سلطة (بورتسودان).. إهالة التراب على مساعي “الشرعية”
تقرير: (القسم السياسي)
تلقت دبلوماسية سلطة بورتسودان صفعة دبلوماسية قاسية خلال هذا الأسبوع من خلال اجتماع مجلس السلم والأمن الإفريقي، الذي راهنت من خلاله بورتسودان على تحقيق اختراق يمكنها من الخروج من دائرة تجميد عضويتها بالاتحاد الإفريقي الصادر في مواجهة البلاد منذ الانقلاب غير المسؤول لتحالف قائدي الجيش والدعم السريع ومن خلفهما فلول حزب المؤتمر الوطني المحلول على الحكومة المدنية صباح يوم الاثنين 25 أكتوبر 2021م، وهو التجميد الذي استمر وتواصل وزاد من تعقيده اندلاع الحرب في 15 ابريل 2023م.
قبل أن تستفيق سلطة بورتسودان من صفعة (أديس ابابا) سارعت بنفسها لتلقي الثانية خلال أعمال وفعاليات مؤتمر ميونخ للأمن 2026م، الذي استضافته مدينة ميونخ الألمانية وشاركت سلطة بورتسودان بوفد ترـسه رئيس وزرائها كامل إدريس، وكانت السمات الرئيسية لتلك المشاركة الفشل في الحصول على الشرعية والاعتراف بسلطة بورتسودان، والتي كان أبرز مؤشراتها تغيبه من المنصة المخصصة لبحث موضوع حرب السودان، ورغم الضغوط التي مورست وسمحت باستضافته في منصة منفصلة، لكنها بخلاف ما ورد فيها انتهت للإشارة إلى أنه المتحدث باسم ووجهة نظر الجيش السوداني.
المحاولة الثانية
لا تعتبر محاولة استعادة عضوية السودان وفك تجميدها بالاتحاد الإفريقي خلال أعمال دورة قمة الاتحاد الإفريقي واجتماعات مجلس السلم والأمن الإفريقي هي الأولى، إذ سبقتها محاولات عديدة كانت أبرزها العام الماضي، إلا أن المحاولة الحالية اختلفت من السابقة بعوامل عديدة.
كان وصول وزير خارجية جيبوتي السابق محمد علي يوسف في مارس 2025م أحد التحولات الجديدة التي راهنت على تأثيرها سلطة بورتسودان، حيث لا يخفي الرجل انحيازه الكامل لسلطة بورتسودان، حيث توقعت سلطة بورتسودان أن يلعب الرجل من واقع منصبه القيادي بالاتحاد الإفريقي دوراً ملموساً في إقناع وتغيير وجهة نظر بعض الدول الإفريقية؛ إما لفك التجميد أو وضع جدول زمني لإجراءات يسهل الوفاء بها.
التحول الثاني الأبرز هو ترؤس مصر، التي تعد الحليف الأساسي لسلطة بورتسودان، لرئاسة مجلس السلم والأمن الإفريقي خلال شهر فبراير الذي انعقدت خلاله الاجتماعات، حيث قامت الرئاسة المصرية بتخصيص جلسة نقاش غير رسمية عن السودان أتاحت لوزير خارجية سلطة بورتسودان محيي الدين سالم أن يخاطب ذلك اللقاء، رغم تجميد السودان باعتباره “غير رسمي”.
يعد الوجود الدبلوماسي العلني للملكة العربية السعودية ومساندته لسلطة بورتسودان أمراً جديداً، حيث ظل الدور السعودي خلال الفترات الماضية أقل تعبيراً عن مواقفه الداعمة والمساندة لسلطة بورتسودان لعدة معطيات، لكنه في إطار التحولات الأخيرة بات أكثر وضوحاً وعلانية على المستويين السياسي والإعلامي والدبلوماسي وحتى العسكري، وسعت الرياض لتوظيف كل علاقاتها لتحقيق هذا الهدف.
بجانب ما ذكر سابقاً فإن أدوار جهات خلال العام الماضي واصلت في ذات مساعيها، على رأسها المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الجزائري رمطان لعمامرة مسنوداً بتحركات بلاده داخل الاتحاد الإفريقي مستندة إلى علاقتها العميقة مع الدول الإفريقية.
الخياران (أ) و(ب)
خاضت سلطة بورتسودان والجهات المساندة لها غمار معركة استعادة عضوية الاتحاد الإفريقي عبر خيارين أولهما (الوصول لقرار برفع التجميد)، وهذا بشكل واقعي كان أمراً معقداً وبعيد المنال، لعدد من الاعتبارات على رأسها تداعيات استمرار الحرب، وتأثر القرار الخاص بالسودان بحالات إفريقية أخرى تشهد انقلابات عسكرية تواجه حصاراً إفريقياً صارماً خاصة من تجمع دول غرب إفريقيا.
الخيار الثاني كان للوصول لصيغة تحدد إجراءات يتم بمقتضاها استعادة عضوية السودان، وهذا يعني بشكل مباشر التراجع عن المحددات والمعايير الموضوعة في العام السابق بوجوب وقف الحرب واستعادة مسار الحكم المدني الديمقراطي وإنهاء التدابير والإجراءات المتصلة بالانقلاب العسكري في أكتوبر 2021م.
ويبدو أن سلطة بورتسودان والجهات المساندة لها توقعوا أن تكون خارطة طريق السلام المقدمة من سلطة بورتسودان هي إطار وقف الحرب المقبول والمعتمد، وما يتم بمقتضاها من تدابير سياسية بتشكيل مؤسسات حكم مدنية شكلاً، عديمة الصلاحيات والسلطات فعلاً، كحكومة يترأسها رئيس وزراء مدني أو مجلس تشريعي أو تنظيم انتخابات عامة صورية، عبر خارطة طريق زمنية سيكون أمراً ممكناً تحقيقه خلال الاجتماعات.
كيف خسروا الرهان؟
انتهت وقائع الاجتماع بتأكيد مجلس السلم والأمن الإفريقي على قراره السابق في العام الماضي، الذي حدد مسار استعادة عضوية السودان وأي من الدول التي شهدت انقلابات عسكرية باستعادة مسار الحكم الديمقراطي المدني، مع إضافة ذات الجزئية السابقة المضمنة في القرار الخاص بالسودان بوجوب وقف الحرب.
لعل السؤال المطروح هو: كيف خسرت بورتسودان والمجموعات المتحالفة معها الرهان الدبلوماسي؟ وفشلوا في إحداث أي اختراق في هذا الملف رغم العوامل التي كانت في صالح تحركاتهم تلك؟!. من الواضح أن بورتسودان ومن ساندوها أغفلوا ارتباط الحالة السودانية بغرب القارة التي شهدت انقلابات عسكرية نتج عنها تجميد عضوية (مالي، بوركينا فاسو، غينيا، والنيجر)، وتدخلت نيجريا بشكل حاسم ومباشر لإجهاض الانقلاب العسكري في بنين في السابع من ديسمبر الماضي. هذا التطابق جعل الملف السوداني مرتبطاً عضوياً بملفات الانقلابات العسكرية الذي تناهضه وتقاومه دول غرب إفريقيا وحلفاؤها بجنوب القارة وشبكة الامتدادات الخاصة التي تربطهما بدول وسط وشرق القارة.
العامل الثاني لخسارة بورتسودان ومن يتحالفون معها إقليمياً في هذا الملف مرتبط بحدوث شرخ كبير وسط دول مجموعة شرق إفريقيا في الملف السوداني نفسه. ففي وقت تجاهر دول منه على رأسها جيبوتي وإريتريا والصومال بدعم ومساندة سلطة بورتسودان، تبدو دول أخرى ذات تأثير كبير إما محايدة أو ذات موقف مناهض لسلطة بورتسودان، وهي دول ذات تأثير كبير في القارة الإفريقية خاصة إثيوبيا وكينيا ويوغندا. ومن المؤكد أن تبني مشروع رفع تجميد عضوية السودان إذا ما تم من قبل كتلة شرق إفريقيا كان سيجد معالجات وسنداً أقوى، وربما أفضى في إطار التفاهمات بين مناطق القارة للوصول لصيغة تحقق ثبات موقف القارة من الانقلابات واستعادة العضوية وفق حزمة شروط وإجراءات، والتي يتضح أن بورتسودان غير مستعدة بالمعطيات الحالية للتعامل أو التعاطي مع متطلبات استعادة عضوية السودان بالاتحاد الإفريقي. فهي تريد تحقيق هذا الأمر باستمرارها في الحرب واستمرار الانقلاب ونتائجه بمؤسسات مدنية فاقدة للسلطة وعديمة الصلاحيات، وهذا ما قادها فعلياً لفشل محاولاتها استعادة مقعد السودان وإهالة التراب على مساعيها لاكتساب الشرعية عبر بوابة الاتحاد الإفريقي.