لـ(ديسمبر) كلمة
حرب يمتطيها (الفاسدون)!!
منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023م، تشهد الوقائع على تنافس وتصاعد في مجالين أساسيين؛ أولهما العسكري المرتبط بالأنشطة الحربية الملازمة للحروب، أما ثانيهما فهو مرتبط بتنامي الفساد وتمظهراته التي أخذت أشكالاً مختلفة متعددة متنوعة تتفق في جوهرها مع تعريفه المباشر بأنه (فساد) مكتمل الأركان.
إن عملية التلازم ما بين استمرار الحرب بكل معطياتها والتنامي الملاحظ لوتيرة الفساد وزيادتها بشكل غير مسبوق جراء نشوء (اقتصاد حرب) فاقدِ للشفافية والمراجعة والتدقيق والأولويات، وما أنتجه من مجموعات مرتبطة به من تجار الحرب، نجد أن بعضاً منهم – وجراء ارتباطه بالسلطة السياسية – تجاوز التوظيف إلى (الولوغ في الفساد). ولعل ما كشفته صحيفة (ديسمبر) منذ عددها الأول من نماذج لفساد ما بعد الحرب، سواء في البنوك أو صفقات السلاح أو شحنات النفط أو غيرها، يدخل فعلياً ضمن هذا التوصيف المقصود للفساد المرتبط بالسلطة السياسية.
اتضح أن أحد أهداف تقويض الانتقال بالسودان عبر انقلاب أكتوبر 2021م كان لقطع الطريق على الجهود الحثيثة والمضنية والصارمة ضد الفساد، وما حل بعد ذلك الانقلاب ثم عقب اندلاع الحرب كرَّس وعزَّز ورسَّخ الممارسات الفاسدة. فالميزانية العامة لا يعلم تفاصيلها أو أرقامها أي شخص، ولا تخضع للرقابة أو التقييم، وتدخل كل مواردها ضمن بنود الحرب. أما العطاءات والمناقصات، المرتبطة بالسلع الاستراتيجية، فجلُّها يتم في الخفاء ولصالح جهات محددة، وما يخرج للعلن يزكم سطره الأول الأنوف من هول فساده، وخير دليل على ذلك توقيع عقد صيانة كوبري الحلفايا هذا الأسبوع.
إن الصلة ما بين الحرب ومصالح الفساد ما عادت خافية على أحد، خصوصاً لجهة توظيف أموال مغتسلة من دنس الفساد تبذل في ساحة الإعلام والأنشطة المختلفة بهدف تسميم الفضاء العام بصرخات الحرب وتصدير دعوات الموت. لذا فإن وقف الحرب يترتب عليه إنهاء الحالة الاستثنائية الناتجة عنها، وينمو ويتكاثر فيها الفساد بوتيرة ملحوظة ليتم عبرها نهب ثروات ومقدرات البلاد وإفقار الناس وجعلهم يتعرَّضون للمسغبة والمذلة والتشرد واللجوء.
لكل من يعتقد أو يظن أن مشاهد الفساد المعلوم والمشاهد في البنوك، أو صفقات شراء السلاح أو تهريب النحاس بالانتقال والتبادل بين مناطق سيطرة طرفي الحرب، أو عائدات الذهب أو حتى عقد صيانة جسر كوبري الحلفايا خلال هذا الأسبوع هي “سدرة منتهى حكايات الفساد” يمكننا القول بأن كل تلك الوقائع “هي رأس جبل جليد رسخ وتجذّر، يحرسه سلاح الدولة وقوانينها التي تمنع الاقتراب والتصوير”. فعلياً ما ظهر منه هو القليل وما خفي عنه الكثير.
ولنا في تجربة تفكيك التمكين لنظام الثلاثين من يونيو 1989م بعد انتصار ثورة ديسمبر العبرة، إذ كشفت تلك اللجنة خلال فترة عملها القصير “أساطير فساد” أظهرت للسودانيين والسودانيات أن ما حسبوه فساداً معلوماً للنظام لم يكن سوى الموسيقى التصويرية لفيلم فساد نظام الإنقاذ خلال ثلاثة عقود من الزمان. فتحت كل حجر بالبلاد وحتى خارجه توجد رواية تشابه “بيع خط هيثرو”، و”تشليع وبيع سكك حديد مشروع الجزيرة”، قد تختلف في التفاصيل والوقائع، لكن تتنفق في النتائج بتمليك مقدرات وممتلكات الشعب السوداني لأفراد تنظيم السلطة بالتمكين!.
إن الواجب الأساسي في ظل هذه الحرب هو كشف وتعرية الفساد، وإظهاره وتوثيقه والحد منه لأقصى قدر ممكن، والكشف عن شبكات المصالح المرتبطة به وتعريتها دون هوادة. وفي ذات الوقت فإن الإجراءات التي تطال المفسدين والمرتبطين والممارسين لفساد الحرب بعد وقفها يجب أن تكون محل إجماع وضمن أي ترتيبات مرتبطة بوقف الحرب، بما في ذلك استصدار قانون خاص بمكافحة عمليات الفساد خلال فترة الحرب، لكون ذلك المال الفاسد ستكون أحد أهدافه المستقبلية توظيف قدر منه لإعاقة أي عملية سياسية مستقبلية، وتعويق الانتقال وزعزعة الاستقرار، ومن أجل هذه الغايات والمصالح فهو على استعداد للتعاون وتقديم الخدمات وتسديد الفواتير لأي جهات داخلية أو خارجية للحفاظ على مصالحه. ولا نحتاج للتذكير، فهذا ما حدث بالأمس، ويحدث اليوم، ومن المؤكد سيحدث غداً.
لا للحرب.