آباء وأمهات في قاعة الامتحان بهليكوبتر
أماني أبوسليم
الآباء والأمهات للأجيال التي وُلدت بعد التسعينيات يبدون وكأنهم في امتحان لم يذاكروا له جيدًا.
امتحان بدأت نتائجه تنعكس على مرآة أبنائهم، ولكثيرين هي مرآة غير مريحة، لأنها تعكس ما يعيشه الأبناء وما يحملونه في قلوبهم خلف صمتهم، ولا تعكس ما يراه جيل الآباء والأمهات أنه الصحيح في التربية.
إلقاء اللوم على آخرين أمرٌ مريح؛ يزيل حمل الذنب عن النتائج السيئة، ويبرئنا أمام أنفسنا من الخطأ.
هكذا الإنسان، يبحث عمّن يعلّق عليه مشاكله.
الأبناء عبر الأجيال يلومون آباءهم لأنهم لم يحققوا ما كانوا ينشدون، وجيل الآباء يلوم الأبناء لأنهم لم يكونوا على قدر أحلامهم.
في هذا التبادل المستمر للاتهام، يضيع السؤال الأهم: ما الذي حدث فعلًا؟ وما الأثر الذي تركته التربية دون وعي؟
في هذا السياق، يبدو ما يدور بين آباء وأمهات الستينيات والسبعينيات وأبناء وُلدوا بعد التسعينيات أكثر خصوصية، بفارق مفاهيم ومخيال كبير، نتيجة التغيرات الهائلة التي شهدها العالم منذ الستينيات.
لم تكن الفوارق تبدو بهذا الاتساع سابقًا، لتشابه نمط الحياة الأقرب للريفي عبر أجيال طويلة توارثت نفس المفاهيم والسلوك، باستثناء مظاهر مثل التفرقة أو الإهمال أو القسوة، التي وُجدت دائمًا بأثر متفاوت.
اليوم، يبدو الأثر أكثر حدة، ويأتي جزء كبير منه من الطفرة التكنولوجية التي نشأ هذا الجيل في ظلها: انفتاح على العالم عبر الشاشات، حرية التعبير وصناعة الهوية بضغطة زر، مقابل عزلة واضحة وضعف في التكيف مع العالم الواقعي، نتيجة محدودية الاحتكاك وضيق المساحة التي صمّمها الوالدان بدافع الحماية.
في المقابل، ينتمي الآباء والأمهات إلى جيل شهد أثر التعليم في الترقي الاجتماعي على القلة التي أكملوا تعليمهم، فصار تعليم الأبناء أهم استثماراتهم في الحياة، ما يفسر ضغطهم الزائد على الأبناء في التعليم أكثر ممن سبقهم من أجيال.
هذا الضغط النفسي الكبير، قد يقود الأبناء إلى الاكتئاب أو التمرد أو الانسحاب والعزلة، حين يتحول حلم الوالدين إلى عبء لا يُسمح بمراجعته، وقد يتطلب ما يتجاوز قدراتهم، أو يتعارض مع رغباتهم.
هذا الجيل من الآباء تزوّج في عمر متأخر نسبياً، وأصبح لديه تصور واضح يريد تطبيقه على أسرته، مع عدد أقل من الأبناء مقارنة بالأجيال السابقة.
قلة العدد زادت التركيز، ومعه زادت الرقابة والسيطرة.
كما أن الأم من جيل الستينيات والسبعينيات، الأكثر تعليماً ووعياً بالحياة خارج البيت من الأمهات من الأجيال الأسبق، حملت أحلامها وطموحاتها إلى أبنائها، محاولة تحقيقها من خلالهم. في مقابل أم من الجيل الأسبق كانت أقرب إلى طفلة، لم تتلقَّ تعليماً يذكر، وأنجبت عدداً لا يسمح بهذا النوع من الضغوط على الأبناء.
ظهر مصطلح (الآباء الهليكوبتر) في الستينيات لوصف قلة من الآباء والأمهات الذين يحومون فوق حياة أبنائهم بتدخل مفرط بدافع الحماية، مثل الهليكوبتر.
ما كان استثناءً في الستينيات أصبح اليوم حالة شبه عامة. هذه الظاهرة ضاعفت الآثار السلبية غير الواعية في التربية، فصار أثر التفرقة أو الإهمال أو القسوة أشد وقعًا مما كان عليه في الأجيال السابقة.
ومع التكنولوجيا والحماية الزائدة، ظهرت ملامح ما يُعرف بهشاشة هذا الجيل، أي ضعف القدرة على التعامل مع ضغوط الحياة والعمل وتحمل الإحباط.
لا كضعف فطري، بل كنتيجة مباشرة لغياب فرص التجربة والخطأ.
هذه الفجوة الجيلية، واللوم المتبادل حول أسباب النتائج، يكشفان حقيقة جوهرية: التربية ليست ما نوينا فعله بل الأثر الذي ظهر.
الحب، وإن كان صادقاً، حين يكون هناك ارتباك في التعبير عنه، تفاصيل صغيرة قد تتسبب في مسافات كبيرة.
الخوف لا يحمي، والسيطرة لا تُنقذ، ويبدو أن الحب وحده لا يكفي، ما لم يُترجم إلى احتواء ومساحات آمنة تفتح مجالاً للأبناء للتجربة والخطأ دون خوف من الحكم عليهم بالفشل.
المساحات الآمنة حتى للآباء والأمهات للاعتراف بأنهم غير كاملين ولن يكونوا مثاليين، يعترفون فيها بأخطائهم واعتذارهم عن أثر لم يقصدوه مما يفتح باباً للغفران والتفهم والتقدير والاحترام.
في الوقت نفسه، لا يمكن إلقاء اللوم كاملًا على الوالدين، فهم أيضًا نتاج تربية قديمة، بجراح لم تندمل وأحلام أُجهضت.
ومهما كان تأثر الأبناء بأخطاء تربوية، فإن ذلك لا يعفيهم بعد عمر معين من مسؤولية بذل الجهد لترميم العلاقة.
لأن القطيعة لا تشفي، وإلقاء اللوم لن يحل، ولأن كل جيل إن لم يفهم الذي قبله، سيعيد إنتاج الجرح نفسه بصيغة جديدة.