العالم يدخل عصر “سياسة كرة الهدم” والعلاقات عبر الأطلسي على حافة الهاوية

مؤتمر ميونخ للأمن 2026

العالم يدخل عصر “سياسة كرة الهدم” والعلاقات عبر الأطلسي على حافة الهاوية

ميونخ: (ديسمبر)

في مشهد يعكس أعمق أزمة تشهدها العلاقات عبر الأطلسي منذ عقود، اختتمت مساء الأحد فعاليات الدورة الـ62 لمؤتمر ميونخ للأمن، التي انعقدت في الفترة من 13 إلى 15 فبراير 2026، تحت شعار “تحت التدمير”. وبمشاركة نحو 60 رئيس دولة وحكومة و100 وزير خارجية ودفاع من حوالي 120 دولة وأكثر من 1000 مشارك. شكل المؤتمر محطة فارقة في مسار العلاقات الدولية، حيث سادته نبرة تحذيرية من انهيار النظام متعدد الأطراف الذي قامت دعائمه بعد الحرب العالمية الثانية.

 

 “تحت التدمير”: تقرير ميونخ يعلن نهاية عهد الإصلاح

وقبل أيام من انطلاق المؤتمر، أصدر المنظمون تقرير ميونخ الأمني لعام 2026، الذي يحمل عنواناً ذا دلالات عميقة: “تحت التدمير”. وكشف التقرير، الذي قُدم في الجلسة الافتتاحية وشكل أساس المداولات، عن خلاصة صادمة مفادها أن العالم قد دخل عصر “سياسة كرة الهدم”، حيث لم تعد المؤسسات والأعراف الدولية الراسخة تواجه محاولات إصلاح، بل أصبحت مستهدفة بالتفكيك المتعمد والتحديات النشطة.

ويصنف التقرير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضمن فئة “رجال الهدم”، أي قادة الدول الذين يسعون عبر سياساتهم إلى تدمير القواعد والمؤسسات الدولية المعمول بها. ويأتي هذا التصنيف بعد عام واحد فقط من تنصيب ترامب لولاية ثانية، ليؤكد أن السياسة الخارجية الأمريكية باتت توصف رسمياً بأنها “هدامة”، خاصة مع تصريحات ترامب العلنية بأنه “لا يحتاج إلى القانون الدولي”.

وشرح كريستوف بوند، مدير البحث والسياسات في مؤتمر ميونخ وأحد كتاب التقرير، أن الاستراتيجية التقليدية للولايات المتحدة، التي كانت تقوم على التزامات طويلة الأمد تجاه المؤسسات متعددة الأطراف والتكامل الاقتصادي، إضافة إلى اعتبار الديمقراطية وحقوق الإنسان أصولاً استراتيجية، “قد ضعُفت أو أصبحت موضع تساؤل علني في السياسات الأمريكية الأخيرة”.

 

 العلاقة عبر الأطلسي: “نقطة انعطاف” غير مسبوقة

سيطرت التوترات على أجواء المؤتمر، حيث حذر فولفغانغ إيشينغر، رئيس المؤتمر، من أن العلاقة عبر الأطلسية تمر “بنقطة انعطاف” غير مسبوقة. وقال في كلمته الافتتاحية إن المؤتمر ينعقد في زمن “تزايد انعدام الأمن”، مع وجود نزاعات وأزمات متزامنة أكثر من أي وقت مضى.

أما المستشار الألماني فريدريش ميرتس، فوصف الشراكة عبر الأطلسية بأنها “لم تعد أمراً يمكننا اعتباره أمراً مفروغاً منه”، في إشارة واضحة إلى القلق الأوروبي المتصاعد من تحولات السياسة الأمريكية. ودعا ميرتس واشنطن إلى مراعاة كرامة الإنسان واحترام الاتفاقات المناخية والتجارة الحرة، في انتقاد مبطن للأحادية الأمريكية و”حرب الثقافة” التي يمثلها تيار “اجعلوا أمريكا عظيمة مجدداً”.

وفي المقابل، دعا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الحلفاء الأوروبيين إلى “تكثيف الجهود” والتوافق مع الرؤية الأمريكية الجديدة بشأن الأمن الدولي، بما في ذلك إعادة تقييم حلف الناتو وتعزيز المساهمات الأوروبية، وإعادة التفكير في ملفات أوكرانيا والتعريفات الجمركية وسياسة المناخ والهجرة.

 

 أوروبا القوية: دعوات للاستقلال الاستراتيجي

وعلى وقع هذه التوترات، تصاعدت الدعوات الأوروبية لتحقيق “استقلالية استراتيجية” حقيقية. ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أوروبا إلى أن تصبح “قوة جيوسياسية”، قائلاً: “يجب على الأوروبيين أن يبدأوا هذا العمل بفكرهم الخاص ومصالحهم الخاصة”. وشددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على أن الضغوط الخارجية، من النزاعات التجارية إلى الخلافات التنظيمية، تتطلب “أوروبا أكثر استقلالاً”.

لكن التصريحات الأكثر قوة جاءت من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي وصف القوة الصارمة بأنها “عملة العصر”، وقال إنه في مواجهة شهية روسيا للعدوان، “يجب على أوروبا أن تكون مستعدة للقتال إذا لزم الأمر”.

أما ماري-أغنيس ستراك-تسيمرمان، رئيسة لجنة الأمن والدفاع في البرلمان الأوروبي، فحذرت من تفسير خطاب روبيو على أنه علامة على تخفيف التوترات، ووصفته بأنه “إعلان حب مسموم”. وأضافت: “لم يكن هناك أي شيء مطمئن في ذلك الخطاب. ربما اختار روبيو نبرة مختلفة عن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في مؤتمر الأمن قبل عام، لكنه استحضر عالماً ليس عالمنا”.

من جانبها، رفضت كايا كالاس، رئيسة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، الادعاءات بأن أوروبا في حالة تراجع، مؤكدة أن القارة يجب أن تعزز دفاعاتها ودورها العالمي في بيئة تزداد تنافسية.

 

 أوكرانيا: الوحدة أفضل وسيلة اعتراض

في ملف الحرب الأوكرانية، أكد الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن “الوحدة هي أفضل وسيلة اعتراض” ضد روسيا، وحث على تقديم ضمانات أمنية واضحة لأوكرانيا. وطالبت عدة دول أوروبية بضرورة أن يكون لها مقعد على طاولة المفاوضات لإنهاء الحرب.

وفي سياق متصل، قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي: “يجب ألا تكون أوروبا على قائمة الطعام، بل على الطاولة”، في إشارة إلى ضرورة أن يكون للقارة العجوز دور فاعل في تقرير مصيرها ومستقبل الأمن الأوروبي.

 

 قضية غرينلاند: رمز القلق الأوروبي

شكلت قضية غرينلاند، بالنسبة لكثير من الأوروبيين، رمزاً لقلق أوسع من أن الحسابات الاستراتيجية لواشنطن قد تتجاوز حساسيات الحلفاء. وقال رئيس وزراء غرينلاند في المؤتمر: “لسنا سذجاً ونرى المنظور البعيد”، مشيراً إلى أن بلاده كانت “مركز الاهتمام منذ وقت طويل”. وأضاف أنه مع استمرار ذوبان الجليد، ستفتح طرق بحرية جديدة، معلناً استعداد بلاده “لتحمل مسؤوليتنا مع حلفائنا في الناتو”.

وجددت رئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدريكسن التأكيد على أن “جزيرة غرينلاند ليست للبيع”، معتبرة أن السيادة وحق تقرير المصير “أمران غير قابلين للتفاوض”. وكشفت أن كوبنهاغن اقترحت أن يكون الناتو “حضوراً دائماً في منطقة القطب الشمالي، وأيضاً في غرينلاند وحولها”.

 

السودان في المؤتمر: جدل حول المشاركة والانتهاكات

وفي حلقة نقاشية خاصة بالسودان بعنوان “ثلاث سنوات من الدمار – إنهاء الحرب في السودان”، أدارتها مراسلة قناة “ITV” البريطانية ليندزي هيلسوم، شهدت الجلسة جدلاً واسعاً حول مشاركة رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس.

وفي الجزء الأول من الحلقة، أجرت هيلسوم حواراً مع إدريس، الذي قدمته بوصفه “رئيس الوزراء الذي عينته الحكومة العسكرية في السودان، وأن حكومته لا تعترف بها كثير من الدول”. واستعرض إدريس مبادرة السودان للسلام إلى جانب “المبادرة الثلاثية” التي طرحتها الولايات المتحدة ومصر والسعودية، قائلاً إن حكومته “لم توافق حتى الآن على أي مقترح ملموس”.

ورفض كامل إدريس التفاوض مع قوات الدعم السريع، كما رفض أي مساواة أخلاقية بين الجانبين، مصرحاً بأن أفعال قوات الدعم السريع ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل وتستحق توصيفاً قانونياً أعلى، في حين أن القوات المسلحة السودانية، بحسب قوله، تقوم بواجبها الدستوري في الدفاع المشروع عن النفس وحماية مؤسسات الدولة والسكان المدنيين. كما رفض رئيس الوزراء وقف إطلاق النار المنفرد، وطالب بوقف الدعم الخارجي المزعوم للجماعات المسلحة، ودافع عن خارطة طريق للسلام تركز على السيادة، وصوّر الحرب باعتبارها دفاعاً وطنياً وتحدياً أمنياً دولياً في آن واحد.

وعند سؤاله عن انتهاكات الجيش السوداني، خاصة في عمليات القصف الجوي التي تسقط ضحايا مدنيين، أجاب إدريس بأن الجيش “يتصرف دفاعياً، بينما يرتكب خصومه جرائم حرب”.

لكن الاعتراض الأبرز جاء من وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، التي عبرت عن رفضها مشاركة رئيس الوزراء السوداني في المؤتمر، قائلة: “هذا المؤتمر يجب ألا تتم فيه الدعوة للذين يمثلون الجيش”. وأضافت: “على المجتمع الدولي أن يستمع لنساء السودان اللائي تعرضن للعنف الجنسي والاغتصاب، وليس للعسكريين أو ممثليهم”. وكشفت كوبر عن تورط عدة دول في تأجيج الحرب دون تسميتها.

وهذا الاعتراض ربما يكون السبب الذي أدى إلى نقل رئيس الوزراء من المنصة الرئيسية إلى حوار منفرد مع الصحفية ليندزي هيلسوم، والتي قدمته في بداية الحوار بوصفه ” رئيس الوزراء الذي عينته الحكومة العسكرية في السودان، وأن حكومته لا تعترف بها كثير من الدول”.

من جانبها، قالت وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبدالي-رادوفان: “نحن ندعم الحركة المدنية في السودان، وسندعوها لمؤتمر برلين بمناسبة مرور ثلاث سنوات على الحرب”، مشددة على دعم تكوين “حكومة مدنية لا مكان فيها للعسكر”.

أما مسعد بولس، المستشار الخاص للرئيس ترامب لشؤون الشرق الأوسط، فأعلن أن المسودة النهائية للمبادرة الرباعية ستُرسل قريباً لمجلس الأمن “ليضفي عليها قانونيته ولوضع الآليات اللازمة لمراقبة وقف إطلاق النار الإنساني”. وأكد أن ترامب “عازم على إنهاء الحرب في السودان ووقف معاناة السودانيين الذين يواجهون أسوأ أزمة إنسانية في العالم”. وأضاف أن “الدعم السريع ارتكب جرائم فظيعة، وأن الجيش استخدم الكيماوي لقتل المواطنين”.

واختتم الحلقة الشاب السوداني محمد فتح الرحمن محمد والذي تحدث في الحلقة النقاشية باعتباره شاهداً على مجريات الحرب في السودان وأدان الانتهاكات التي ارتكبها الدعم السريع.

 

مظاهرات حاشدة على هامش المؤتمر

وخارج قاعات المؤتمر، شهدت ميونخ مظاهرات تضامناً مع الشعب الإيراني وضد الحكومة الإيرانية، شارك فيها أكثر من 250 ألف شخص، سلطت الضوء على وضع حقوق الإنسان في إيران. ودعا المعارض المنفي رضا بهلوي إلى “انتقال ديمقراطي علماني”، وناشد واشنطن تقديم الدعم. كما شهدت المدينة احتجاجات أخرى ضد الحرب والتطرف وسياسات الصحة العامة.

وفي الختام، يبقى السؤال الأكبر الذي يطرحه مؤتمر ميونخ 2026: هل تستطيع أوروبا بناء قدراتها الدفاعية والاستراتيجية بعيداً عن المظلة الأمريكية؟ وهل سينجح النظام الدولي في النجاة من عصر “سياسة كرة الهدم” الذي يمارسه رجال الهدم في واشنطن وموسكو وعواصم أخرى؟ وفي خضم هذه التحولات الجذرية، يبرز اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي على إعادة ابتكار آليات العمل المشترك، خاصة في ظل تحديات عابرة للحدود كالتغير المناخي والأمن السيبراني التي لا يمكن لأي دولة مواجهتها بمفردها. الإجابة ستتضح في الأشهر المقبلة، لكن الأكيد أن العالم لم يعد كما كان قبل هذه الدورة المصيرية من مؤتمر ميونخ للأمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *