هل حان وقت العودة؟

لـ(ديسمبر) كلمة

هل حان وقت العودة؟

 

تعالت في الآونة الأخيرة الأصوات التي تدعو السودانيين النازحين داخل السودان واللاجئين خارجه للعودة إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات المسلحة بعد أن تحسنت الأحوال الأمنية والمعيشية فيها.

بداية لا بد أن نؤكد أن عودة السودانيين إلى مدنهم وقراهم هو أمر طبيعي ولا خلاف عليه، لكن ذلك يظل مشروطاً بانتفاء السبب الذي دفعهم لمغادرة ديارهم، أي أن تتوقف الحرب. ولا جدال في أن الحرب ما تزال متواصلة في مناطق واسعة من البلاد، وحتى المناطق التي لا تشهد عمليات عسكرية تظل تحت تهديد المسيرات والطيران.

ومن المهم أن نأخذ في الاعتبار ملاحظة مهمة أن معظم من يروِّجون لضرورة عودة السودانيين إلى ديارهم ما يزالون يعيشون وأسرهم في دول آمنة، والأحرى بهم أن يقدموا النموذج والقدوة ويعودوا هم بأنفسهم إلى السودان قبل أن يطلبوا من الآخرين العودة. ما يؤكد أن دوافع دعواتهم سياسية ولا علاقة لها بمعطيات الواقع الذي يعيشه السودانيون، سواء أكانوا نازحين داخل البلاد أو لاجئين خارجها.

كل التقارير الواردة من مناطق السودان المختلفة تؤكد أن النزوح الداخلي واللجوء لدول الجوار ما يزال مستمراً، خصوصا في ولايات شمال وجنوب كردفان والنيل الأزرق، التي تشهد عمليات عسكرية مكثفة، الأمر الذي يجعل من حديث العودة لمناطق واسعة من السودان مجرد أحلام سرعان ما يطيح بها الواقع.

لا شك أن هناك تحسناً ملحوظاً في الأوضاع الأمنية في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار والقضارف ونهر النيل، وهي ولايات كانت مسرحاً لعمليات عسكرية واسعة قبل أن يسترد الجيش السيطرة عليها. لكن حتى في هذه الولايات، ما تزال الأوضاع الأمنية تتسم بالهشاشة وتشهد تفلتات أمنية واسعة تحول دون عودة المواطنين، ولا تخلو الوسائط الإعلامية وبشكل يومي من قصص بهذا الشأن.

أكثر من ذلك، تعاني كل ولايات السودان، وبدون استثناء، من تردٍّ مريع في الخدمات الصحية بسبب الدمار الذي حاق بحوالي 80% من المنشآت الصحية، ونقص حاد في الأدوية والكوادر الطبية، فيما لا تزال الخدمات التعليمية محدودة، ويحتاج أكثر من ثلثي المدارس في السودان لعمليات صيانة واسعة حتى تكون مستعدة لاستقبال الطلاب، وفق ما أحصته تقارير دولية صدرت مؤخراً عن أوضاع التعليم. وإذا أضفنا إلى ذلك غياب المعلمين والتأخير الكبير في دفع مرتباتهم نجد أننا أمام كارثة حقيقية في هذين القطاعين الحيويين، حيث لا يمكن للأسر أن تتخذ قراراً بالعودة دون أخذ توفر الخدمات الصحية والتعليمية في الاعتبار.

رغم كل هذه الاعتبارات الموضوعية، يظل قرار العودة، سواء من داخل أو خارج السودان، قراراً فردياً وشخصياً، ويرتبط بأوضاع كل أسرة في مناطق نزوحها أو لجوئها، سواء أكانت تلك الأوضاع تتعلق بظروفها المعيشية، أو احتياجات أفرادها للخدمات الصحية والتعليمية، أو تقديراتها للأوضاع الأمنية في المناطق التي ستعود إليها وكذلك حالة منازلها ومدى الدمار الذي أصابها وحوجتها للصيانة.

لذا فإن قضية العودة طوعيا ليست موضوعاً للمزايدة السياسية، أو ساحة لتحقيق انتصارات معنوية لهذا الطرف أو ذاك، إنها قضية ترتبط بتقديرات كل شخص وأسرة لمدى تحسن الأوضاع الأمنية والمعيشية والخدمية في منطقة عودتهم، وقبل كل هذا وذاك هي مرتبطة بضرورة وقف الحرب.

لا للحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *