الفلكلور الشعبي وطرف المجموعات الفكاهية.

وتكمن خطورة خطاب الكراهية في أنه لا يكتفي بوصف الآخر بشكل سلبي، وإنما يسعى إلى تجريده من إنسانيته وتصويره كعدو دائم أو تهديد يجب التخلص منه أو إقصاؤه. وعندما يترسخ هذا التصور في الوعي الجمعي، يصبح العنف ضد الآخر مقبولًا أو مبررًا لدى بعض الفئات، وفي بعض الأحيان يصبح فرضاً دينياً جهادوياً.

تعد بلادنا من أكثر الدول تنوعًا في القارة الأفريقية والعالم العربي. فهناك ثلاث عوائل لغوية من أصل خمسة في إفريقيا، وعشرات المجموعات الإثنية واللغات والثقافات والعادات والتقاليد التي تعايشت عبر قرون طويلة. وكان من المفترض أن يكون هذا التنوع مصدر قوة وثراء حضاري، لكنه حُوِّل في أحيان كثيرة إلى أداة للصراع نتيجة الاستغلال السياسي والتهميش وعدم العدالة في توزيع السلطة والثروة.

وخلال فترات الأزمات، برزت خطابات تقوم على تقسيم السودانيين إلى فئات متناحرة، بحيث يُنظر إلى المواطن من خلال قبيلته أو منطقته أو أصله العرقي بدلًا من النظر إليه بوصفه مواطنًا متساوي الحقوق والواجبات. ومع تصاعد الحرب الحالية، ازدادت هذه الخطابات انتشارًا بشكل غير مسبوق، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر غرف الحرب مدفوعة الأجر.

في الماضي كانت خطابات التحريض تنتشر ببطء نسبيًا، أما اليوم فإن منشورًا واحدًا أو مقطع فيديو قصيرًا يمكن أن يصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات قليلة. وقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة رئيسية لتبادل المعلومات، لكنها تحولت أيضًا إلى منصة لنشر الشائعات والأخبار المضلِّلة وخطابات الكراهية.

خلال الحرب الحالية، انتشرت آلاف المنشورات التي تتهم جماعات كاملة بالخيانة أو العمالة أو المسؤولية الجماعية عن الجرائم والانتهاكات، بل حتى التجريد من حق المواطنة والتسمي بالسودان، وتمت التعبئة ضدها حتى وصل الأمر إلى تصنيف على أساس الوجوه واللهجات واللكنات المحلية. كما ظهرت حملات منظمة تستخدم اللغة العنصرية والجهوية لتأجيج المشاعر، وتحويل الصراع السياسي والعسكري إلى صراع مجتمعي واسع.

وتكمن الخطورة في أن كثيرًا من المستخدمين يشاركون هذه المواد دون التحقق من صحتها، مدفوعين بالخوف أو الغضب أو الرغبة في الانتقام. وهكذا تتحول وسائل التواصل من أداة للتواصل إلى وسيلة لتوسيع دائرة الكراهية.

إن العلاقة بين الحرب وخطاب الكراهية علاقة متبادلة. فالحرب تنتج مشاعر الغضب والخوف، بينما يعمل خطاب الكراهية على تعميق هذه المشاعر وتحويلها إلى عداء دائم. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال عدة جوانب:

أولًا، يبرر العنف. فعندما يتم تصوير جماعة معينة على أنها شر مطلق أو تهديد وجودي، يصبح استهدافها أو الاعتداء عليها أمرًا مقبولًا في نظر البعض، وتجلى ذلك في حروب سابقة في جنوب السودان والمنطقتين.

ثانيًا، يمنع التعاطف الإنساني. فبدلًا من رؤية الضحايا باعتبارهم بشرًا يستحقون الحماية، يتم التعامل معهم من خلال هوياتهم الضيقة، مما يؤدي إلى تبرير معاناتهم أو التقليل من شأنها.
ثالثًا، يوسع دائرة الصراع. فالحرب التي تبدأ بين أطراف محددة قد تتحول إلى نزاع مجتمعي شامل عندما تنتشر خطابات التحريض ضد مجموعات كاملة من السكان.

رابعًا، يعقد جهود السلام. فكلما زادت الكراهية المتبادلة، أصبحت فرص المصالحة وإعادة بناء الثقة أكثر صعوبة.

ويترك خطاب الكراهية آثارًا عميقة على المجتمع السوداني. فهو يضعف الثقة بين المواطنين ويؤدي إلى تفكك العلاقات الاجتماعية التي تشكل أساس الاستقرار. وعندما يبدأ الناس في الشك بعضهم ببعض بسبب الانتماءات القبلية أو الجهوية، تتراجع قيم التعايش والتضامن التي ميزت المجتمع السوداني لعقود طويلة.

كما يؤدي هذا الخطاب إلى خلق أجيال جديدة تنشأ على الصور النمطية السلبية والأحكام المسبقة. فالطفل الذي يسمع باستمرار أن جماعة معينة هي عدو أو مصدر تهديد قد يحمل هذه الأفكار معه إلى المستقبل، مما يطيل عمر الصراعات حتى بعد توقف القتال.

ومن أخطر النتائج أيضًا تآكل الهوية الوطنية الجامعة. فعندما تصبح القبيلة أو الجهة أهم من الوطن، يفقد المجتمع أحد أهم عناصر وحدته واستقراره، والآن أصبحت حلقات الانتماء تضيق حتى داخل القبيلة الواحدة وتنزوي إلى أبناء “خشم البيت”.

ولا تقتصر آثار خطاب الكراهية على الجوانب السياسية والاجتماعية، ولكنها تمتد إلى الصحة النفسية للأفراد. فالأشخاص الذين يتعرضون بشكل مستمر للتمييز أو الإهانة بسبب هويتهم يعانون من مشاعر الخوف والقلق والإقصاء وفقدان الأمان.

وفي أوقات الحرب، تتضاعف هذه الآثار بسبب النزوح وفقدان الأحبة وانعدام الاستقرار. وعندما يضاف إلى ذلك خطاب يحرض ضد فئات معينة، فإن الشعور بالتهديد يصبح أكثر حدة، مما يؤدي إلى مزيد من الصدمات النفسية والانقسامات المجتمعية.

وللإعلام مسؤوليته الأخلاقية لأنه يلعب دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام، ولذلك تقع عليه مسؤولية كبيرة في مواجهة خطاب الكراهية. فالإعلام المهني لا يكتفي بنقل الأحداث، ولكنه يحرص على استخدام لغة دقيقة ومتوازنة تحترم كرامة جميع الأطراف.

لكن عندما تتخلى بعض المنابر الإعلامية عن معايير المهنية وتتبنى خطابًا تحريضيًا، فإنها تسهم بشكل مباشر في تأجيج الصراع. ولهذا فإن الالتزام بأخلاقيات المهنة، والتحقق من المعلومات، وإعطاء مساحة للأصوات الداعية للسلام، يمثل جزءًا أساسيًا من جهود الحد من الكراهية.

وهنا يأتي دور النخب السياسية والمجتمعية، إذ تقع على عاتق القيادات السياسية والدينية والمجتمعية مسؤولية خاصة في هذه المرحلة. فالكلمات التي تصدر عن الشخصيات المؤثرة لها قدرة كبيرة على تشكيل اتجاهات الجمهور.

وعندما تستخدم القيادات لغة الإقصاء والتحريض، فإنها تمنح الشرعية للكراهية والعنف. أما عندما تدعو إلى الحوار والتسامح واحترام التنوع، فإنها تسهم في تخفيف التوتر وفتح آفاق للتعايش.

وما يؤسف له أن هناك فئة من هذه النخب ولغت في الدماء بالتحريض وتأصيل خطاب الكراهية دينياً وصبغه بصبغة ذات طابع مقدس وصل إلى إخراج الآخر المخالف من الملة ووصمه بالكفر والتحريض عليه والتعبئة الجهادوية ضده واستحلال دمه واستباحة عرضة وماله وأرضه، كل ذلك من منابر يفترض أنها تتحرك من خلفية مقدسة ونصوص دينية تحض على التعايش والتآخي بين الناس ونصرة المظلوم، هؤلاء اختاروا أن يكونوا خداماً للسلطان وعمالاً في مشروع التحريض الاجتماعي، ولكن بطريقتهم التي تخالف كل شرع مقدس.

إن السودان اليوم بحاجة إلى خطاب وطني جامع يركز على المشتركات بين السودانيين، بدلًا من تضخيم خلافاتهم، ويؤكد أن العدالة والمواطنة المتساوية هما الأساس الحقيقي للاستقرار.

وعندما ننتقل لتساؤل عن كيفية مواجهة خطاب الكراهية؟ نجد أن مواجهة خطاب الكراهية ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تشمل جميع أفراد المجتمع. ويمكن تحقيق ذلك من خلال:

  • تحقيق ثقافة الحوار واحترام الاختلاف.
  • نشر الوعي بمخاطر الشائعات والمعلومات المضللة.
  • دعم الإعلام المهني والمسؤول.
  • تطوير برامج تعليمية تركز على قيم المواطنة والتسامح.
  • تشجيع المبادرات المجتمعية التي تجمع بين مختلف المكونات السودانية.
  • محاسبة المحرضين على الكراهية وفق القانون.
  • صياغة الخطاب الوطني الذي يركز على وحدة المصير والمستقبل المشترك.

كما أن كل فرد يستطيع أن يكون جزءًا من الحل من خلال الامتناع عن مشاركة المحتوى التحريضي، والتحقق من المعلومات قبل نشرها، واستخدام لغة تحترم كرامة الآخرين حتى في أوقات الخلاف.

ختاماً: إن الحرب الحالية في السودان ليست مجرد مواجهة عسكرية، ولكنها اختبار حقيقي لقدرة السودانيين على الحفاظ على نسيجهم الاجتماعي وهويتهم الوطنية. وإذا كانت البنادق قادرة على إنهاء حياة الإنسان، فإن خطاب الكراهية قادر على تدمير مجتمع بأكمله من الداخل.
ولذلك فإن مواجهة الكراهية لم تعد قضية هامشية أو مؤجلة إلى ما بعد الحرب، وإنما هي جزء أساسي من معركة إنقاذ السودان نفسه. فالأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، ولكنها تُبنى بالثقة والعدالة والاحترام المتبادل. وكل كلمة تدعو إلى التفاهم والتسامح تمثل خطوة نحو السلام، بينما كل كلمة تحرض على الكراهية قد تكون شرارة لصراع جديد.

ويبقى الأمل قائمًا في أن يدرك السودانيون أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء والعداء، بل على الاعتراف بالتنوع بوصفه مصدر قوة، وعلى الإيمان بأن الوطن يتسع للجميع دون استثناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *